مقالات

“قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ”

د. عز الدين الكومي

كاتب مصري
عرض مقالات الكاتب


بعد أن ظهرت نتائج انتخابات البلديات فى تركيا أمس رأيت المحلليين من هنا وهناك يتحدثون عن نتائج الإنتخابات التى جاءت مخيبة لآمال الكثيرين؛ ليس قى تركيا فقط، بل في محيطها الإقليمي والدولي .


لكن مالفت نظري فى كم التحليلات السريعة للأسف؛ حتي من شبكات عريقة ومحترمة- أني رأيت الجميع يُرجع أسباب خسارة الحزب الحاكم “حزب العدالة والتنمية” إلي أسباب اقتصادية صرفة مثل : تدهور الليرة، وارتفاع التضخم ،وزيادة الأسعار، وغير ذلك. وفريق آخر يُرجع أسباب الخسارة والهزيمة المدوية إلى: تناقضات السياسة الخارجية التركية. بينما هناك فريق ثالث اعتبرأن أسباب الخسارة هي قضية المهاجرين وتخبط السياسة الداخلية التركية فى التعامل معها. وأعتقد بأن هذه الحزم الثلاثة تقريباً جمعت كل ماأدلي به المحللون طوال ليلة أمس .


وبينما كنت أصلى التهجد فى أحد المساجد وكان القارىء صاحب الصوت الجميل الندى يقرأ قول الله تعالي:
(أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)[ آل عمران: 165].
فرجعت بذاكرتى -وأنا أتابع القارىء- إلى سبب ورورد هذه الآية بعد هزيمة أحد؛ فرأيت أن الله تعالي حدد سبب الهزيمة واكتفي به، فبين سبحانه وتعالي أن سبب الهزيمة من عند أنفسكم أنتم؛ وليس بسبب قوة الأعداء أوكثرة عددهم وعدتهم. ولكن المشكلة الأساسية تكمن فى نفوسكم أنتم لأن المعاصي سبب للمصائب والكوارث الخاصة والعامة.


كما قال تعالى فى موضع آخرمن الكتاب العزيز:”مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ [النساء:79]،فقال أهل العلم إن كل ما يقع للإنسان من مصائب في نفسه وأهله وماله وتجارته غالباً مايكون بسببه هو. وهو ما يحتاج إلى سرعة الاستغفار والتوبة والإنابة إلى الله؛ مع مراجعة النفس ومحاسبتها. ولا يظل يبحث هنا وهناك عن شماعة يعلق عليها مصيبته؛ تاركاً السبب الحقيقى؛ فتجده يتسائل قائلاً:كيف حدث لي هذا؟! كما قال الصحابة -رضوان الله عليهم- ذلك عقب هزيمة أحد!
وكما يقول ابن القيم -رحمه الله- فى تعليقه على قوله تعالي” “أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ”.


“فما سُلط على العبد من يؤذيه إلا بذنب يعلمه أولا يعلمه؛ وما لايعلمه العبد من ذنوبه أضعاف ما يعلمه منها. وما ينساه مما علمه وعمله أضعاف ما يذكره. وفي الدعاء المشهور “اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم وأستغفرك لما لا أعلم”.
وإذا كانت معصية واحدة من قِبل الرُماة يوم أحد حدث بسببها قتل سبعين من الصحابة -رضوان الله عليهم-،منهم عم النبي ﷺ حمزة بن عبدالمطلب، وشُج النبي ﷺ، وكُسرت رباعيته.


“قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ” جواب فى غاية الوضوح لا لبس فيه ولاغموض. وهكذا ينبغي أن يكون تفكير المؤمن لاسيما في القضايا الهامة التي يترتب عليها نتائج ضخمة كالحدث الذى نحن بصدده.
“قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ”: فالمولي عز وجل لم يُحدد السبب ربما تلطفًا بالمؤمنين ، لكنه بينه فى موضع سابق،فى قوله تعالي: حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ [آل عمران:152].


فيجب علينا عند تناولنا لحدث خسارة حزب العدالة والتنمية ،أن لانغفل عدة أمور وهي:
الأمر الأول:رفع الفائدة المتكرر بهذه الصورة الجنونية؛ فهذا يعنى ببساطة شديدة أن من قام بهذا الفعل المشين استعجل حرب الله تعالى عليه شاء من شاء وأبي من أبي. والله تعالى يقول بخصوص جريمة الربا:”يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ ۝ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ”[ البقرة:278-280].


وهذا فى حد ذاته يكفى لجلب الخسار والبوار فى الدارين!!
الأمر الثاني: الظلم الذى وقع على بعض المهاجرين الفارين من الظلم والاضطهاد فى بلادهم؛ظناً منهم أن الرئيس أردوغان هو”نجاشي العصر الذى لايظلم عنده أحد” ،ولكن سرعان ما رأينا معاملة قاسية ومهينة لبعض المهاجرين، والزج بهم فى شاحنات وإلقائهم على الحدود بلا أدنى إنسانية والاعتقالات المتكررة للمئات منهم ، فى ظل معاملة غير آدمية.
والنبي صلى الله عليه وسلم أوصي الصحابى الجليل، معاذ بن جبل- رضى الله عنه- حينما أرسله إلي اليمن بقوله:واتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ؛ فإنَّه ليسَ بيْنَهُا وبيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ.
فكم من ممالك زالت بسبب دعوات المظلومين وأنات المعذبين.


الأمر الثالث:غض الطرف عن علاج قضية العنصرية ضد المهاجرين والأجانب، وحتى السياح من أصحاب البشرات الداكنة، وتماهي الحزب الحاكم مع هذه الدعوات فى بعض الأحيان إرضاء للمعارضة القومية المتطرفة، التي لن ترضى عنك يوماً من الأيام؛ كان من الأسباب التى جعلت كثيرين يعزفون عن الذهاب للانتخابات أوالتصويت العقابى فى أحسن الأحوال.


الأمر الرابع اً:غزة: سؤال بديهى هنا هل أثرت حرب غزه على نتائج الانتخابات البلدية”من ظن أن حرب الإبادة فى غزة لم تؤثرعلى نتائج الانتخابات البلدية فهو واهم، لكن لا يمكن اعتبار موضوع غزة وحده هو السبب الرئيس في خسارة حزب العدالة والتنمية.
وإن كان حزب الرفاه الجديد، استفاد من تخاذل الحزب الحاكم من قضية غزة بشكل كبير.


الأمر الخامس:تحميل السبب الاقتصادي وحده كسبب رئيسي للخسارة هو تسطيح للمشكلة والهروب للإمام وعدم الجدية فى الاستفادة من الحدث ووضع حلول ناجعة لها.
وهو ماأكده الرئيس “رجب طيب أردوغان فى خطابه ليلة أمس حينما قال:


“أظهرت هذه الانتخابات أننا بحاجه لنقد ذاتي لأنفسنا لقد عانينا من فقدان أصوات حزبنا في كافة انحاء تركيا، وسنعمل في الفتره المقبله على تصحيح أخطائنا وعيوبنا بالتأكيد، وسنقوم بمحاسبه شامله داخل الحزب .
وكان الأولى بفخامة الرئيس أن يقول: والآن عرفنا السبب الحقيقى لهذه الخسارة نتيجة لسياسات خاطئة أصررنا عليها وعلى الاستمرارية فيها؛ رغم علمنا بعدم جدواها.


ولامانع أن فخامة الرئيس يصرح وبدون أدنى خجل بأنه علينا جمعياً أن نجدد التوبة لله تعالى خلال هذه الأيام الفضيلة من شهر رمضان ونندم على تقصيرنا!
وأخيراًوليس آخراً:هناك أخطاء شائعة يعرفها قادة الحزب قبل غيرهم ؛ لا أود ذكرها هنا فعليهم الإسراع بعلاجها وتجرع مرارة الدواء والصبرعليه وإلا فالقادم أسوأ لاقدر الله!!

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. أسأل الله العظيم رب العرش العظيم ان يكون حزب العدالة والتنمية التركي اسم على مسمى يقيم العدل ونهض في البلاد والعباد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى