بحوث ودراسات

الإخوان المسلمون في الرَّبيع العربي: متآمرون أم كبش فداء؟ 2-13

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن

أكاديمي مصري.
عرض مقالات الكاتب

اعتقد البعض أنَّ الاحتجاجات الشَّعبيَّة في العالم العربي، الَّتي شاع تسميتها الرَّبيع العربي، كانت تقدّم للإخوان المسلمين، وغيرهم من أبناء الحركات الإسلامويَّة، فرصةً ذهبيَّة لسدّ الفراغ السّياسي، والاستجابة للمطالبات الشَّعبيَّة بتطبيق الدِّيموقراطيَّة وإجراء إصلاحات سياسيَّة، بعد الإطاحة برؤوس الأنظمة الاستبداديَّة في عدد من الدُّول الَّتي شهدت احتجاجات. واعتُبرت الجماعة، المحظورة سياسيًّا قبل فترة الرَّبيع العربي، أكثر الحركة السّياسيَّة تنظيمًا وقدرةً على تحويل التَّحرُّر من الاستبداد إلى نظام سياسي جديد على أساس إسلامي. وبالطَّبع، استغلَّت الجماعة تلك الفرصة، وأثبتت في فترة وجيزة استحقاقها لثقة الملايين، وقدرتها على إعادة تشكيل النِّظام القائم. غير أنَّ الاستحواذ على السُّلطة بالكامل ليس بالأمر السَّهل، في ظلّ احتفاظ رجال الحرس القديم بالسَّيطرة على مقاليد الحُكم، ومع وجود أيادٍ خفيَّة تفتعل الأزمات وتحيك المؤامرات، في رفْض كامل للتَّيَّار الإسلامي، ليس لشيء سوى لمناداته بتطبيق الشَّريعة الإسلاميَّة.

وتشير الكاتبة إلى حملة المعارَضة الشَّرسة الَّتي واجهتها جماعة الإخوان، من داخل التَّيَّار السّياسي السُّنّي، متمثّلًا في حزب النُّور السَّلفي، الَّذي تحالَف مع التَّيَّارات العلمانيَّة لإسقاط نظام محمَّد مرسي بعد عام واحد في السُّلطة. ولعلَّ ممَّا أُخذ على فترة تولّي الجماعة الحُكم في مصر عدم إقبالها على مشاركة السُّلطة، وعدم مراعاة اختلاف الانتماءات الدّينيَّة والسّياسيَّة لأفراد الشَّعب المصري؛ حيث اعتُبر مرسي رئيسًا للجماعة وأنصارها، وليس لكلّ المصريين، كما كان يُنشر في وسائل الإعلام حينها.

في حين ذهبت مساعي حزب النَّهضة التُّونسي إلى تكوين تحالفات ومشاركة السُّلطة سُدى، واعتُبرت غير متوافقة مع السّياقات الَّتي شارَك فيها الإخوان المسلمون في الحياة السّياسيَّة من قبل. أمَّا في سوريا، فقد تيقَّن قياديو الجماعة من أنَّ مشاركتهم في الاحتجاجات الشَّعبيَّة ضدَّ نظام الأسد لم تكن لتفضي إلى الإطاحة بنظام الطَّاغوت الممسك بتلابيب الحُكم قرابة نصف قرن، إنَّما كانت مبرّر لذلك النِّظام لممارسة مزيد من القمع ضدَّ أصحاب التَّوجُّه الإسلامي. واجَهت الجماعة منافسة من حركات سُنيَّة جديدة اقتحمت العمل السّياسي، على رأسها الحركة السَّلفيَّة والحركة السَّلفيَّة الجهاديَّة، اصطفَّ بعضها ضدَّ الجماعة مع التَّيَّارات الأخرى؛ كما واجهت انشقاقات وأزمات داخليَّة بعد ظهور تيَّار شبابي ساخط على الطُّرق التَّقليديَّة والجامدة في التَّعاطي مع الأوضاع السِّياسيَّة الجديدة حينها. كما تشير ميلتون-إدواردز، من أكثر ما أثار الاستهجان تجاه البرنامج السّياسي للجماعة محاولة الوصول إلى الحُكم والاستئثار به، برغم أنَّ من المفترَض أن تلك الجماعة هي في الأصل للدَّعوة الإسلاميَّة.

أمَّا الحقيقة، فهي أنَّ جماعة الإخوان المسلمون أُسِّست على يد حسن البنَّا عام 1928م، بعد 4 أعوام من سقوط الخلافة العثمانيَّة، وعام واحد من تأسيس جمعيَّة الشُّبَّان المسلمين، الَّتي ألقى البنَّا خطابًا في مؤتمرها الخامس، قال فيه: “الإخوان يعتقدون أنَّ الخلافة رمز الوحدة الإسلاميَّة، ومظهر الارتباط بين أمم الإسلام، وأنها شعيرة إسلامية يجب على المسلمين التفكير في أمرها، والاهتمام بشأنها، والخليفة مناط كثير من الأحكام في دين الله”. واعتبر البنَّا أنَّ وجود إمام للمسلمين ضرورةٌ لا غنى عنها؛ فالإمام هو “واسطة العقد، ومجتمع الشمل، ومهوى الأفئدة، وظلّ الله في الأرض”. يُفهم من ذلك أنَّ الجماعة أُسِّست بهدف سياسي، وهو إعادة دولة الخلافة؛ ويعني ذلك أنَّ انحرافها هو ليس باقتحام عالم السِّياسة، إنَّما بانشغالها بأمور أخرى، لا تخدم هدف تأسيسها فحسب، بل قد تحول دون تحقيقه.

تلفت الكاتبة (2016م) الانتباه إلى أنَّ موقع جماعة الإخوان (Ikhwan Wiki)، الَّذي يُعرَّف بأنَّه الموسوعة التَّاريخيَّة الرَّسميَّة لجماعة الإخوان المسلمين، يحتوي على قسم يوضح أبعاد الشَّبكة الواسعة للجماعة، الَّتي لا تقتصر على منطقة الشَّرق الأوسط وشمال إفريقيا، بل تمتدُّ إلى أمريكا، وألمانيا، والبوسنة والهرسك، والشّيشان، والسّنغال، وأفغانستان، وباكستان. تصرُّ الكاتبة على أنَّ الجماعة لم تُؤسَّس لتحقيق أهداف سياسيَّة، إنَّما أُجبرت على خوض مجال السّياسة بدفع من التَّغيُّرات السّياسيَّة الَّتي طرأت على المجتمعات الَّتي نشأت الجماعة وتطوَّر نشاطها فيها. كان موقف الجماعة تجاه التَّيَّارات السّياسيَّة المخالِفة للنّظام الإسلامي الشَّرعي هو العداء وعدم منْح الثّقة. ومع ذلك، فقد حرصت الجماعة على التَّعامل مع أيديولوجيَّات الخصوم، من أنصار القوميَّة والعلمانيَّة والدِّيموقراطيَّة، من خلال الاستجابة. أدَّى ذلك إلى تبايُن الآراء تجاه التَّوجُّه الأصلي للجماعة، ما بين الوسطيَّة والتَّشدُّد.

ألهمت أفكار الجماعة أصحاب الفكر الإسلامي في الخارج في تكوين رؤيتهم الخاصَّة للإسلام السّياسي. وبرغم أنَّ تلك الأفكار لم تنادِ بالدِّيموقراطيَّة أو بتحرُّر المجتمعات، فقد وجدت صدى واسعًا بين أفراد الطَّبقات الكادحة، من الفقراء والعمَّال؛ ثمَّ اتَّسعت دائرة الإعجاب بها لتشمل الطَّبقات المهنيَّة والمثقَّفة في مجتمعات الشَّرق الأوسط. واجه مبدأ التَّعدُّديَّة الخاص بالجماعة، القائم على توسيع نطاق نفوذها ليشمل كافَّة الدُّول الإسلاميَّة، إعاقة في أعقاب ثورات الخمسينات والسّتّينات من القرن، بعد بزوغ نجم تيَّار القوميَّة العربيَّة حينها. وقد احتفظت مصر بموقها المحوري في نطاق نفوذ الجماعة، برغم اتّساع رقعة ذلك النُّفوذ وامتداده إلى شتَّى بقاع الأرض. وترصد الكاتبة من خلال هذا المؤلَّف علاقة جماعة الإخوان المسلمين بالرَّبيع العربي، من خلال اختبار مدى تأثير أفكار على توجيه المشهد السِّياسي في تلك الفترة الشَّائكة، في محاولة للوصول إلى تصوُّر مقنع بشأن دور تلك الجماعة المستقبلي في ظلّ الاضطراب السِّياسي المصاحِب للرَّبيع العربي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى