مختارات

حول “الصيف الساخن” التركي في سوريا والعراق

يدور الحديث في أنقرة عن تقدم ملحوظ في الحوار مع بغداد بشأن إنشاء مركز عمليات مشترك للتنسيق في الحرب ضد مجموعات “حزب العمال الكردستاني” الموجودة في شمالي العراق.

هناك أيضا حديث في صفوف الإعلاميين الأتراك المقربين من الحكم نقلا عن مصادر رسمية حول وجود خطة تركية ستناقشها أنقرة مع الجانب العراقي، بشأن إقامة منطقة آمنة حدودية بعمق 40 كلم وتشمل مناطق هاكورك ومتينا وزاب وأفشين وغارا. القيادات السياسية والعسكرية التركية تتوقف كذلك عند “صيف ساخن” يتم خلاله تحرك القوات التركية من جديد على جبهتي شمالي سوريا والعراق لاستكمال عمليات تطهيرهما من المجموعات الإرهابية.

تابعنا في فيسبوك

مناطق الحدود التركية السورية والتركية العراقية مهمة بالنسبة لأنقرة، لكن مناطق الحدود السورية العراقية مهمة أيضا. تريد أنقرة إشراك العراق في عملياتها العسكرية لكننا لا نعرف بعد من الذي سيشارك: القوات العراقية المركزية؟ أم ميليشيات الحشد الشعبي المقربة من إيران؟ أم البشمركة الكردية في أربيل؟

بين الأوراق التي سيحركها البعض في مواجهة الحراك التركي الجديد هناك أولا ورقة السليمانية التي تحاول أن تغرد خارج السرب، تنسق مع مجموعات حزب العمال وقسد وتحظى بالرعاية الأميركية والدعم الإيراني في الوقت نفسه. وتتمسك بلعب ورقة الجغرافيا على الحدود السورية العراقية. العقبة الثانية هي اللون الرمادي في العلاقات التركية الأميركية حول مواقف ونشاطات القوات المركزية الأميركية “سنتكوم” التي تتهمها تركيا بعرقلة خطط محارية حزب العمال وتسهيل تنقلات عناصر قسد عبر الحدود السورية العراقية، وإشرافها غير المباشر على مشاريع إدارة شؤون النفط السوري ومنع تسريع حسم ملف معتقلات داعش لتتمكن من تمديد وجودها في سوريا. بين أولويات أنقرة هنا إذا إنهاء عمل “سنتكوم” وحسم موضوع سجون داعش في شرقي الفرات وإلزام واشنطن بوقف دعمها لمجموعات قسد التي تتحرك كما تشاء عبر الحدود السورية العراقية وسحب مئات الأطنان من الأسلحة التي قدمتها لها واشنطن تحت ذريعة محاربة داعش.

كيف ستتصرف السليمانية أمام الطروحات والمطالب التركية هذه؟ وإلى أين ستنتقل عناصر حزب العمال عند انطلاق العمليات العسكرية التركية العراقية المشتركة؟ وكيف ستواجه قسد كل هذه السيناريوهات وما الذي ستفعله حيال تفاهمات متعددة الجوانب من هذا النوع؟ النظام في دمشق قد يفتح أذرعه لقسد فهل تسمح واشنطن بذلك؟
تتحدث القيادات التركية عن لجان عمل مشتركة مع العراق باتجاه الوصول إلى خارطة تفاهمات متعددة الأهداف والجوانب يتم إقرارها خلال زيارة الرئيس التركي المرتقبة لبغداد في أواخر نيسان المقبل. تريد أنقرة أيضا الوصول إلى هذه التفاهمات قبل موعد الانتخابات الأميركية في تشرين الثاني المقبل تجنبا للمفاجآت. ردة فعل موسكو مهمة هنا. لأنها لن تسمح بسيناريوهات من هذا النوع دون موافقتها خصوصا في الشق السوري. كيف سيقنع أردوغان نظيره الروسي بوتين الذي لم يخرج بعد من ارتدادات خيبة الأمل بعد تسريع عملية الضوء الأخضر التركي أمام عضوية فنلندا والسويد في الأطلسي؟

تعرض مشروع المنطقة الآمنة في سوريا لأكثر من عقبة سياسية وأمنية وواجهه الكثير من الاعتراضات من قبل الحلفاء والشركاء قبل أن يرفضه الخصوم والأعداء. فكيف ستنجح أنقرة في نقل هذه الخطة إلى شمالي العراق؟

لم يتطرق البيان الختامي للمحادثات التركية العراقية الأخيرة في بغداد إلى موضوع منطقة آمنة في شمالي العراق. ولم نرصد بعد أي حديث رسمي تركي أو عراقي حول الموضوع. لكننا نعرف أن كل العمليات العسكرية التركية في شمالي العراق بعد العام 2019 تحت عنوان المخلب لاقت اعتراضات وانتقادات عراقية، واكبها تحرك خارجي لبغداد باتجاه التعبئة والتجييش ضد الوجود العسكري التركي. التركيز التركي العراقي كان هذه المرة على التنسيق العسكري والأمني المشترك في مواجهة عناصر حزب العمال. فهل نجحت أنقرة بإقناع بغداد في تبديل مواقفها؟

انتشار عسكري عراقي بتفاهمات دستورية وسياسية بين بغداد وأربيل ينهي وجود عناصر حزب العمال في شمالي العراق، قد يكون بالنسبة لأنقرة أهم من البحث عن فرص إقامة منطقة أمنة توجد فيها القوات التركية.

بين أهداف تركيا من وراء إقامة منطقة آمنة على حدودها مع سوريا تسهيل عودة مئات آلاف السوريين إلى بلادهم وإبعاد المجموعات الإرهابية عن أراضيها وتفعيل خطط التسوية السياسية في ملف الأزمة السورية. المشهد في شمالي العراق مختلف. فنحن نتحدث هنا عن منطقة جغرافية تقع تحت سيطرة إقليم كردستان ومجموعة من الأحزاب الناشطة، لكنها منقسمة فيما بينها حول موضوع العلاقة مع حزب العمال وامتداداته، وعن ارتباطات هذه الأحزاب بقوى إقليمية تنسق معها وتدعمها. كيف ستقنع أنقرة أكراد العراق بتبني ما تريد؟ وكيف ستقنع أربيل والسليمانية بفتح الطريق أمام القوات العراقية المركزية للدخول إلى إقليم كردستان العراق للتعاون مع تركيا في تنفيذ هذه الخطة وهي بين العقد الدستورية الصعبة على خط بغداد أربيل؟ وكيف ستنجح أنقرة في جمع التناقضات وتضارب المصالح بينها وبين إيران وأميركا للوصول إلى ما تريده في شمالي العراق؟ وهل ستتجاهل طهران وواشنطن بمثل هذه البساطة ما يجري وهو الذي سيكون على حساب مصالحهما ونفوذهما هناك؟
ما قد يطرح أمام طاولة المقايضات والصفقات سيكون أبعد وأهم من تفاهمات جزئية محدودة في شمالي العراق. حصة العراق في أكثر من ملف ستكون محفوظة بدعم ثلاثي تركي إيراني أميركي. حول ما قد يرضي طهران فهو المقايضات الاستراتيجية في القوقاز وحصتها في الخط التجاري العراقي وتهدئة في التوتر بينها وبين أميركا. أما ما تريده واشنطن فهو المزيد من الابتعاد التركي عن روسيا والتنسيق الثنائي في البحر الأسود وشرق المتوسط وانحياز تركي أكبر للغرب في ملف الحرب في أوكرانيا. أنقرة من ناحيتها تتحدث عن شمالي سوريا والعراق وحسم ملف الإرهاب، لكنها تريد تسجيل اختراق سياسي حقيقي في الملف السوري بمسار جديد يسرع الحلحلة وهنا ستبرز أهمية الدور الروسي والعودة إلى الخطة التركية القديمة الجديدة، لا حلحلة في سوريا دون تفاهمات أميركية روسية مدعومة من قبل دول الإقليم.

يتحدث البعض في أنقرة عن صيف ساخن على جبهات شمالي العراق وسوريا. ما الذي يحول دون الحديث عن خريف معتدل بعد الصيف الحار على الجبهتين؟

الحوار التركي العراقي هذه المرة أبعد من أن يكون مرتبطا بخطة محاربة الإرهاب في شمالي العراق أو بحث تركيا عن فرصة إنشاء منطقة آمنة على حدودها مع العراق. فعلى ضوء التصريحات والمواقف التركية يبدو أن ما يجري يشمل تفاهمات إقليمية أوسع يتقدمها سيناريو حلحلة في سوريا أيضا.
المصدر: موقع تلفزيون سورياـ سمير صالحة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى