دين ودنيا

دور تلاوة القرآن في صناعة الحياة!

أ.د فؤاد البنا

أكاديمي ورئيس منتدى الفكر الإسلامي
عرض مقالات الكاتب

 

   

  • التلاوة الاتباعية:
    أنزل الله إلى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: {وأمرت أن أكون من المسلمين. وأن أتلو القرآن فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين} [النمل: ٩١، ٩٢].
    وبالطبع فإن للتلاوة معنيين: المعنى اللغوي الذي يعني الاتباع؛ مثل قوله تعالى: {والشمس وضحاها والقمر إذا تلاها} [الشمس: ١، ٢] أي إذا تبعها، والمعنى الاصطلاحي الذي يعني قراءة القرآن بتمهل وخشوع، وقد اختير هذا المصطلح للتعبير عن عملية قراءة نصوص القرآن؛ للتذكير دائما بأن الغاية من تنزيل القرآن وتلاوته وتدبره وهو السير خلف توجيهاته وتجسيد تعاليمه في مختلف نواحي الحياة الفردية والأسرية والاجتماعية.
    ونعود إلى الآية السابقة، فهي تؤكد أن المقصود بتلاوة القرآن اتباعه والسير خلفه، فالرسول صلى الله عليه وسلم الذي ورد النص على لسانه يؤكد أن الله أمره بأن يتلو القرآن أي بأن يقرأ تعاليمه ويسير خلف هداها مباشرة، ومما يؤيد ذلك أن الجملة التابعة لفعل التلاوة تقول: {فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين}، والاهتداء هو أن يعرف المرء الحق (الفهم) ثم يحسن السير خلفه، وأن يعرف الباطل ويجيد البعد عنه!
    ويكرر الله هذا الأمر في سورة أخرى فيقول عز من قائل: {اتلُ ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون} [العنكبوت: ٤٥]. وكأن الله في هذه الآية التي جمعت ببن تلاوة القرآن وإقامة الصلاة، تجمع بين عماد التصورات الراشدة وعمود الشعائر التعبدية!
  • التلاوة التي تنمي الإيمان:
    لقد جاء ضمن صفات المؤمنين قوله تعالى: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون} [الأنفال: ٢]، ونلاحظ أنه تعالى بدأ الآية بكلمة (إنما) حتى تفيد القصر، بمعنى أن من لم تتوافر لهم الصفات التي ستأتي ليسوا من المؤمنين، لكنهم قد يكونون مسلمين بالطبع كما هو حال أغلب المليارين الذين ينتسبون للإسلام اليوم، ولهذا حينما ادعا مجموعة من الأعراب الإيمان ولم يكونوا قد اتصفوا بحقيقة الصفات الإيمانية بعد، خطّأهم الوحي ونقل قصتهم لجميع المسلمين من أجل الاعتبار، فقال تعالى: {قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم} [الحجرات: ١٤].
    ويتضح من الآية أن تلاوة القرآن سواء كانت ذاتية أو خارجية، تزيد في إيمان من يريد، ولكن كيف ستزيد الإيمان إن لم يعانقها العقل بمداركه فيزداد معرفة بمراد ربه، وإن لم يستقبلها القلب بشغافه فيزداد شغفا بدينه ودافعية لتطبيق توجيهاته؟ ثم كيف سيزيد الإيمان إن لم يتم تطبيق الآيات في الواقع العملي ابتداء من الذات ووصولا إلى مختلف شعب الإيمان المتصلة بعمارة الأرض وصناعة الحياة؟!
    وبالطبع فإن من تليت عليهم آيات الله فلم تتفكر فيها عقولهم ولم تتشربها قلوبهم، فإنه يدخل ضمن من يخرون أمام آيات الله صُماً وعميانا؛ فقد ورد ضمن أوصاف عباد الرحمن قوله تعالى: {والذين إذا ذكّروا بآيات ربهم لم يخرّوا عليها صُما وعميانا}[الفرقان: ٧٣]، ويا لعظمة هذا التصوير الذي يظهر بشاعة الإعراض العقلي عن آيات الله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى