بحوث ودراسات

الإخوان المسلمون في الرَّبيع العربي: متآمرون أم كبش فداء؟ 3-13

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن

أكاديمي مصري.
عرض مقالات الكاتب

مصر وجماعة الإخوان: النَّشأة والتَّطوُّر وتجربة الحُكم الوحيدة

تتبَّع بيفرلي ميلتون-إدواردز (2016م) في أوَّل فصول كتابها، الَّذي يحمل العنوان “Roots and Ideas”، أو جذور وأفكار، مرحلة تأسيس جماعة الإخوان المسلمين، على يد حسن البنَّا، الدَّاعية الإسلامي والمُصلح الاجتماعي، عام 1928م. تعريفًا بالبنَّا، فهو من مواليد مدينة المحموديَّة، بمحافظة البحيرة، شمال غربي مصر، وقد وُلد لأب كان من علماء الحديث، وأمّ كانت ربَّة منزل؛ وقد تلقَّى تعليمًا دينيًّا، ثمَّ التحق بمدرسة المعلّمين، ليتخرَّج معلّمًا؛ ثم أكمل دراسته في كليَّة دار العلوم، المتخصّصة في دراسات اللغة العربيَّة والدَّعوة الإسلاميَّة. أسَّس حسن البنَّا الجماعة عام 1928م، وهو ابن 22 عامًا. وكان على رأس أهداف الجماعة استعادة دولة الخلافة الإسلاميَّة، وإيجاد إمام للأمَّة يلتف حوله المسلمون، ويصبح مرشدهم الدِّيني والأخلاقي، وزعيمهم السّياسي، وقائدهم العسكري.

أصبح البنَّا أوَّل مرشد للجماعة، في تقليد يتَّبعه ملالي الشِّيعة في الجمهوريَّة الإسلاميَّة الإيرانيَّة بتنصيب إمام يعتبرونه نائبًا للإمام الغائب، محمَّد بن الحسن العسكري، يتواصل معه باطنيًّا ويأخذ عنه العلم والمشورة؛ غير أنَّ هذا لا يعني أنَّ مؤسّس جماعة الإخوان هو مبتكر هذا المنصب. وبرغم أنَّ الجماعة تأسَّست في أوج ثورة الشُّعوب الإسلاميَّة ضدَّ الاستعمار البريطاني، لا ترى الكاتبة تأثيرًا لذلك على توجُّه الجماعة في مهدها. غير أنَّ صبغة سياسيَّة فُرضت على الجماعة، الَّتي انصبَّ همُّها في البداية على الدَّعوة والإرشاد الدِّيني والإصلاح الاجتماعي، بفعل واقع الأحداث حينها، خاصَّةً حينما كان الأمر يتطلَّب تكاتفًا شعبيًّا لمواجهة قضايا ملحَّة، كان على رأسها وقتها الهجرة اليهوديَّة لأرض فلسطين التَّاريخيَّة.

تشير الكاتبة إلى النَّشأة الدّينيَّة الَّتي تلقَّاها حسن البنَّا، بتشجيع من أبيه، إمام القرية وواعظها الدّيني ومحترف تصليح السَّاعات في الوقت ذاته؛ وقد أُنثي على تلك التّنشئة لما تركته من تأثير على التَّكوين الدّيني، الفكري والعلمي معًا، لمؤسّس جماعة الإخوان. انتقلت أُسرة البنَّا عام 1923م إلى القاهرة، العاصمة المصريَّة الَّتي خضعت لتحديث وتمدين على يد المحتلّ البريطاني، منذ استعمارها عام 1882م، كما تزعم الكاتبة؛ وقد كانت تلك المدينة حينها عالميَّة الطَّابع، يقصدها الأجانب، وبخاصَّة الغربيُّون، من كلّ بلدان العالم. ولا شكَّ أنَّ حياة حسن البنَّا في مرحلة مبكرة من حياته في مدينة القاهرة قد عرَّضه وأسرته لاضطرابات مجتمعيَّة وسياسيَّة قويَّة، كان لها تأثيرها على حياته لاحقًا. التحق البنَّا بمدرسة للتَّعليم الدّيني، حرص أبوه على أن تكون تتَّبع منهجًا تجديديًّا في تفسير القرآن الكريم؛ حيث نشأ حينها تيَّار ديني يدعو إلى تفسير القرآن بما يتَّفق مع العصر الحديث.

عُرف أقطاب ذلك التَّيَّار حينها بالمجدّدين، وكان أغلبهم من الحاصلين على درجات علميَّة من جامعات أوروبيَّة، أمثال محمَّد عبده، وجمال الدّين الأفغاني، ومحمَّد رشيد رضا. وجد البنَّا نفسه داخل الدَّائرة الَّتي تضمُّ المجدّدين من علماء الإسلام، وكان للشَّيخ محمَّد رشيد رضا، المفكّر الإسلامي لبناني الأصل، التَّأثير الأكبر على التَّوجيه الفكري لمؤسّس الجماعة؛ ويرجع ذلك إلى تأثُّر البنَّا بكتابات رشيد رضا وأقرانه من المجدّدين في مجلَّة المنار، وهي مجلَّة إسلاميَّة تدعو إلى الإصلاح الدّيني والتَّغيير الاجتماعي أسَّسه رشيد رضا عام 1898م. كانت مجلَّة المنار، الَّتي أصبحت فيما بعد آلة إعلاميَّة تنشر أفكار جماعة الإخوان بعد أن آل تحريرها إلى البنَّا ورفاقه، ترشد المسلمين إلى كيفيَّة تفسير الاستبداد الَّذي كانوا يعيشون في ظلّه؛ هذا إلى جانب التَّعبير عن قضايا اجتماعيَّة معاصرة، والعمل على إيجاد حلول عصريَّة للمشكلات دون الإخلال بالشَّرع.

انتقل حسن البنَّا بعد إتمام دراسته إلى مدينة الإسماعيليَّة، حديثة التَّأسيس حينها؛ حيث أسَّس الخديوي إسماعيل، خامس حُكَّام أُسرة محمَّد علي (1863-1879م)، المدينة خلال فترة حفْر قناة السُّويس. اتَّخذ الاحتلال البريطاني في الإسماعيليَّة قاعدة عسكريَّة، في أعقاب معركة كفر الدَّوار عام 1882م؛ وكان من بين الأمور الَّتي أثارت انتباه البنَّا حينها الوجود الأجنبي الكثيف في المدينة السَّاحليَّة، وتأسيس مبانيها على الطّراز الأوروبّي. غير أنَّ أكثر ما آرق الدَّاعية الإسلامي الشَّاب حينها الفجوة الكبيرة بين ثراء الأجانب وفقْر المصريين في المدينة الجديدة، وكذلك اتّخاذ حزب الوفد القومي، قوي التَّأثير في الشَّارع المصري، توجُّهًا علمانيًّا تجاهَل الإسلام. من هنا، قرَّر البنَّا تأسيس جماعته الدَّعويَّة، كردّ فعْل لذلك الانحراف عن منهج السَّلف. لاقت دعوة البنَّا الإصلاحيَّة تجاوبًا شعبيًّا واسعًا؛ ممَّا أثمر عن تأسيس فروع في شتَّى أنحاء مصر خلال عقْد من الزَّمن. كان العالم الإسلامي في حاجة إلى جماعة إرشاديَّة تدعو إلى التَّقويم الأخلاقي وتنشر الفضيلة.

وقد عبَّر محمَّد رشيد رضا في محاضرة له تحت عنوان “التَّجديد والتَّجدُّد والمجدّدون”، ألقاها أمام جمعيَّة الرَّابطة الشَّرقيَّة في رمضان 1348م/1930م، عن الآفات الَّتي ألمَّت بالمجتمع الإسلامي حينها، دون إدراك منه أنَّ ما يتحدَّث عنه، من اضّطرابات أيديولوجيَّة وفكريَّة وسياسيَّة، وابتعاد عن صحيح الدّين واستبداله بعقائد باطنيَّة، وتفكُّك أُسري، تزامنًا مع تأثُّر المسلمين بالثَّورة البلشفيَّة الشُّيوعيَّة في روسيا، ما هو إلَّا مخطَّط مدروس لأعضاء الماسونيَّة وجمعيَّة المتنوّرين وحركة العهد الجديد للقضاء على الدّين وتقويض مفهوم الأُسرة ونشْر الانحلال الأخلاقي، تمهيدًا لتأسيس نظام عالمي جديد له دينه ومفهومه الخاصّ لتكوين المجتمع. يؤكَّد رضا على مدى حاجة المجتمع الإسلامي إلى التَّجديد في عصر يصفه كما يلي:

في هذا العصر المضطرب بأنواع الانقلاب الاعتقاديَّة والفكريَّة والسّياسيَّة والشُّيوعيَّة والبلشفيَّة؛ في هذا العصر القلق بالفوضى الدِّينيَّة والأدبيَّة والاجتماعيَّة؛ في هذا العصر المهدَّد بالثَّورة النِّسائيَّة، ونقْض ميثاق الزَّوجيَّة، وانقطاع سلك الأُسرة، ووشائج الرَّحم والقرابة؛ في هذا العصر الذي نجمت فيه قرون الزَّندقة، والإباحيَّة المُطلقة، والهجوم على مقومات الأمَّة من دين ولغة وأدب، ومشخصاتها من عادات وزي وحَسَب، حتى لا يبقى فيها شيء ثابت يربَّى عليه النَّشء وتحترمه النَّابتة.

من ثمَّ، نشأت جماعة الإخوان المسلمين كردّ فعْل لتردّي أوضاع المجتمع الإسلامي منذ سقوط دولة الخلافة الإسلاميَّة عام 1924م، في محاولة لمقاومة الأيديولوجيَّات الغربيَّة، وبخاصَّة الفكر العلماني وما شجَّع عليه من انحراف الدّيني وانحلال الأخلاقي؛ وكان هدف البنَّا هو إعادة المجتمع الإسلامي إلى صحيح الدّين، في ظلّ الهجمة العلمانيَّة الشَّرسة الَّتي شجَّعها الاستعمار البريطاني وتغاضت السُّلطات الرَّسميَّة عن مقاومتها، ولكن من خلال تطبيق أساليب حديثة تتماشى مع متطلَّبات الواقع حينها. عاد البنَّا إلى القاهرة عام 1932م، وأسَّس مقرًّا متواضعًا فيها، وسرعان ما وجَد نفسه مدفوعًا إلى العمل السّياسي، بتشجيع من موقف أنصاره وخصومه من حملته الإصلاحيَّة. كان البنَّا يشعر بالأسف بسبب تسلُّط الفكر الغربي على المناخ الثَّقافي في زمنه، وان يخشى من أن يسفر ذلك عن حصْر الإسلام في دور العبادة، وإقصائه عن الحياة العامَّة؛ في حين يتطلَّب تأسيس مجتمع إسلامي تطبيق مفاهيم الإسلام في كافَّة مناحي الحياة. اعتبر البنَّا الإمبرياليَّة والعلمانيَّة خصمي الإسلام حينها، وحجري عثرة في طريق تطبيق الشَّريعة الإسلاميَّة، الَّتي كانت وسيلته لتنفيذ مشروعه الإصلاحي. غير أنَّ ذلك كان يعني تقويض النِّظام العلماني الَّذي أسَّسه الاستعمار البريطاني في مصر حينها؛ وما كان المستعمر ليقبل بإفشال مخطَّطه، بعد نصف قرن من الاحتلال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى