منوعات

سلسلة شيوخ الأزهر46- فضيلة الدكتور عبد الحليم محمود

محمد عبد الحي عوينة

كاتب وداعية إسلامي. إندونيسيا.
عرض مقالات الكاتب


ولد في 2 جمادى الأولى 1328هـ الموافق 12 مايو 1910م
صدر قرار تعينه شيخاً للأزهر في 22صفر 1393هـ/27 مارس 1973م
توفي صبيحة يوم الثلاثاء 15 ذو القعدة 1397 هـ / 17 أكتوبر 1978م
مولده ونشأته:
ولد في 2 جمادى الأولى 1328هـ الموافق 12 مايو 1910م، بقرية أبو حمد مركز بلبيس بمحافظة الشرقية. والقرية منسوبة إلى جده أبو حمد الذي أنشأ القرية وأصلح أرضها، وهي تثع على ترعة الإسماعيلية، وتبعد عن القاهرة حوالي 50 كم. (الأزهر في ألف عام 3/20)

  • نشأ في أسرة كريمة مشهورة بالصلاح والتقوى، وكان أبوه محمود علي ممن تعلم بالأزهر لكنه لم يكمل دراسته فيه لوفاة والده علي، فتفرغ لرعاية الأسرة. (الأزهر في ألف عام 3/20)
  • حفظ الشيخ عبد الحليم القرآن الكريم بقريته، ثم التحق بالأزهر سنة 1923م. (الأزهر في ألف عام 3/20)
    مسيرته العلمية:
  • كانت الدراسة في الأزهر تتيح للطالب فرصة اختزال سنوات الدراسة ودمج الخمس سنوات في سنتين، فتقدم من منزله إلى شهادة إتمام الدراسة الثانوية بالمعهد فحصل عليها سنة 1928م. (الأزهر في ألف عام 3/22)
  • حصل على العالمية سنة 1351 هـ / 1932م. (الأزهر في ألف عام 3/22)
  • وفي نهاية سنة 1937م التحق بالبعثة الأزهرية، وسافر إلى فرنسا على نفقته الخاصة لاستكمال تعليمه العالي، حيث حصل على الدكتوراه في الفلسفة الإسلامية عن الحارث المحاسبي سنة 1359هـ / 1940م بامتياز وقررت الجامعة طبعها على نفقتها بالفرنسية. (الأزهر في ألف عام 3/24)
    مناصبه والوظائف التي تولاها:
  • عمل بعد عودته إلى مصرمدرساً لعلم النفس بكلية اللغة العربية بجامعة الأزهر. (الأزهر في ألف عام 3/24)
  • ثم أستاذاً للفلسفة بكلية أصول الدين عام 1951م
  • ثم عميدا لكلية أصول الدين سنة 1384هـ = 1964م
  • عين عضواً ثم أمينا عاما لمجمع البحوث الإسلامية فنهض به وأعاد تنظيمه. (الأزهر في ألف عام 3/25)
  • عين وكيلا للأزهر سنة 1390 هـ / 1970م (الأزهر في ألف عام 3/26)
  • عيّن وزيراً للاوقاف وشئون الأزهر. (الأزهر في ألف عام 3/27)
    توليه أمانة مجمع البحوث الإسلامي :
    بدت بوادر الإصلاح واضحة في سلوك الشيخ عبد الحليم محمود بعد توليه أمانة مجمع البحوث الإسلامية الذي حل محل جماعة كبار العلماء، فبدأ بتكوين الجهاز الفني والإداري للمجمع من أفضل رجال الأزهر، وتجهيزه بمكتبة علمية ضخمة استغل في تكوينها صداقاته وصلاته بكبار المؤلفين والباحثين وأصحاب المروءات. عمل الشيخ على توفير الكفايات العلمية التي تتلاءم مع رسالة المجمع العالمية، وفي عهده تم عقد مؤتمر مجمع البحوث الإسلامية، وتوالى انعقاده بانتظام، كما أقنع المسئولين بتخصيص قطعة أرض فسيحة بمدينة نصر لتضم المجمع وأجهزته العلمية والإدارية، ثم عني بمكتبة الأزهر الكبرى، ونجح في تخصيص قطعة أرض مجاورة للأزهر لتقام عليها الجامعة.
    وأثناء توليه لوزارة الأوقاف عني بالمساجد عناية كبيرة، فأنشأ عدداً منها، وضم عدداً كبيراً من المساجد الأهلية، وجدد المساجد التاريخية الكبرى مثل جامع عمرو بن العاص أقدم المساجد في إفريقيا، وأوكل الخطبة فيه إلى الشيخ محمد الغزالي فدبت فيه الروح، وعادت إليه الحياة بعد أن إغتالته يد الإهمال، وتدفقت إليه الجماهير من كل صوب وحدب، وأنشأ بمساجد الوزارة فصولاً للتقوية ينتفع بها طلاب الشهادتين الإعدادية والثانوية جذبت آلاف من الطلاب إلى المساجد وربطتهم بشعائر دينهم الحنيف.
    رأى أن للوزارة أوقافاً ضخمة تدر ملايين الجنيهات أخذها الإصلاح الزراعي لإدارتها لحساب الوزارة، فلم تعد تدر إلا القليل، فاستردها من وزارة الإصلاح الزراعي، وأنشأ هيئة كبرى لإدارة هذه الأوقاف لتدر خيراتها من جديد، وعلم أن هناك أوقافاً عدت عليها يد الغصب أو النسيان، فعمل على استرداد المغتصب، وإصلاح الخرب.
    توليه مشيخة الأزهر:
    تولى الشيخ عبد الحليم محمود بعدها مشيخة الأزهر في ظروف بالغة الحرج، وذلك بعد مرور أكثر من 10 سنوات على صدور قانون الأزهر سنة 1381هـ = 1961م الذي توسع في التعليم المدني ومعاهده العليا، وألغى جماعة كبار العلماء، وقلص سلطات شيخ الأزهر، وغلّ يده في إدارة شئونه، وأعطاها لوزير الأوقاف وشئون الأزهر، وهو الأمر الذي عجّل بصدام عنيف بين محمود شلتوت شيخ الأزهر الذي صدر القانون في عهده وبين تلميذه الدكتور محمد البهي الذي كان يتولى منصب وزارة الأوقاف، وفشلت محاولات الشيخ الجليل في استرداد سلطاته، وإصلاح الأوضاع المقلوبة.
    ولم يكن أكثر الناس تفاؤلا يتوقع للشيخ عبد الحليم محمود أن يحقق هذا النجاح الذي حققه في إدارة الأزهر، فيسترد للمشيخة مكانتها ومهابتها، ويتوسع في إنشاء المعاهد الأزهرية على نحو غير مسبوق، يجعل للأزهر رأياً وبياناً في كل موقف وقضية، حيث أعانه على ذلك صفاء نفسه ونفاذ روحه، واستشعار المسئولية الملقاة على عاتقه، وثقة في الله عالية، جعلته يتخطى العقبات ويذلل الصعاب.
    صدر قرار تعيين الشيخ عبد الحليم محمود شيخاً للأزهر في 22 صفر 1393هـ = 27 مارس 1973م، وكان هذا هو المكان الطبيعي الذي أعده الله له. (الأزهر في ألف عام 3/27)
    وما كاد الشيخ يمارس أعباء منصبه وينهض بدوره على خير وجه حتى بوغت بصدور قرار جديد من رئيس الجمهورية في 17 جمادى الآخرة 1394هـ = 7 يوليو 1974م يكاد يجرد شيخ الأزهر مما تبقى له من اختصاصات ويمنحها لوزير الأوقاف والأزهر، وما كان من الشيخ إلا أن قدم استقالته لرئيس الجمهورية على الفور، معتبراً أن هذا القرار يغض من قدر المنصب الجليل ويعوقه عن أداء رسالته الروحية في مصر والعالم العربي والإسلامي. (الأزهر في ألف عام 3/30)
    روجع الإمام في أمر إستقالته، وتدخل الحكماء لإثنائه عن قراره، لكن الشيخ أصر على إستقالته، وامتنع عن الذهاب إلى مكتبه، ورفض تناول راتبه، وطلب تسوية معاشه، وأحدثت هذه الإستقالة دوياً هائلاً في مصر وسائر أنحاء العالم الإسلامي، وتقدم أحد المحامين الغيورين برفع دعوى حسبة أمام محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة ضد رئيس الجمهورية ووزير الأوقاف، طالباً وقف تنفيذ قرار رئيس الجمهورية.
    إزاء هذا الموقف الملتهب اضطر أنور السادات إلى معاودة النظر في قراره ودراسة المشكلة من جديد، وأصدر قراراً أعاد فيه الأمر إلى نصابه، جاء فيه: شيخ الأزهر هو الإمام الأكبر وصاحب الرأي في كل ما يتصل بالشئون الدينية والمشتغلين بالقرآن وعلوم الإسلام، وله الرياسة والتوجيه في كل ما يتصل بالدراسات الإسلامية والعربية في الأزهر. تضمن القرار أن يعامل شيخ الأزهر معاملة الوزير من حيث المرتب والمعاش، ويكون ترتيبه في الأسبقية قبل الوزراء مباشرة، وانتهت الأزمة وعاد الشيخ إلى منصبه ليواصل جهاده. وجدير بالذكر أن قراراً جمهورياً صدر بعد وفاة الشيخ بمساواة منصب شيخ الأزهر بمنصب رئيس الوزراء. (الأزهر في ألف عام 3/30)
    موقفه من تعديل قانون الأحوال الشخصية:
    تصدى الدكتور عبد الحليم محمود لقانون الأحوال الشخصية الذي حاولت الدكتورة عائشة راتب إصداره دون الرجوع إلى الأزهر، وحرصت على إقراره من مجلس الشعب على وجه السرعة، وكان هذا القانون قد تضمن قيوداً على حقوق الزوج على خلاف ما قررته الشريعة الإسلامية.
    ولما علم الإمام الأكبر بهذا القانون أصدر بياناً قوياً حذر فيه من الخروج على تعاليم الإسلام، وأرسله إلى جميع المسئولين وأعضاء مجلس الشعب وإلى الصحف، ولم ينتظر صدور القانون بل وقف في وجهه قبل أن يرى النور، لكن بيان الشيخ تآمرت عليه قوى الظلام فصدرت التعليمات إلى الصحف بالإمتناع عن نشره، واجتمعت الحكومة للنظر في بيان الشيخ عبد الحليم محمود، ولم تجد مفراً من الإعلان عن أنه ليس هناك تفكير على الإطلاق في تعديل قانون الأحوال الشخصية، وبذلك نجح الإمام في قتل القانون في مهده. (الأزهر في ألف عام 3/30)
    مؤلفاته:
    للشيخ أكثر من 60 مؤلفاً في التصوف والفلسفة، بعضها بالفرنسية، ويمكن تقسيم مؤلفاته ثلاثة أقسام:
    القسم الأول كتب بالفرنسية وتم ترجمه إلى العربية
    1- استاذ السائرين الحارث بن أسد المحاسبي طبع في باريس سنة1940م.
    2- وازن الارواح – اندريه موروا مترجم عن الفرنسية سنة 1959م.
    3- الفلسفة اليوناتية مترحم عن الفرنسية.
    4- المشكلات الأخلاقية والفلسفة. مترحم عن الفرنسية.
    5- الأخلاق في الفلسفة الحديثة. مترجم أيضاً عن الفرنسية
    6- محمد رسول الله مترجم
    القسم الثاني: ما حققه ونشره من التراث الإسلامي:
    1- الرعاية لحقوق الله سبحانه للمحاسبي. دار الكتب 1958م.
    2- الفلسفة الهندية للبيروني 1958م.
    3- التعرف لمذاهب أهل التصوف للكلاباذي
    4- اللمع للطوسي.
    5- تفسير التستري (جزءان)
    6- الطريق إلى الله1973م.
    7- الرسالة القشيرية
    8- المنقذ من الضلال
    القسم الثالث: وهو ما ألفه في مواضيع علمية متعددت الموضوعات بلغت خمسين مؤلفاً، نذكر منها
    1- الفليسوف المسلم
    2- التصوف عند ابن سينا
    3- أوربا والإسلام
    4- الإيمان
    5- أسرار العبادات في الإسلام
    6- التصوف الإسلامي
    7- الإمام الرباني الزاهد عبدالله بن المبارك
    8- الحمد لله هذه حياتى
    9- السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي
    10- العارف بالله أبو الأنوار شمس الدين الحفني
    11- العارف بالله بشر بن الحارث الحافي
    12- العارف بالله سهل بن عبدالله التستري حياته وآراؤه
    13- العالم العابد العارف بالله ذو النون المصري
    14- الفضيل بن عياض صوفي من الرعيل الأول
    15- القرآن في شهر القرآن
    16- القرآن و النبي
    17- القطب الشهيد عبد السلام بن بشيش
    18- الليث بن سعد إمام أهل مصر
    19- إمام التابعين سعيد بن المسيب
    20- تفسير سورة آل عمران
    21- دلائل النبوة ومعجزات الرسول صلى الله عليه وسلم
    22- سفيان الثوري أميرالمؤمنين في الحديث
    23- سيدنا زين العابدين
    24- سيدي أبو البركات أحمد الدردير
    25- شيخ الشيوخ أبو مدين الغوث حياته ومعراجه إلى الله
    26- فاذكروني أذكركم
    27- فتاوى الامام عبد الحليم محمود
    28- فتاوى عن الشيوعية
    29- قضية التصوف المدرسة الشاذلية
    30- محمد رسول الله
    31- مع الانبياء والرسل
    32- موقف الاسلام من الفن والعلم والفلسفة
    33- وربك الغفور ذو الرحمة
    34- أبو ذر الغفاري والشيوعية
    35- الحج إلى بيت الله الحرام
    36- التفكير الفلسفي في الإسلام
    37- السيد احمد البدوي رضي الله عنه
    38- تاج الصوفية أبو بكر الشبلي حياته وآراؤه
    39- سلطان العارفين أبو اليزيد البسطامي
    40- فلسفة ابن طفيل
    41- أقطاب التصوف الثلاثة السيد أحمد البدوي، السيد أحمد الرفاعي، السيد عبد الرحيم القناوي – صلاح عزام – تقديم عبد الحليم محمود
    وفاة الشيخ :
    كانت حياة الشيخ عبد الحليم محمود جهاداً متصلاً وإحساساً بالمسئولية التي يحملها على عاتقه، فلم يركن إلى اللقب الكبير الذي يحمله، أو إلى جلال المنصب الذي يتقلده، فتحرك في كل مكان يرجو فيه خدمة الإسلام والمسلمين، وأحس الناس فيه بقوة الإيمان وصدق النفس، فكان يقابل مقابلة الملوك والرؤساء، بل أكثر من ذلك؛ حيث كانت الجموع المحتشدة التي هرعت لإستقباله في الهند وباكستان وماليزيا وإيران والمغرب وغيرها تخرج عن حب وطواعية لا عن سوق وحشد وإرهاب.
    في ظل هذا النشاط الجم والرحلات المتتابعة لتفقد المسلمين شعر بآلام شديدة بعد عودته من الأراضي المقدسة فأجرى عملية جراحية لقي الله بعدها في صبيحة يوم الثلاثاء الموافق 15 ذو القعدة 1398 هـ / 17 أكتوبر 1978م بمستشفى الشبراويشي. (الأزهر في ألف عام 3/ 34)
    انتشار التصوف في أيامه:
    لم يكن موقف شيوخ الأزهر من التصوف واحداً، فمن الشيوخ من كان لهم فهم سلفي صحيح مثل الشيخ عبد المجيد سليم، كان رجلاً سلفياً صاحب دعوة، بينما نجد غيره مثلاً الشيخ الظواهري كان رجلاً متصوفاً، حتى إن بعض شيوخ الأزهر عندما يرى جَوْراً لشيخ الأزهر عليه فإنه يشكوه إلى السيد البدوي، ولما جاء الشيخ شلتوت انحسرت الصوفية في أيامه، لكن لما جاء الشيخ عبد الحليم محمود وهو مغرق في التصوف زاد التصوف وانتشر في أيامه.
    فشيوخ الأزهر لم يكونوا على وتيرة واحدة في هذا الأمر؛ فمنهم المغرق في التصوف يحضر حفلاته ويرى ولاء هؤلاء الشيوخ، ويدافع عنهم بل ويكون هو منهم، وهناك من يخالف ذلك، فكتاب الفتاوى الذي أصدره جاد الحق – رحمه الله – واشتمل على فتاوى دار الإفتاء المصرية من أيام الشيخ محمد عبده إلى أيام الشيخ جاد الحق، تجد الفتاوى فيه متباينة.
    فكل فتوى تبع للشيخ الذي أفتى فيها؛ فمنهم من يفتي بالبدعة والترويج لها،
    ومنهم من يفتي بفتوى توافق السنة وتخالف البدعة. (مجلة البيان 139/ 32)
    أهم مواقفه:
  • حوار الأديان: وقد عمل الشيخ عبد الحليم محمود أثناء توليه مشيخة الأزهر على التصدي لقضية الحوار بين الأديان على سنة سلفه من شيوخ الأزهر السابقين ولذلك جاء رفضه – رحمه الله – للمؤتمرات التي تعقد بدعوى التفاهم الإسلامي النصراني، والكتب المشتركة بن الإسلام والمسيحية: فقد اقترح البابا شنودة بطريرك الأقباط في مصر تأليف كتب دينية مشتركة ليدرسها الطلبة المسلمون والمسيحيون جميعاً في المدارس، مبرراً ذلك بتعميق الوحدة الوطنية بين عنصري الأمة، وتقوية الروابط بينهما. ولقي هذا الاقتراح قبولا بين كبار المسئولين، وزار الدكتور مصطفى حلمي وزير التربية والتعليم آنذاك الإمام الأكبر ليستطلع رأيه في هذا الاقتراح، لكن الشيخ الغيور واجه الوزير بغضبة شديدة قائلا له: من أذن لك بهذا، ومن الذي طلبه منك، إن مثل هذه الفكرة إذا طلبت فإنما توجه إلينا من كبار المسئولين مباشرة، وعندما يطلب منا مثل هذه الكتب فلن يكون ردي عليها سوى الاستقالة؛ فما كان من الوزير إلا أن استرضى الشيخ الغاضب وقدم اعتذاراً له قائلا له : إنني ما جئت إلا لأستطلع رأي فضيلتكم وأعرف حكم الدين، ويوم أن تقدم استقالتك لهذا السبب فسأقدم استقالتي بعدك مباشرة. (مجلة البيان 139/ 32)
  • المحاكم العسكرية: من مواقف الشيخ الشجاعة ما أبداه تجاه المحكمة العسكرية التي تصدت للحكم في قضية جماعة التكفير والهجرة المصرية، وكانت المحكمة قد استعانت بعدد من علماء الأزهر لإبداء الرأي في فكر هذه الجماعة، غير أن المحكمة لم تسترح لرأيهم، وكررت ذلك أكثر من مرة، وكانت في عجلة من أمرها؛ الأمر الذي جعلها تصدر أحكاما دون استئناس برأي الأزهر.
    لم تكتف هذه المحكمة بذلك بل تضمن حكمها هجوما على الأزهر وعلمائه، وقالت: إنه كان على المسئولين عن الدعوة الدينية أن يتعهدوا الأفكار بالبحث والتدبر بدلاً من إهمالها وعدم الاعتناء بمجرد بحثها. ولمزت المحكمة علماء الأزهر بقولها: “ووا أسفا على إسلام ينزوي فيه رجال الدين في كل ركن هاربين متهربين من أداء رسالتهم، أو الإفصاح عن رأيهم، أو إبداء حكم الدين فيما يعرض عليهم من أمور، فلا هم أدوا رسالتهم وأعلنوا كلمة الحق، ولا هم تركوا أماكنهم لمن يقدر على أداء الرسالة”.
    كانت كلمات المحكمة قاسية وغير مسئولة وتفتقد إلى الموضوعية والأمانة، وهو ما أغضب الإمام الأكبر لهذا الهجوم العنيف، فأصدر بيانا امتنعت معظم الصحف اليومية عن نشره، ولم تنشره سوى صحيفة الأحرار. في هذا البيان اتهم عبد الحليم محمود المحكمة بالتعجل وعدم التثبت، وأنها لم تكن مؤهلة للحكم على هذا الفكر، وأنها تجهل الموضوع الذي تصدرت لمعالجته، وكان يجب عليها أن تضم قضاة شرعيين يقفون موقفها ويشاركونها المسئولية، ويتمكنون من الاطلاع على جميع ظروف القضية ونواحيها، فيتمكنون من إصدار الحكم الصحيح.
    واتهم الإمام المحكمة بأنها لم تمكّن علماء الأزهر من الاطلاع على آراء هذا التنظيم أو الاستماع إلى شرح من أصحابه، والاطلاع على كافة الظروف التي أدت بهم إلى هذا الفكر، واكتفت بأن عرضت عليهم المحضر الذي سجلته النيابة من أقوال ومناقشات، وهذا لا يرقى أن يكون مصدراً كافياً يقوم عليه بحث العلماء، أو أساساً متكاملاً تصدر عليه أحكام.
  • بين الجزائر والمغرب: ومن أهم مواقفه التى تبين إهتمامه بالمسلمين فى كل مكان، قامت أزمة عنيفة بين المغرب والجزائر بشأن مشكلة الصحراء الغربية التي كانت أسبانيا تحتلها، وأدى الخلاف بينهما إلى مناوشات حربية كادت تتحول إلى حرب عنيفة.
    ولما علم الإمام بأخبار هذه التحركات سارع إلى إرسال برقية إلى كل من ملك المغرب ورئيس الجزائر، دعاهما إلى التغلب على نوازع الخلاف وعوامل الشقاق والفرقة، وأن يبادرا بتسوية مشكلاتهما وموضوعات الخلاف بينهما بالتفاهم الأخوي والأسلوب الحكيم، وناشدهما باسم الإسلام أن يلقيا السلاح وأن يحتكما إلى كتاب الله.
    أرسل في الوقت نفسه برقية إلى الرئيس السادات يرجوه التدخل للصلح بين القطرين الشقيقين، جاء فيها: “تتعلق بزعامتكم قلوب المسلمين من العرب والمسلمين الذين ينتظرون مساعيكم الحميدة في إصلاح ذات البين بمناسبة الصدام المسلح المؤسف بين البلدين الشقيقين الجزائر والمغرب”.
    رد السادات على برقية شيخ الأزهر ببرقية يخبره فيه بمساعيه للصلح بين الطرفين جاء فيها: “تلقيت بالتقدير برقيتكم بشأن المساعي لحل الأزمة بين الجزائر والمغرب، وأود أن أؤكد لكم أن مصر تقوم بواجبها القومي من أجل مصالح العرب والمسلمين، وما زال السيد محمد حسني مبارك نائب الرئيس يقوم بمهمته المكلف بها، أرجو الله عز وجل أن يكلل جهوده بالنجاح والتوفيق…”.
    في الوقت نفسه أرسل برقية إلى خالد بن عبد العزيز عاهل المملكة السعودية آنذاك يدعوه للتدخل إلى حقن الماء بين الشقيقين وفض النزاع بينهما، وقد أحدثت هذه البرقيات أصداء قوية، وكانت عاملا في هدوء الحالة بين الدولتين الشقيقتين.
    التوسع في إنشاء المعاهد الأزهرية :
    تولى الشيخ عبد الحليم محمود مشيخة الأزهر في وقت اشتدت فيه الحاجة لإقامة قاعدة عريضة من المعاهد الدينية التي تقلص عددها وعجزت عن إمداد جامعة الأزهر بكلياتها العشرين بأعداد كافية من الطلاب، وهو الأمر الذي جعل جامعة الأزهر تستقبل أعدادا كبيرة من حملة الثانوية العامة، وهم لا يتزودون بثقافة دينية وعربية تؤهلهم أن يكونوا حماة الإسلام.
    أدرك الشيخ خطورة هذا الموقف فجاب القرى والمدن يدعو الناس للتبرع لإنشاء المعاهد الدينية، فلبى الناس دعوته وأقبلوا عليه متبرعين، ولم تكن ميزانية الأزهر تسمح بتحقيق آمال الشيخ في التوسع في التعليم الأزهري، فكفاه الناس مئونة ذلك، وكان لصلاته العميقة بالحكام وذوي النفوذ والتأثير وثقة الناس فيه أثر في تحقيق ما يصبو إليه، فزادت المعاهد في عهده على نحو لم يعرفه الأزهر من قبل.
    تطبيق الشريعة الإسلامية :
    من أهم دعوات الشيخ دعوته إلى تطبيق الشريعة الإسلامية من ميادين الجهاد التي خاضها في صبر وجلد داعياً وخطيباً ومحاضراً ومخاطباً المسئولين في البلاد، فكتب إلى كل من سيد مرعي رئيس مجلس الشعب، وممدوح سالم رئيس مجلس الوزراء يطالبهما بالإسراع في تطبيق الشريعة الإسلامية، ويقول لهمها: “لقد آن الأوان لإرواء الأشواق الظامئة في القلوب إلى وضع شريعة الله بيننا في موضعها الصحيح ليبدلنا الله بعسرنا يسرا وبخوفنا أمنا.
    لم يكتف الإمام الأكبر بإلقاء الخطب والمحاضرات وإذاعة الأحاديث، بل سلك سبيل الجهاد العلمي، فكوّن لجنة بمجمع البحوث الإسلامية لتقنين الشريعة الإسلامية في صيغة مواد قانونية تسهل استخراج الأحكام الفقهية على غرار القوانين الوضعية، فأتمت اللجنة تقنين القانون المدني كله في كل مذهب من المذاهب الأربعة.
    الاهتمام بأمور المسلمين :
    كان الشيخ عبد الحليم محمود يستشعر أنه إمام المسلمين في كل أنحاء العالم، وأنه مسئول عن قضاياهم، وكان هؤلاء ينظرون إليه نظرة تقدير وإعجاب، فهم يعتبرونه رمز الإسلام وزعيم المسلمين الروحي، ولهذا كان يخفق قلب الإمام لكل مشكلة تحدث في العالم الإسلامي، ويتجاوب مع كل أزمة تلمّ ببلد إسلامي.
    فقد أصدر بياناً بشأن الأحداث الدامية والحرب الأهلية في لبنان، دعا الأطراف المتنازعة من المسلمين والمسيحيين إلى التوقف عن إراقة الدماء وتخريب معالم الحياة، وأهاب بزعماء العرب والمسلمين إلى المسارعة في معاونة لبنان على الخروج من أزمته، وفاء بحق الإسلام وحق الأخوة الوطنية والإنسانية، وقياما ببعض تبعات الزعامة والقيادة التي هي أمانة الله في أعناقهم.
    لم يكتف الشيخ بذلك بل أرسل برقية إلى الأمين العام لجامعة الدول العربية يناشده العمل بحسم وعزم على وقف النزيف الدموي الذي أسالته المؤامرات المعادية على أرض لبنان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى