مقالات

حول إخراج زكاة الفطر نقدا!

الدكتور منير جمعة

الأستاذ المساعد بجامعة أم القرى سابقا
عرض مقالات الكاتب

إخراج زكاة الفطر قيمة في زماننا هذا من القضايا الشائكة التي جعلت نفراً من المتدينين يشتدون ويحتدون علي الناس ،ويرمونهم ويرمون العلماء المجيزين لذلك أيضاً بالتهاون والتفريط وعدم الالتزام بصريح النصوص فيما زعموا،وبلغ من تعصب أناس لوجهة نظرهم أن جعلوا القضية قضية حياة أو موت،بها يحيون وعليها يموتون!فدعوا وسعوا ،وجدوا واحتدوا،واتخذوا في المساجد
شوناً،وصوامع،ومستودعات يفرغون في أجوافها تلك الأنواع التي ذكرتها النصوص،وغالى بعضهم فاكتتب مواصفات (الأقط) واصطنعه في معامله،كي يتصدق به،وينفرد بإحياء سنة ميتة في زعمه .

والذي نبدأ به أن هذه المسألة من مسائل الاجتهاد،والخلاف فيها وارد ومتوقع وليس كارثة !وهكذا كل مسألة ليس فيها نص قطعي الثبوت والدلالة .
كما أن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان،ولذا غير الشافعي كثيراً من أرائه لما جاء مصر.

والذي نراه في هذه المسألة يتلخص فيما يأتي:

1-الصحابة أنفسهم نظروا إلى القيمة
فالأصل إخراج صدقة الفطر من الأصناف المنصوص عليها وبالقدر المنصوص عليه وهو الصاع-وهو رأي جمهور الفقهاء – ولكن الصحابة عدلوا عن الصاع في القمح بالذات إلى نصف الصاع لما رأوا أن نصف الصاع منه يعدل صاعاً من التمر،فكأنهم نظروا إلى القيمة،والحديث ثابت في أعلي درجات الصحة حيث رواه الجماعة ونصه:”عن أبى سعيد الخدرى قال كنا نخرج إذ كان فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر عن كل صغير وكبير حر أو مملوك صاعاً من طعام أو صاعاً من شعير أو صاعاً من تمر أو صاعاً من زبيب فلم نزل نخرجه حتى قدم علينا معاوية بن أبي سفيان حاجاً أو معتمراً فكلم الناس علي المنبر فكان فيما كلم به الناس أن قال إني أرى مُدَّين من سمراء الشام تعدل صاعاً من تمر فأخذ الناس بذلك”

وكذلك جاء في صحيح البخاري “أن عبد الله بن عمر رضى الله عنه قال:أمر النبي صلى الله عليه وسلم بزكاة الفطر صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير قال عبد الله فجعل الناس عدله مدين من حِنطة”وقد نقل ابن المنذر بأسانيد صحيحة عن عثمان وعلي وأبي هريرة وجابر وابن عباس وابن الزبير وأمه أسماء بنت أبي بكر أنهم رأوا في زكاة الفطر نصف صاع من القمح.
ومقتضى قول عبد الله بن عمر (فجعل الناس)أن جمهور الصحابة مالوا إلى ذلك.

وكذلك مال ابن المنذر إلي جواز القيمة في زكاة الفطر استدلالاً بفعل الصحابة في النظر إلي قيمة الصاع لا إلي الحجم والكيل وهو استدلال واضح وفي محله تماماً إذ الصحابة هم الأئمة المقتدى بهم واجتماع جمهرتهم علي فعل وإقرارهم له يدل علي جوازه دون شك، وإن خالف بعضهم فليس قول بعضهم بأولى من بعض،والواضح من الأحاديث أن المخالفين كانوا قلة ومن أبرزهم أبو سعيد الخدرى مع أنه راوي الحديث السابق.

2-أخرج البيهقى والدارقطنى عن ابن عمر قال:”فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر وقال: أغنوهم في هذا اليوم” وفي رواية للبيهقي:”أغنوهم عن طواف هذا اليوم”وأخرجه أيضاً ابن سعد في الطبقات من حديث عائشة وأبي سعيد. وهذا الحديث استدل به الشوكاني على بعض آرائه بما يعني أن الحديث يصلح للاستدلال وغير مطعون فيه وإلا لما سكت عنه .
و الحديث دليل قوي لمن يرى جواز القيمة في زكاة الفطر،لأنه يبين أن المقصود من شرع الزكاة إغناء الفقير يوم العيد،وهذا يتحقق بالطعام ويتحقق بالقيمة،بل وتحققه بالقيمة أفضل لأنها تمكنه من شراء ما يحتاجه من طعام ولباس ونحوهم .
وينبغي أن نتذكر أن التمر والزبيب والأقط وغير ذلك من المنصوص عليه من الأصناف كان كل منها –يومئذ-قوتاً يتناوله الرجل حتى يشبع،وربما ظل علي ذلك أياماً لا يغيره،”فهل هذه الأصناف اليوم كذلك؟وهل نصيب روح الإسلام ،ونغنى فقراءنا في المدن إذا أعطيناهم أقطاً وشعيراً وبراً؟”وهل يعقل أن نأمر مسلمي ألمانيا وسويسرا وانجلترا …إلخ أن يتعاملوا مع الأقط والشعير والسلت والتمر والزبيب؟
(مقال منشور للشيخ عبده بخارى عبده بمجلة التوحيد التابعة لجمعية أنصار السنة عدد رمضان سنة 1406هـ ص13 )

3- لقد جوز ابن تيمية القيمة في زكاة المال وقال:”وأما إخراج القيمة للحاجة أو المصلحة أو العدل فلا بأس به :مثل أن يبيع ثمر بستانه أو زرعه بدراهم ،فهنا إخراج عشر الدراهم يجزئه” (مجموع الفتاوى 25 / 82 – 83 )وهذا الكلام ينطبق علي زكاة الفطر أيضاً من باب أولى، فإذا كان الرجل في القاهرة لا يملك الزبيب والتمر،فإخراج القيمة هنا يعني أنه قد ساوى الفقير بنفسه،وأغناه حقيقة لأنه يستطيع أن يشتري ما يحتاج إليه ،إذ ربما اشترى القاهري صنفاً من الأصناف المنصوص عليها وذهب يعطيه للفقير فقال:لا آكله ّوربما أخذ الفقير ما لايحتاج أو ما لا يشتهي من الأطعمة ليبيعها بعد ذلك بثمن بخس،فيكون في هذا ضرر له وهو عكس المطلوب .

4-كما أن عدداً لا بأس به من العلماء قد رأوا جواز القيمة في زكاة الفطر ،منهم:أبو حنيفة وأصحابه،والحسن البصري وسفيان الثوري ،وعمر بن عبد العزيز،وهو قول الأشهب وابن القاسم عند المالكية .
وهو قول غير مشهور عند الإمام أحمد كما في كتاب (الإنصاف في الفقه الحنبلي 3/ 60 )
وقال النووي:وهو الظاهر من مذهب البخاري في صحيحه قال ابن رشيد:وافق البخاري في هذه المسألة الحنفية مع كثرة مخالفته لهم،لكن قاده إلي ذلك الدليل .
كما جاء في مصنف ابن أبي شيبة (جـ4 ص37، 38 ) عن أبي اسحاق قال:”أدركتهم وهم يؤدون في صدقة رمضان الدراهم بقيمة الطعام”وفيه أيضاً عن عطاء:”أنه كان يعطي في صدقة الفطر ورقاً-دراهم فضية”.

إذن فالقول بجواز القيمة ليس جديداً،بل عمل به في خير القرون – قرون السلف الأولى – فلا وجه للإنكار علي من يأخذ به اليوم!

5-قد يقول قائل:ولماذا فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعاً من طعام ولم يفرض قيمة معينة من الدراهم والدنانير؟
نقول:كان ذلك منه صلى الله عليه وسلم بغرض التيسير علي الناس ، إذ كان الناس وقتها يتعاملون معاً بطريقة المقايضة في السلع، وهي الطريقة التي كانت سائدة -وربما لاتزال- في ريف مصر، وكانت النقود إذ ذاك نادرة ولا يكاد يوجد منها إلا القليل عند أكثر الناس ،كما كان الفقراء إذ ذاك في حاجة ماسة إلي البر والتمر والشعير لأنه غذاؤهم اليومي المعتاد،ولذا كان إخراج الطعام أنفع للأخذ ،وأيسر علي المعطي ، كما أن القوة الشرائية للنقود تتغير من زمن إلي زمن ،ومن بلد لآخر،فلو قدر الواجب في زكاة الفطر بالنقود لكان قابلاً للارتفاع والانخفاض،ولذا جعل الصاع هو الأصل في التقدير لأنه يمثل قدراً محدداً من الطعام يشبع حاجة بشرية محددة لا تختلف ،فكان هذا أقرب إلي العدل وأبعد عن التقلب.

6-واقع الناس يؤكد جواز القيمة
ولذلك أجاز إخراج القيمة كثير من علماء العصر الحديث ومنهم :

الإمام الأكبر محمود شلتوت شيخ الأزهر في كتابه : (الفتاوى ص156) .
والعلامة المحدث الشيخ أحمد شاكر انظر ( هامش المحلى لابن حزم جـ6 ص131، 132).
والدكتور/فؤاد مخيمر الرئيس السابق للجمعية الشرعية :حيث يقول”إن المتامل في أحوال الناس قبل عيد الفطر بيومين وليلة العيد،يكاد يجزم أن القيمة في عصرنا الحاضر أنفع للفقير من الأرز والقمح والزبيب وغيرها،ذلك لأن المزكي يشتري قدر زكاته من التاجر،ومن حوله الفقراء يوزعها عليهم،فيأخذ الفقير زكاته،وأمام المزكى،أو بعد مغادرته بقليل،يبيعها لنفس التاجر بنصف قيمتها،أو بثلثي القيمة،لأنه يحتاج إلي القيمة أكثر من احتياجه إلي القوت لكثرته في بيته من المتصدقين فيخسر الفقير،ويزداد التاجر غني،فيكون هذا بعداً عن مقصود الشارع،ومن ثم أقول:إن علي المتصدق أن ينظر إلي حاجة الفقير فما يجده أنفع له ولعياله يعطيه إياه،قوتاً كان أو قيمة”.
— وهذا الرأي الذي قال به الشيخ الألباني في آخر عمره حينما سئل:هل يجوز إخراج قيمة صدقة الفطر بدلاً من عينها؟
فأجاب: “هذا لاشك يجاب عنه حسب الظروف والبيئة،فهناك بيئات متأثرة بالمدينة والحضارة،الناس لا يطحنون بأيديهم،فإذا أعطي أحد الفقراء المتصدق قمحاً أو شعيراً فإنه لا يحتاجه وسيلجأ إلي بيعه،ثم بعد ذلك يأخذ المال ويشتري ما يحتاجه من طعام وشراب يوم العيد،فحينذاك نقول إذا تمسكت بإخراج الأعيان التي ورد النص بزكاة الفطر منها نكون قد آذينا الفقير وسببنا له الضرر مرتين،مرة حين باع هذه الأنواع فهو سيخسر فيها،ثم خسر إذا أراد أن يشتري شيئاً آخر،المهم أنه يتأذي وهذه مسألة بالنسبة لزكاة الفطر وليست مسألة من العبادات التي لا يدري الحكمة منها ولا يُعرف وجه المصلحة التي رمي الشارع إليها،فنقول هكذا ورد الشرع،فليس علينا إلا التسليم كسائر العبادات،بينما هنا أمور مفهومة الحكمة والمعنى ؛ فلا شك أن الشارع أراد بها مصلحة الفقير ،ومصلحة الفقير هنا في مثل هذه البيئات تتضرر إذا تمسكت بإخراج أعيان،والصواب ما عليه الأحناف من جواز إخراج القيمة في مثل هذه البيئة”(كتاب الحاوي في فتاوى الألباني جـ1 ص284).
— ومنهم العلامة يوسف القرضاوي في كتابه ( فقه الزكاة )
وغيرهم كثير كثير !
7-القول بجواز القيمة في زكاة الفطر يتفق مع فقه المقاصد من جهة أن الفقهاء جوزوا إخراج الزكاة من غالب قوت البلد،وإن لم يكن من المنصوص عليه رعاية لحال الفقراء،فنقول:وكذلك لو جوزنا إخراج القيمة نكون قد نظرنا إلي المقاصد الكلية لا إلي النصوص الجزئية وفعلنا ما فعله الفقهاء ولكن بأسلوب عصرنا فإذا قرأت أن فقيها من الفققهاء قال:إن من قدر علي التمر او الزبيب أو الأقط أو البر فأخرج غيرها لم يجز فتيقن أن الفقيه المؤلف نظر إلي زمانه وأهل زمانه،ذلك لأن هذه الأنواع كانت تجلب إلي البلاد في مواسم معينة فيتكالب عليها القادرون،ويأخذون ما يكفيهم،وتخلو السوق فإذا تصدقوا بالقيمة وقد انفضت السوق ،فإن القيمة لن تسمن ولن تغني من جوع ،لذا كان الحكم –وقتها-أن يلزموا القادرين بفتح صوامعهم ليتحقق الإغناء والإطعام الحقيقي للفقراء .

أما حالنا الآن فالوضع مختلف تماماً،فلا ينبغي أن نتقيد بفقه مرحلة زمنية ولت،والله عز وجل يريد بنا جميعاً-فقراء وأغنياء-اليسر ، فكلما يسرنا علي الفقراء كان أولى كما فعل معاذ حين قال لأهل اليمن:”إيتوني بعرض ثياب خميص أو لبيس في الصدقة مكان الشعير والذرة،أهون عليكم وخير لأصحاب النبي ” .

– أيهما أولى ؟ هذا وإن كثيرين ممن يخرجون الحبوب،لايشترون هذه الحبوب بأنفسهم، وإنما يعطون قيمتها لبعض إدارات المساجد لتشتريها لهم وتوزعها علي الفقراء وأقول إذا كانوا يوكلون غيرهم في شراء الطعام،أفلا يوكلون الفقير نفسه في شراء (الطعام)الذي يحتاج إليه،فإن خالف واشتري شيئاً غير الطعام فهو أدرى بما ينفعه وما يحتاج إليه وهذا أولي من إعطائها لأناس لا يعرفون عن احتياجات الفقير الفعلية شيئاً؟

وأخيراً أقول:إن الذين قالوا بالقيمة في زكاة الفطر مجتهدون مأجورون علي كل حال،واجتهادهم هذا موافق لفقه واقعنا المعاصر،فمن أخذ به من جمهور المسلمين لم يبعد عن الحق !وهو علي هدي مستقيم،والقيمة تجزئه بفضل الله،ومن رأي أن يسير علي الأصل،ويأخذ به،فهو علي هدي مستقيم كذلك،ولا ينبغي أن نحول هذه المسألة الفقهية إلي معركة ونجعلها حداً فاصلاً بين السنة والبدعة،وقد رأينا أن لكل دليلاً،وأن كلاً مأجور إن شاء الله ،والله من وراء القصد وهو حسبنا ونعم الوكيل .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى