مختارات

كيف صمدت غزة.. ولماذا؟

كيف صبرت غزّة، بشيبها وشبابها بأطفالها ونسائها، كل هذا الصبر الذي يعجز العقل البشري العادي عن استيعابه؟ كيف تمكّنت، بعد كل هذه المذابح التي فاقت في بشاعتها كل ما سجله التاريخ الحديث، من الوقوف على قدميها وإطلاق عبارات التحدّي والصمود، في كلمات بسيطة، تنطلق من الناس العاديين، وتتّشح ببساطة وبلاغة عز نظيرهما، من مثل: الحمد لله، يا ربّ خذ من دمنا حتى ترضى، مع المقاومة حتى آخر نفس فينا، وكثير من هذه التعبيرات التي تتمحور حول فكرة واحدة: نعم تعبنا ولكننا لن نستسلم، المقاومة حمّلتنا أعباء ثقيلة لا تحملها الجبال، لكننا معها ونؤيّدها. … صحيح هناك أصوات خارج هذا السياق تماما، لكنها لا تكاد تبين، وهو أمر واقعي وطبيعي، فالناس ليسوا سواسية، ولكن ما يهم هنا رأي سواد القوم، وهو بيّن واضح لا يحتاج لبحث أو إثبات، فالشهادات حية تملأ وسائل الإعلام الشعبي، ويتناقلها الناشطون كما كانوا يتناقلون مقاطع مشاهير الغناء والرقص والاستعراضات الجسدية!
ما سر هذا الصمود؟ … في فيديو شائع على شبكات الإعلام الشعبي، يتحدّث خبير في أحد أجهزة الاستخبارات الأجنبية عن كيفية تدمير المجتمع، ويقول إن هذا يحتاج ما بين 15 عاما و20 عاما، وهو ما يكفي لبناء جيل جديد، ويلزم لتدمير هذا الجيل ضرب الدين أولا، وفق سلسلة عمليات ممنهجة يتلقاها “المواطن” عبر غير قناة، أهمها التعليم، حيث على من يريد التدمير تعليم الجيل ما لا ينفَع، وإبعادهم عن تاريخهم المضيء وتزييف وعيهم الجمعي. وأما الإجراء الثالث في التدمير فهو تفكيك الأسرة وضربها عبر بناء علاقاتٍ أخرى بديلة، ثم ضرب المؤسّسات الاجتماعية وربط أفراد المجتمع بمؤسّسات بديلة غير منتخبة مفروضة عليهم، وهو يعني بذلك رجال الإعلام ومؤسّساتهم التي تتمتّع بقوة مفرطة، رغم أنهم مفروضون على المجتمع، ويشكّلون بالنسبة لهم مصدر “علم” لا ينضب، وعبرهم يتم “حقن” الجمهور بكل ما يريدون من سموم!

يبدو أن سلطة غزّة عملت بهذه الخطّة، ولكن بشكلٍ معاكس، فبعد عملية الانقلاب على حكومة “حماس”، ووقوع الانقلاب أو انفصال غزّة عن الضفة الغربية، وقع قطاع غزّة تحت حصار محكم، ووجدت “سلطة غزّة” المحلية نفسها تحت حالة “استقلال” من نوع خاص، حيث بوسعها أن تتّخذ ما تشاء من قراراتٍ بشأن مجتمعها، خصوصاً في مجال التعليم، وصناعة المناهج. والمشكلة التي واجهتها هنا فرض المناهج الفلسطينية المتّسقة مع اتفاقات أوسلو، وهو ما تلتزم به مدارس وكالة الغوث، التي تشكّل الغالبية الساحقة من مدارس القطاع. أما المدارس الحكومية وغيرها من المدارس الأهلية، فقد اعتمدت مناهج “حماس”، وهو يترجم فلسفة المقاومة بكل تجلياتها، وإعادة بناء الإنسان. وكانت النتيجة مذهلة، حيث رأينا نوعية المنتَج “الخارق” الذي واجه العدوان وأهواله بصبرٍ وصمود أسطوري، أصبح أمثولة تتداول نموذجه الجماهير، ويُحدِث صدمةً في نفوس الأعداء، ويُشعرهم بأن تدمير العمران وكل مظاهر الحياة لم يطاول الإنسان، وتلك معادلة ستكون مادّة دراسية دسمة لمؤسّسات البحث ودوائر صنع القرارات في مختلف أنحاء العالم، وسيجتهد هؤلاء في عدم تمكين أيٍّ من مجتمعات العرب تحديدا من “استنساخ” صناعة “حماس” الإنسان القادر على التعامل بعبقريةٍ مع تبعات تدمير العمران.


في تفاصيل ما قامت به سلطة “حماس”، أدخلت إلى المناهج الخاصة بمدارسها برنامج “الفتوة”، يهدف إلى تدريب الطلبة على السلاح بشكل مفصل، والتدريب على مهارات الميدان. لم يكن بإمكانها إدخال هذا البرنامج في مدارس وكالة الغوث، كون الأخيرة ملتزمة بمخرجات اتفاق أوسلو الحريص على تدريس ثقافة “السلام” لا السلاح، فكان البديل تفعيل دور المساجد وحلقات تحفيظ القرآن الكريم، وعلوم الشريعة، وأيضا تطبيق برنامج مواز لبرنامج “الفتوة”. وفي ما يخصّ برنامج المقاومة في تدريس مادة الثقافة الوطنية، تعلم طلاب غزّة أهمية موقع فلسطين الجغرافي، والمكانة الدينية، والاستراتيجية والأمنية، وتاريخ مدن أريحا ويافا وعكّا ونابلس ورفح والخليل والقدس وبئر السبع، وهي لا تقع فقط في نطاق حدود قطاع غزّة والضفة الغربية، بل تمتد إلى المناطق التي تحتلها إسرائيل منذ 1948. كذلك يدرس الطلبة البطولات والمعارك الفاصلة التي جرت على أرض فلسطين، مثل اليرموك وحطين وعين جالوت، فضلا عن الثورات الفلسطينية، مثل البراق، والثورة الكبرى 1936، ودراسة أعلام فلسطين في العصر الحالي، مثل أحمد الشقيري، وياسر عرفات، وأحمد ياسين. كما يدرس الطلبة كل ما يخص “المشروع الصهيوني، والهجرة اليهودية لفلسطين والأطماع الصهيونية”، وموقف الخلافة العثمانية، ووعد بلفور 1917، ونكبة 1948 والمجازر، وحروب 1956 و1967 و1973، وطبيعة الاحتلال الصهيوني وممارساته في طرد الفلسطينيين، والاحتلال الإحلالي والاستيطان، والجدار والتهويد جغرافياً وتاريخياً وثقافياً وديمغرافياً، وصولاً إلى موضوع المقاومة ومشروعيتها وأشكالها وتطورها، و”الانتفاضة الفلسطينية” وحرب “الرصاص المصبوب” التي تسمّيها حركة حماس “الفرقان” وحرب “عمود السحاب”، التي تسمّيها الحركة “حجارة السجّيل”، إضافة إلى دراسة الثوابت الفلسطينية، مثل الأسرى والعودة والقدس وتحرير فلسطين، ودراسة كل ما يتعلق بحركات المقاومة، مثل فتح وحماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية. وهذا البرنامج غير معتمد في أي مجتمع فلسطيني، لا في الوطن ولا في الشتات باستثناء غزّة، وهو مما يفكّ شيفرة إبداع جيل غزّة معجزة الصمود والمقاومة، ومواجهة أحد أكبر جيوش المنطقة وأكثرها تسليحا وإعدادا ودعما دوليا!

تابعنا في فيسبوك

برؤية سريعة، في وسعنا مقارنة مجتمع غزّة مع أي مجتمع عربي، حيث اعتماد خطط تدمير الإنسان مقابل “الإبداع” في بناء العمران، على العكس مما حصل في غزّة، ولهذا يقوم الاحتلال بدعم غير محدود عربيا وغربيا بتدمير “نموذج غزّة” كونه تمرّد على الزمنين العربي والغربي.
أنجزت الباحثة الصهيونية رونيت مارزين (هآرتس 15/2/2024)، دراسة في تحليل 33 خطابا لمحمود عبّاس (زعيم فتح)، و15 خطابا لإسماعيل هنية (زعيم حماس)، في الأعوام 2021 – 2022. وكتبت: أراد الاثنان إحداث تغيير فكري وإعادة القضية الفلسطينية إلى مقدّمة الأجندة والعمل على تكرار كثيف للرواية الوطنية الفلسطينية. يريد عبّاس التوصل إلى إنهاء الاحتلال وتحقيق اتفاق دائم عن طريق تركيز الجهود الدبلوماسية أمام المجتمع الدولي والزعماء العرب، وشراكة في النضال ضد الإرهاب في المنطقة وفي العالم. وأراد هنيّة إقناع المجتمع الدولي والزعماء العرب بالاعتراف بشرعية المقاومة المسلحة. ظهرت كلمة “سلام” عشرات المرّات في خطاب عبّاس مقابل مرّة في خطاب هنية، بمعنى “السلام الكاذب”!

المصدر: العربي الجديد/ حلمي الأسمر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى