مقالات

الثورة حقيقة لا يطالها الشكّ

المحامي عبد الناصر حوشان

عرض مقالات الكاتب

عندما تختلط المفاهيم وتختلط الحقائق بالمغالطات ، يتسمّم الفِكر، وتتزعزع القناعات، وتنهار القيم ،ويتعكّر الوعي العام ، فيموج الناس في هرجٍ ومرجٍ ، فتنتشر الفوضى وتحلّ لغة السلاح محلّ لغة العقل ، والضلال محل الحكمة فيغرق الناس في مستنقع الفوضى ولا يمكن إنقاذهم منها إلّا بإعادة إنتاج الوعي الصحيح وبيان الحقائق وتفنيد المغالطات بما يحقّق الاستقرار النفسي الذي يؤدّي إلى استقرار وانضباط تصرفات الناس، وهذا هو حالنا في المناطق المحرّرة.


تعريف المغالطة المنطقية: هي خطأ في الاستدلال يتمثل في استنتاج غير صحيح بناءً على أساس غير صحيح أو غير منطقي ، ويستخدمها الخصوم لهزيمة بعضهم البعض وهي إحدى وسائل وأدوات الحرب النفسيّة .
تعريف الحقيقة في الفلسفة : تُعرف الحقيقة على أنها الصفة أو الميزة، التي تتسم بها الافتراضات، والمعتقدات، والأفكار، والعبارات، والادعاءات، ليتم اعتبارها مثبتة، وواقعية، وصحيحة.


وتتمثل أهمية الحقيقة في الحياة بأنها تعتبر الغاية التي يُهدف للتوصل إليها من خلال الإيمان وتبني المعتقدات، كما أنّ البشر يحتاجون إلى الحقيقة في هذا العالم ليواصلوا العيش فيه بازدهارٍ، حيث إنّ الإيمان بما لا يعتبر “حقيقيًا” يؤثر سلبًا على معيشة الناس، لدرجةٍ قد تصل بهم إلى الهلاك، بالإضافة إلى ذلك، يعتبر السعي وراء الحقيقة سمةً تُميز الأشخاص الصالحين، فكل من يسعى إلى الحقيقة يعتبر إنسانًا جيدًا وصالحًا، وبسبب الأهمية الكبيرة للحقيقة في الحياة، فإن تشويهها ومحاولة تزييفها قد يترتب عليه عقوباتٌ اجتماعية وقانونية.


واختلف قدماء الفلاسفة حول تعريف الحقيقة على أنّها التشكيك بما يؤمن به الاخرين ، أو أنّها ما استطاع العقل البشري ادراكه عبر توظيفه لهذه الغاية بشكل صحيح ، أو الاعتراف بالشيء كما هو، ولا تغير شيئًا مما يمتلكه أو يفتقر إليه.
وأمّا الفيلسوف الألماني ’’كانط ‘‘ اعتبر أنّ قول الحقيقة والإفصاح عنها هو واجبٌ أساسي يتحتم على الشخص القيام به، ولا يمكن أن يطغى عليه واجبٌ آخر، ولا أن يتأثر بقيمٍ أخرى، حتى أنه اعتبر أنّ قول الحقيقة أهم من مشاعر الآخرين التي قد تتأثر بها، وأهم من حياتهم.


وبناءًا على ما سبق فإنّ الحقيقة هي قيمة مجرّدة تختلف أدوات الوصول اليها فمنهم من يرى أن الوصول اليها يكون بالتشكيك و منهم من يرى أن الوصول اليها يكون بالعقل ، و ينتج عنهما نوعين من فهم الحقيقة الأول فهم قائم على تصوّر ذاتي أو شخصي للحقيقة ، و الثاني فهم قائم على الادراك والعلم واليقين ، وأصحاب الفهم الأول ’’ فهم يقوم على المصلحة والمنفعة ‘‘هو ما عبّر عنه الفيلسوف الألماني ’’نيتشه ‘‘ بأنّ الحقيقة من الأمور المستحيلة، كما اعتبر نيتشه أنّ ما في هذا العالم ما هو إلا تفسيرات ووجهات نظر منبثقة من إرادة الإنسان الطامحة لنيل القدرة والقوة، ومن مصالحه الشخصية. وبالتالي فالحقيقة عندهم ليست ثابتة وإنما هي متغيّر ومتبدّل بتغيّر وتبدّل المصلحة .
أما أصحاب الفهم الأخر القائم على العقل الصحيح والإدراك السليم والمعرفة المحكمة وهو ما قال به أفلاطون فيرون أن الحقيقة غير قابلة للتشكيك وبالتالي غير قابلة للتغيير والتبديل .


الثورة حقيقة لا يمكن نكرانها او التشكيك بها لأنّها نتيجة من نتائج سنّة من سنن الله في خلقه ألا وهي سنّة التدافع ، وهي الصراع بين الحق والباطل ، والخير والشرّ ، والعدل والجور ، والانصاف والظُلم . قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم ’’ …. وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّفَسَدَتِ ٱلۡأَرۡضُ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ} .
وقال {ٱلَّذِينَ أُخۡرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِم بِغَيۡرِ حَقٍّ إِلَّآ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُۗ وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّهُدِّمَتۡ صَوَٰمِعُ وَبِيَعٞ وَصَلَوَٰتٞ وَمَسَٰجِدُ يُذۡكَرُ فِيهَا ٱسۡمُ ٱللَّهِ كَثِيرٗاۗ وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} .


كلّما مرّت ذكرى مولد ثورتنا تتباين المواقف منها وتختلف الاحكام عليها وتختلط القناعات بحقيقتها ، وتطفوا المغالطات على حساب الحقائق ، فيخلص طيف ممن يدّعي الثورة بأنّ واقع الثورة لا يُمثّل قناعته ولا تصوراته عن سورية المستقبل ، ويخلص طيف آخر إلى قناعة بأنّ الواقع لا علاقة له بقيم الثورة ولا مبادئها الاساسيّة ، مما ينسف حقيقة الثورة أو يشوّهها بقصدٍ او بدون قصد مما يُزعزع الايمان بها ويضرب الثقة بأبنائها ،مما يفقدها أهم عامل من عوامل وجودها واستمرارها .


الأحكام تختلف عن الآراء فالأحكام ’’قضاء‘‘ تقوم على اليقين والجزم وسلامة الاستدلال واليقين يقوم على الوقائع الثابتة ’’ الحقيقة ‘‘ والجزم يعني استبعاد الظنّ والشكّ وسلامة الاستدلال تعني صحة الربط بين الوقائع والنتائج ومتانة هذا الربط بالأدلة المعتبر ومن مستلزمات ذلك أن تكون واضحة لا شائبة فيها لذلك قيل عن الاحكام بأنّها هي عنوان الحقيقة.
أما الآراء فهي أحكام تقوم على الفهم ’’ التصوّري ‘‘ والاجتهاد الذي تلعب فيه الملكات الشخصيّة ، والمعتقدات الفكريّة والدينية والحزبيّة ونوازع النفس من هوى أو طيش أو تكبّر أو استعلاء دوراً اساسياً في تفسير أو تأويل الحقيقة ، أو استنباط الدليل ، وهي قابلة للأخذ والردّ والإهدار .


نعم سورية الحاليّة ليست سورية التي نطمح اليها ، وهذه حقيقة واقعة لأننا ما زلنا في خضم معركة الوجود بين الثورة وبين النظام ، ومن المعلوم ان معارك الوجود لا مكان فيها لغير العمل على هزيمة العدوّ والانتصار عليه ، وبالتالي فنحن ما زلنا في مرحلة ’’ التدافع ‘‘ اسقاط النظام القائم أي مرحلة الهدم التي لا بُدّ أن تُخلِّف أنقاضاً اجتماعيّة ، سياسيّة فكريّة ، قانونيّة ، أمنيّة ، عسكريّة ، حزبيّة ……. وهي مرحلة’’ فوضى ‘‘ مؤقّتة لا يمكن أن تستمرّ للأبد وإن طالت فهي بالنهاية مرحلة تتّسم بالتوقيت والتغيير والتبدّل ، ولا يجوز بناء الاحكام على متغيّر أو مُتبدِّل ، لتبدّل المعطيات والنتائج وبالتالي لا يمكن الحكم على الثورة من خلال ما تُخلِّفه من انقاض ، وإنّما الحكم الصحيح عليها يكون في مرحلة ما بعد إسقاط النظام وهدم اركانه وبناء نظام جديد وفقاً لمبادئها وقيمها وثابتها .


من المغالطات التي يقع فيها الكثير تصوير المؤسسات و الحكومات أو أيّ شكل من اشكال الحوكمة التي تعمل عليها سلطات الامر الواقع في مختلف المناطق المحرّرة هو النموذج النهائي لشكل الدولة السوريّة أو النظام الجديد التي يُعبّر عن قيم الثورة و مبادئها وثوابتها ، فكل اشكال هذه الحوكمة لا تعدو أن تكون أشكالاً ’’تصوّريّة ‘‘ لا تُعبّر عن حقيقة الثورة فرضتها حالة الضرورة تُعبّر عن فهم مجموعة من الناس لشكل و كيفيّة إدارة الحياة العامة في كل منطقة من مناطق نفوذها بما تقتضيه أحكام الضرورة .

فـ’’ الحكومات ‘‘ مؤقتة و القضاء قضاء ضرورة ، والأمن ناشئ من درجة ما تحت الصفر ’’ الفوضى‘‘ ، و الفصائليّة نتاج طبيعي في مرحلة ’’ الهدم ‘‘ لاختلاف أدوات و أساليب و تكتيكات واستراتيجيّات كل فِرقة في عمليّة الهدم ، و الخدمات الاساسيّة غير مستقرّة لارتباطها بما يقدّمه الغير من مساعدات ، وعدم التوجّه نحو الاكتفاء الذاتي التي تُحررنا من التبعيّة وتُمكننا من استقلالنا وتملّك قرارنا الثوريّ .


والمغالطة الأخرى وهي الحكم على الثورة من خلال الحكم على تصرفات أبنائها أو ادعيائها ،او المتسلّقين عليها أو المخترقين لها ، فالثورة مبادئ وقيم وثوابت ، لا تتغيّر بتغيّر معتنقيها ولا بحملتها ، لأن هؤلاء بطبيعتهم متغيّرون فهم بالنهاية بشر يُمكن أن يضعفوا ويمكن أن يُخطئوا ويمكن أن يُجرموا فيخونوا ويُفرِّطوا ويُهزموا امام أنفسهم ، فتكون تبعات أفعالهم على أنفسهم فقط حيث لا تزر وازرة وزر أخرى ، ولا يعيب تلك القيم والمبادئ الساميّة انحراف واجرام معتنقيها .


إنّ إدعاء احتكار الحقيقة ضلال ، وبالتالي فإنّ إدعاء احتكار الثورة باطل ، وسوريّة التي نطمح إليها لم نصل إليها بعد وإنّ أي حكم على عليها بناءًا على الواقع الحالي سابقٌ لآوانه وباطل ، وما يُبنى على باطل فهو باطل.

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. مقالة قيمة ولا شك ، يحمد عليها الاستاذ الحوشان. إذ يستحث العقل الثوري على التعالي فوق جراح الواقع الأليم والمعاناة المرة ، خاصة بعد أن كثرت الأصوات المنددة بممارسات شاذة لأفراد وهيئات زعموا أنهم يمثلون الثورة.
    وبعيدا عن دعوى “احتكار الثورة” التي رفضها الاستاذ الحوشان، ومع عدم الغرق في الحكم على الممارسات الشاذة التي تعكس “حالة الفوضى” وهي حالة مؤقتة ولا بد، ولكن هذا يقتضي النظر في المرآة بشفافية وصدق، وطرح الأسئلة المصيرية: 1- ما هو ” النظام الجديد التي يُعبّر عن قيم الثورة و مبادئها وثوابتها “؟ 2- نعم لا أحد ـ أقله في الوضع الحالي، يملك الحق في طرح “رؤيته” بأنها تمثل ثوابت الثورة، ولكن هذا لا يعفي العقل الثوري من ضرورة الإجابة على أسئلة الهوية الحضارية والرؤية الثورية والمشروع السياسي للثورة. فالثورة إنما تتفجر من وجود مشروع حضاري يستهدف إعادة صياغة الدولة والمجتمع وفق الرؤية الحضارية وإلا كانت الثورة انتفاضة عمياء تهدم ولا تبني ولا تعي إلى أين تتجه وماذا تريد تحقيقه، فيختلط الحابل بالنابل، ويسهل على الطابور الخامس (أو الطوابير المجيرة من قبل أعداء الثورة أو من فلول النظام البائد أو من المتضررين من مشروع الثورة) اختراق الثورة وحرفها عن مسارها وبالتالي العمل لإجهاضها بعد إغراقها في دوامات من الممارسات الطائشة التي تصب في تقويض بينان الثورة والكيان الوليد الجديد!!
    آمل من الاستاذ الحوشان، ومن الذين يحملون هم الثورة، استكمال ما بدأه، فهذا أمر أساس في استكمال عدة الثورة لتنجح في مسعاها في جولات الصراع القادمة، فلا أشك لحظة أن ما جرى إلى الآن لا يعد أن يكون “بروفة” تحضيرية لما هو آت.
    هدانا الله إلى أرشد أمرنا.
    د عثمان بخاش

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى