مختارات

السوريون والصحة النفسية

أتذكّر حين انتقلت للعيش في القاهرة في منتصف عام 2012 أن أكثر ما لفت نظري عدد العيادات المختصة بالطب النفسي بأنواعه. عزوت الأمر بداية إلى العدد الكبير جدا من السكان في مصر مقارنة بسورية التي كانت فقيرة جدا بعدد الأخصائيين النفسيين (في بعض المحافظات لم تكن توجد أي عيادة للطب النفسي). ومع الوقت، أدركت أن المصريين معتادون على مراجعة الأخصائيين النفسيين من دون أي إحساس بالحرج، ويتعاملون مع الأمر بوصفه مرضاً عادياً مثل أي مرض عضوي يلزمُه مختصّ كي يتمكّن من معالجته، ويتحدّثون عنه من دون أي تردّد أو شعور بالنقص. والحال أن هذا الأمر بالنسبة لي كان محط تقدير عالٍ، ذلك أننا في سورية لم نعتد هذا، وهنا أنا أتحدّث عن الطبقة المتوسّطة المتعلمة والمثقفة المدينية، لا عن الطبقة الفقيرة أو الريفية. لم نعتد أن نتعامل مع الأمراض النفسية بوصفها أمراضا اعتيادية، ولم نعتد التصريح بارتيادنا عيادات المختصّين النفسيين، وقلة قليلة جدا منا من كانت تفعل هذا أساسا. ولم يكن للطب النفسي في سورية أي حضور في المجتمع، ومن كان لديه ولد أو طفل يعاني من مشكلةٍ نفسيةٍ كالتوحد أو فرط النشاط الحركي أو ثنائية القطب، كان يخجل من التصريح علنا بذلك أمام الآخرين، ويتعامل مع الأمر بسرّية تامة، خشية معايرته من المجتمع. حتى أن هذه الأمراض لم تكن معروفة لدى الناس، لا أتذكّر أنني سمعت سابقا عن أحد أنه قد شخص بإصابته باضطراب ثنائية القطب أو فرط النشاط الحركي. كان كله يدخل، مجتمعيا، تحت عنوان “عقلاته على قدّه”، أو “يلزم له مشفى ابن سينا”، ومشفى ابن سينا هو “المارستان” الوحيد في سورية ذلك الوقت.
أظن أن الأمر تغير بعد 2011، فمع بدايات الثورة والعنف المهول الذي قوبلت به والأعداد الكبيرة للمعتقلين الذين خرجوا بعد أيام طويلة من التعذيب في المعتقلات، بدأ المختصّون النفسيون يظهرون بكثرة لمساعدة المعتقلين على تجاوز ما عاشوه، سواء ضمن جلسات معالجة خاصة أو جلسات علاج عامة في أماكن خُصّصت وقتها لذلك. ومع حركة اللجوء إلى البلدان الأوروبية والأثر النفسي المصاحب، خصوصا للمهاجرين غير الشرعيين الذين عانوا أهوالاً لا تُحصى مع المعاناة من الحرب والموت قبل الهرب من سورية، لم يتوان السوريون عن طلب المساعدة من مختصّي الطب النفسي في مجتمعاتهم الجديدة، ولا سيما أن المختصّين السوريين المقيمين منذ زمن في هذه الدول أعلنوا عن رغبتهم في المساعدة مجّانا، وسهّلوا على اللاجئين قبول الفكرة والتعامل معها كضرورة للنجاة والمساعدة على البدء في حياة جديدة. يضاف إلى هذا أن ثورة المعلوماتية وانتشار وسائل التواصل في العقد الأول من الألفية الثانية ساهما في انتشار المعلومات عن الاضطرابات النفسية وأسمائها وأعراضها، ما جعل كثيرين يدركون اضطراباتهم ويباشرون بالتعامل معها بعيدا عن التنميطات المجتمعية السابقة.

تابعنا في فيسبوك


يقول مثل صيني “أفضل وقت لزراعة شجرة كان قبل عشرين عاما، ثاني أفضل وقت هو الآن”. لم يتح للسوريين في الماضي أن يهتمّوا بصحتهم النفسية، ولا أن يدركوا أهمية ذلك، لم يتح لكثير من العائلات السورية أن تنتبه إلى أن ما يعانيه بعض أطفالها اضطراب نفسي مشخّص علميا لا شقاوة وقلة تربية، وله طرق للمعالجة، تبدأ، أولاً، في معرفة آليات التعامل مع هذا النوع من الاضطراب أو ذاك، وأن ضرب الأطفال أو معاقبتهم على فرط حركتهم أو أمزجتهم الحادّة سوف يزيدان حالتهم سوءاً. وبالتالي، سوف يساهمان في حرمان المجتمع من كوادر مستقبلية كان يمكن لها المساهمة في انتقال المجتمع إلى عصر جديد؛ لم يتح للسوريين ذلك قبل 2011. ولكن ربّ ضارّة نافعة كما يقال، فما حدث للسوريين بعد 2011 ساعدهم على اكتشاف أهمية الصحة النفسية للعيش بضغوطٍ أقلّ. وصار عاديا أن يتحدّث السوريون اليوم علنا عن اضطراباتهم النفسية، وأن يسموها باسمها العلمي، من دون أي حرجٍ من ذلك، ليس فقط عن أنفسهم، بل حتى عن أطفالهم، ويتناقشون علنا على وسائل التواصل مع مختصّي علم النفس عن مشكلاتهم ومشكلات أولادهم النفسية، وهو أمر بالغ الأهمية لمن يدرك ذلك.

المصدر : العربي الجديد/ رشا عمران

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى