ثقافة وأدب

“نفحات” الدكتور عبد الوهاب عزام .. نموذج للأدب الرمضاني الرفيع

د. محمود خليل

أكاديمي ومفكر مصري
عرض مقالات الكاتب

شاعر الشوارد والأوابد ونفحات الحكمة والرحمة… الدكتور عبد الوهاب عزام، له مع رمضان حالٌ ومقال… وقول وفعل.ويعد ديوان “النفحات” .. المرصّع بخلاصات من الشعر والنثر، كرحيق رمضاني خالص، من أبدع ما أنتج العلامة الشاعر الدكتور عبد الوهاب عزام (1894 -1959) كزهرة فريدة في حقل إبداعاته الغنية الخصيبة على مدى عمره الفكري والإبداعي الفريد. والديوان عبارة عن تسعين ساعة من ساعات الفكر والنثر والشعر، التي أثمرتها جلسات التدبر والتفكر، وساعات القيام والاعتكاف في ليالي هذا الشهر الثقيل.. يقول الدكتور عزام ” بدا لي وأنا في “كراچي” بالباكستان٠٠ أول رمضان عام سبعين وثلاثمائة وألف للهجرة، أن أخط كل ليلة مقالاً قصيرًا، فيما يخطر من خاطرات الوقت، وما يسنح من سانحات الفكر، ويسر الله الكتابة، فوفيت بما وعدت به نفسي، وكرّت الأيام كرورها، ومرت الشهور مرورها، فإذا رمضان من عام واحد وسبعين، وإذا أنا لا أزال في كراچي، فرأيت أن أعالج كل ليلة أبياتًا أقيد بها خطره شاردة، وأسجل فيها فكرة واردة، فنظمت أبيات كل ليلة… ورأيت أن أطبع ما نثرت وما نظمت ، وأنا في القاهرة وسافرت… وقبل أن ينجز طبع الكتاب، أقبل رمضان الثالث، سنة اثنين وسبعين، فبدا لي أن أكتب كلمات بين النظم والنثر كل ليلة… والتزمت أن أخط كل ليلة عشر سجعات، وألحق بها بيتين من الشعر.. ومضى رمضان وقد وفيت بما التزمت”.ومن هذه الطوائف الثلاث كانت “النفحات” التي أوحي بتسميتها كتاب الشيخ عبد الرحمن الجامي، المسمى “نفحات الأنس من جناب القدس”.والدكتور عبد الوهاب عزام أمارة من أمارات المسيرة الفكرية والأدبية الإسلامية في العصر الحديث، وواجهة مشرقة ومشرفة للعمل الأكاديمي والدبلوماسي، ولد في 28 أغسطس عام 1894، بإحدى قرى مركز العياط، بمحافظة الجيزة، لأسرة ذات تاريخ طويل في الفكر والسياسة والوطنية والجهاد والدعوة الإسلامية .. فوالده الشيخ محمد حسن بك عزام، الذي كان عضوًا بمجلس شورى القوانين والجمعية التشريعية التي أسست للحياة النيابية في مصر… ومن أعمدة هذه الأسرة كان عبد الرحمن باشا عزام أول رئيس لجامعة الدول العربية وصاحب التاريخ الوطني والسياسي والإسلامي العريض.. وقد حفظ د. عبد الوهاب عزام كتاب الله تعالى بكتاب القرية، وتخرج في الأزهر الشريف، ثم في مدرسة القضاء الشرعي عام 1920، وكان أول الخريجين ٠٠ ومن أعلام دفعته أحمد أمين ،وأمبن الخولي٠٠ عمل مدرسًا بمدرسة القصاء الشرعي غور تخرحه ،و حتى عام 1923 حيث حصل على درجة الليسانس في الآداب من الجامعة المصرية، وتم اختياره حينئذ ليعمل إمامًا للسفارة المصرية في بريطانيا، وهناك التحق بمدرسة اللغات الشرقية بلندن حيث حصل على الماجستير في الأدب الفارسي عام 1927،….. وعاد إلى مصر ليعمل مدرسًا بكلية الآداب ، ثم ليحصل على الدكتوراه عام 1932 في الأدب الفارسي .. وليظل يتدرج في العمل الجامعي حتى أصبح عميدًا لكلية الآداب عام1945 .. وفي عام 1947 تم ترشيحه ليعمل سفيرًا لمصر في المملكة العربية السعودية، ثم في باكستان عام 1950، ثم يعود إلى السعودية مرة أخرى.. ثم سفيرًا باليمن حتى عام 1954 .. ليتقاعد عام 1956 بعد أن قام عبد الناصر بمد خدمته لمدة عامين. ثم انتقل بعد ذلك باختيار سعودي، ليؤسس ويدير جامعة الملك سعود (الرياض) حاليًا، وليظل مديرًا لها حتى وفاته – رحمة الله عليه في 18 يناير عام 1958. وخلال هذه الرحلة الثرية، أغنى د. عزام ساحات الفكر والأدب والسياسة بأكثر من 25 مؤلفًا.. على رأسها تلك التراجم الراقية لأشعار وأفكار فيلسوف الإسلام العملاق “محمد إقبال”… حيث تلبّس د. عزام بروح إقبال .. وفكره.. وفلسفته.. متنافسًا في ذلك مع كوكبة من الأعلام الذين تباروا في حمل وتقريب وترجمة تراث إقبال للأمة شعرًا ونثرًا .. من أمثال أبي الحسن الندوي والصاوي شعلان ود. حسين مجيب المصري .. والشيخ الأعظمي، فكان عزام يخطو أمامهم بعيدًا، خاصة فيما يتعلق بشعر إقبال الفلسفي العميق، مثل ديوان “الأسرار والرموز” الذي ترجمه وقدمه شعرًا عام 1956، وديوان “بيام مشرق”، الذي ترجمه عن الفارسية عام 1951، وديوان “ضرب كليم” الذي ترجمه شعرًا عن الأوردية.ومن خلال هذه النفحات، تظل روح “عزام” الموغلة في إيمان عميق، وفهم دقيق، وإنسانية سامقة،..فله خلف الكلمات كلمات، وخلف الأفكار أفكار. ومن بركات وفيوضوات “رمضان” المعظم وأنفاس “إقبال” التي تفوح من الباكستان… ورؤية “عزام” وتدبراته وخلواته الإيمانية الصافية… جاءت هذه النفحات قطعة من أرقى آداب التركية وتربية النفس، وتصفية الروح والوجدان والحس… وعلى سبيل المثال…. ترى د. عبد الوهاب عزام.. بتماهي مع خلوته بنفسه فيقول: إن في خلوة النفوس لأنسـًا ليس كفؤًا لخلوةٍ …. كلُّ نفس هي في ضجة الأنـام سكون ويسمع القلبُ عنده كل همـس وهي في فرقة النفوس اجتماع ترهفُ النفسُ عنده كلّ حس وهي في فسحة الخيال انطلاق دون قيدٍ من الجليس وحبس هي هدْي العقول بعد ضلالِ في خداعٍ من الحياة ولبس هي في ظلمة الليالي ضياء لا تراه النفوس في ضوء شمس من يضق بالخلاء نفسًا فإني أجد في الخلوة الطويلة أنسى كانت هذه الخاطرة في ليلة الخميس الرابع من رمضان لعام 1371هـ الموافق 29 مايو عام 1952م. وقد تهادى عزام في نفحاته بين القضاء والقدر، والعبور والثبوت، والحرية والعبودية، وتأمل صفحات الناس، ومرور السحاب، ومنازل النجوم والأهلة.. والجمع والتفريق، والجبر والاختيار، والتراويح والسجود، وأهواء النفوس ووجوب القيام بالقسط على الحق الذي لا يزول ولا يحول… والحياة التي كان يراها سيرًا دائمًا إلى الكمال حيث يقول: ” ازدد كل يوم علمًا، قليلاً أو كثيرًا، واعمل كل يوم خيرًا صغيرًا، أو كبيرًا، واجعل أن قدرت وقتك إلى الخير منهجًا، وأيامك إلى الكمال درجًا، وأحذر أن يتشابه عاماك، بل أن يستوي يوماك… وأجهد تربي زيادتك في البر، على زيادتك في العمر، فإرباء العمر على العمل فناء، وإرباء العمل على العمر نماء. فالحياة مسير فلا تقف، وتحليق فلا تسف، وتقدم فأقدم، وإقدام فلا تحجم…. ثم يقطّر هذا المعنى في بيتين من الشعر فيقول:إن هذه الحياة سيرٌ حثيث من يُبطّئْ فلا يلُم غير نفسه وصعودٌ إلى المعالي دءوب خاب من كان يومه مثل أمسه ثم يستملي ويستجلّي “سجدة خاشعة” لله عز وجل فيقول: سجدة تخفض الحياة ولكن عزّ فيهـا مُسبِّح وتعالـى ظنها الجاهلون غُلاً ولكن هي في الحق، تحْطِم الأغلالا هـــي لله وحدّته فعـزت ومحـت كل غاشم يتعالى من وعاها وعي السيـادة في الأرض، جمالاً ورحمة، وجلالا ومن الطريف في هذه النفحات، التي حلّق فيها “عزام” وتعلق، وغرّب وشرّق …. أنه لم ينس أنه “أب” .. مسكون بكل نوازع الأبوة، وحنانها… فتراه يكتب لابنته “هالة” .. مذكرًا إياها بقصصه وتساليه التي كان يحكيها لها في جده، وكراتشي، ومنها قصة “شيخ الأرانب” .. فيناجيها على البعد:أهالةُ إن شطّ المزار فإنني إليك على نأي الديار قريب واشتاق من “شيخ الأرانب” مجلسًا أحدّث فيه والخيال خصيب وكأننا أمام “عمر الأميري” الذي تقفز إلى الذهن دائمًا قصيدته “أب” والتي يقول فيها: قد يعجب العذال من رجل يبكي ولو لم أبك فالعجب هيهات ما كلُّ البكا خور إني وبي عزم الرجال أبُ تحية إلى العلامة د. عبد الوهاب عزام رجل الفكرة والشعر والدين والسياسية.وسلام على حياة دبلوماسية كانت تضم في جلسة واحدة من جلساتها.. عبد الحميد الخطيب الشاعر الوزير السعودي، وعبد الوهاب عزام المصري ومحمد أسد (ليوبولد فايس) الفيلسوف السويدي الذي أسلم عام 1945.. وسلام على سفراء دونوا تأملاتهم وأفكارهم.. حول الصيام والقرآن والتراويح.. فكانوا بحق وحقيق… شعراء للإسلام وهدْية وهدايته…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى