بحوث ودراسات

الإخوان المسلمون في الرَّبيع العربي: متآمرون أم كبش فداء؟ 4-13

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن

أكاديمي مصري.
عرض مقالات الكاتب

عواقب وخيمة لدخول الجماعة معترك السِّياسة

بدأت أفكار جماعة الإخوان الدّينيَّة والاجتماعيَّة تُحدث تأثيرًا سياسيًّا، مع صعود نجم الجماعة واتّساع رُقعة تأييدها، بوصول عدد فروعها إلى 300 فرع في 10 سنين، وانضمام أكثر من 15 ألف عضو إلى الجماعة، ناذرين أنفسهم لخدمة مشروع النَّهضة الإسلاميَّة. ويُنسب إلى حسن بالبنَّا تعريفه جماعة الإخوان، خلال المؤتمر الخامس للجماعة، بأنَّها “دعوة سلفيَّة، وطريقة سُنّيَّة، وحقيقة صوفيَّة، وهيئة سياسيَّة، وجماعة رياضيَّة، وروابط علميَّة ثقافيَّة، وشركة اقتصاديَّة، وفكرة اجتماعيَّة”. أصبحت الجماعة متنامية الشَّعبيَّة تقدّم حلولًا لكافَّة المشكلات التَّي تؤرق المجتمع المصري؛ ومن ثمَّ تحوَّلت إلى منافس قويّ للحركة القوميَّة المتماهية مع الغرب، في ظلّ حالة العداء الشَّعبي للوجود الأجنبي، وبخاصَّة البريطاني، في مصر؛ وانعدام الاستقرار السِّياسي والاقتصادي؛ والاضطراب الَّذي كان يعصف بالمنطقة تدريجيًّا مع ازدياد النُّفوذ الصُّهيوني في فلسطين. تجدر الإشارة في هذا السّياق إلى أنَّ جماعة الإخوان كانت قد أسَّست فروعًا لها في فلسطين بحلول منتصف الأربعينات من القرن الماضي، كما شاركت في النَّشاط السّياسي الموجَّه لرفْع الوعي بتلك القضيَّة في مصر. وترى الكاتبة أنَّ الفترة ما بين عاميّ 1938م و1948م شهدت أكبر نشاط سياسي خارجي لجماعة الإخوان، منحها ثقلًا إقليميًّا، لكنَّه كان بداية نهاية مسيرة مؤسّس الجماعة.

كانت رؤية حسن البنَّا لدور جماعة الإخوان تتجاوز حدود التَّمثيل السّياسي في مصر؛ حيث كان هدفه إحداث نهضة إسلاميَّة شاملة تضمُّ العالم الإسلامي بأكمله، دون أن يقيّد تلك الرُّؤية نظامٌ جمهوري، أو مَلَكي، أو برلماني. غير أنَّ الأجيال الجديدة من الجماعة لم تلتزم بتلك الرُّوية، كما تشير الكاتبة، الَّتي ترى أنَّ في قسَم الدُّكتور محمَّد مرسي عند أدائه اليمين الدُّستوريَّة وقت تولّيه الحُكم في 30 يونيو 2013م، بأن يحافظ على النِّظام الجمهوري وأن يعمل وفق الدُّستور الوضعي، في حدّ ذاته حياد عن النَّهج الَّذي بدأه البنَّا، والَّذي اعتبر أنَّ الإسلام منظومة شاملة، تُطبَّق في كافَّة نواحي الحياة.

لن ننسى أنَّ مساعي حسن البنَّا لنُصرة الشَّعب الفلسطيني ومقاومة تأسيس دولة الكيان الصُّهيوني من داخل مصر، في أوج سيطرة الاحتلال البريطاني على مفاصل الدَّولة وتأثير نفوذ أباطرة المال اليهود على سياسة الحُكم، خلَق له أعداءً كُثُر، وما كان ليُترك ليواصل دعوته إلى لمّ شمل العالم الإسلامي وتطبيق نظام يستند إلى الشَّريعة الإسلاميَّة. استعان البنَّا بالسّرّيَّة في مساعيه لمساندة الفلسطينيين، حيث أسَّس جناحًا عسكريًّا للجماعة، عُرف بالجهاز السِّرِّي، كانت مهمَّته الجهاد في مقاومة التمدُّد الصُّهيوني في أرض فلسطين. في حين استمرَّت الحملة الإعلاميَّة المعلنة في حشْد الجماهير لمساندة قضيَّة الشَّعب الفلسطيني والتَّنديد بسلبيَّة المواقف الرَّسميَّة العربيَّة. غير أنَّ هناك رأيًّا يفترض أنَّ تكوين ذلك الجهاز السِّرِّي لم يكن فقط لدعم الفلسطينيين في مواجهة الاحتلال الصُّهيوني، بل كان ضمن تخطيط لقلْب نظام الحُكم في مصر في مرحلة مستقبليَّة.

وتشير ميلتون-إدواردز (2016م) إلى أنَّ تخطيط الإخوان لاستخدام العنف في الاستحواذ على السُّلطة قد انكشف حديثًا، وإن لم يكن البنَّا نفسه من أنصار تلك الفكرة. كشَف خطاب الجماعة في أعقاب الإطاحة بالرَّئيس المنتخَب في 3 يوليو 2013م عن نيَّة لاستخدام العنف، بالتَّهديد بالرَّدّ على ما حدث من خلال الدَّعوة إلى ما أطلقوا عليه “يوم الغضب”. يدوّن التَّاريخ أنَّ الإخوان دبَّروا حادث اغتيال رئيس وزراء مصر، محمود فهمي النُّقراشي، في 28 ديسمبر 1948م، ويلقي عليهم باللوم في نشْر الفوضى وخروج الأمور عن السَّيطرة في البلاد، كما توضح الكاتبة.

ساءت علاقة الحكومة المصريَّة بجماعة الإخوان بعد اغتيال النُّقراشي، خاصَّة بعد أن تولَّى رفيقه في حزب الوفد، إبراهيم عبد الهادي، رئاسة الحكومة، رافضًا أيَّ مصالحة مع الجماعة. وانتهت حلقة الصِّراع تلك باغتيال البنَّا رميًا بالرَّصاص في أحد شوارع القاهرة في 12 فبراير 1949م، بعد أقلّ من عام إعلان دولة الاحتلال الإسرائيلي وفشل الجهاد المسلَّح هناك في منْع النَّكبة.

ويبدو أنَّ خليفة البنَّا على منصب مرشد الجماعة، حسن الهضيبي، آثر تفادي التَّصادم مع السُّلطة في مصر، وعمل على سحب الجماعة من المعترك السّياسي، في خضمّ حالة الغليان الَّتي شهدها الشَّارع العربي، مع انطلاق حركات انقلابيَّة للإطاحة بالأنظمة الملكيَّة في عدد من دول المنطقة العربيَّة، كانت مصر أولى تلك الدُّول. اتُّهمت الجماعة بتنظيم عمليَّات فدائيَّة ضدَّ قوَّات الاحتلال البريطاني، في ظلّ رفْض الاحتلال إعلان جدول زمني للجلاء من مصر؛ وأراد الهضيبي حينها إبعاد الشُّبهة عن الإخوان، ولكن كان ذلك صعبًا، مع تنامي عدد أفراد الجهاز السِّرِّي المقاوم للاحتلال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى