بحوث ودراسات

روايات خالد حسيني: أنموذج لتطبيق أهداف “الشَّرق الأوسط الكبير” (12 من 12)

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن

أكاديمي مصري.
عرض مقالات الكاتب

إسقاط أحداث الرواية على واقع أفغانستان

تتطرَّق رواية ألف شمس ساطعة (2007م) لمسألة منْع حركة طالبان، خلال فترة حُكمها الأولى (1996-2001م)، الفتيات من الذّهاب إلى المدارس. وبرغم موافقة الحركة على تعليم الإناث، فقد حظرت من جديد التَّعليم الثَّانوي للإناث، كما نشرت شبكة BBC عربي في 8 ديسمبر 2021م.

حظْر طالبان المدارس الثَّانويَّة على الفتيات في أفغانستان يصيبهنَّ بالإحباط

تحدَّثت بعض طالبات المدارس في أفغانستان لبي بي سي عن تزايُد فقدهنّ للأمل في ظلّ استمرار منعهنَّ من ارتياد المدارس لأكثر من ثلاثة أشهر منذ أن سيطرت طالبان على البلاد.

وقد نشرت الشَّبكة في 3 نوفمبر 2021م مقالًا عن تحدّي معلَّمة أفغانيَّة، تُدعى أنجيلا غيور، قرار طالبان بتأسيس مدرسة لتعليم الفتيات عبر الإنترنت، وقد انضمَّت إلى ذلك المشروع المئات من الفتيات.

أفغانستان تحت حكم طالبان: المعلّمة الَّتي تتحدَّى الحركة لتعليم الفتيات المحرومات

على مدى الأشهر الثَّلاثة الماضية، أمَر حكَّام أفغانستان الجُدُد جميع الفتيات والشَّابَّات بالبقاء في المنزل وعدم الذّهاب إلى المدرسة “من أجل سلامتهنّ”. وظلُّوا يكرّرون أنَّ هذا الحظر أمر مؤقت،

لكن مع غياب الأمل في حل يلوح في الأفق، قرَّرت إحدى المعلمات في الشَّتات الأفغاني التَّصرُّف. وفي غضون أسابيع من تأسيسها مدرسة عبر الإنترنت، سجَّلت في مشروع أنجيلا غيور، ما يقرب من ألف طالبة وأكثر من 400 معلّم تطوَّعوا لمساعدتها. وقد تمَّ تغيير جميع أسماء الفتيات المشاركات من أفغانستان حفاظًا على سلامتهنّ.

وتتَّخذ حركة طالبان بعد عودتها للحُكم مسارها السَّابق في تطبيق الحدود، وقد تناقلت وسائل الإعلام، منها موقع العربيَّة، استعراض الحركة لجثث أشخاص نُفّذ فيهم حُكم الإعدام في شوارع مدينة هرات.

لقطات صادمة.. طالبان تجوب شوارع هرات بجثث معلَّقة برافعات

طالبان أحضرت 4 جثث إلى ساحة عامَّة في هرات ونقلت 3 جثث إلى ساحات أخرى في المدينة لعرضها…وكان الملا نور الدّين التُّرابي، أحد مؤسسي طالبان والمنفّذ الرَّئيسي لتفسيرها المتشدّد للشريعة الإسلامية عندما حكمت الحركة أفغانستان آخر مرَّة، قال لـ “أسوشييتدبرس” هذا الأسبوع إنَّ الحركة المتشددة سوف تنفذ مرة أخرى عمليَّات الإعدام وبتْر الأيدي، وإن لم يكن ذلك علنًا.

أمَّا عن مسألة وجود حقول ألغام في أفغانستان وسقوط ضحايا باستمرار من جرَّاء انفجارات الألغام، فقد نشَر الموقع الرَّسمي لمنظَّمة الأمم المتَّحدة في 10 نوفمبر 2021م تقريرًا يؤكّد ارتفاع عدد هؤلاء الضَّحايا في عدد من البلدان، ويأتي السُّوريون والأفغان في المقدّمة، 80 بالمائة منهم من المدنيين، و85 بالمائة من الذُّكور.

عدد ضحايا الألغام الأرضيَّة “مرتفع بشكل استثنائي” وسوريا وأفغانستان الأكثر تضرُّرًا

ضحايا الألغام الأرضيَّة في أفغانستان

وممَّا يتعارض مع الصُّورة الحالمة الَّتي رسمها خالد حسيني عن أفغانستان ما بعد سقوط طالبان، تردّي الأوضاع المعيشيَّة في البلاد؛ لدرجة أنَّ حوالي 14 مليون شخص يعانون انعدام الأمن الغذائي الحادّ، وفق ما نشَره الموقع الرَّسمي لمنظَّمة الأمم المتَّحدة في 11 أكتوبر 2021م، أي بعد شهرين فقط من عودة طالبان إلى الحُكم.

أفغانستان: الأمين العام يحثُّ العالم على اتّخاذ الإجراءات المناسبة لتفادي انهيار البلاد

في خضمّ الأزمة الإنسانيَّة المتزايدة في أفغانستان، حثَّ الأمين العام للأمم المتَّحدة أنطونيو غوتيريش يوم الاثنين العالم على “اتّخاذ إجراءات وضخّ السّيولة في الاقتصاد الأفغاني لتجنُّب الانهيار” و “تهيئة الظُّروف الَّتي تسمح للمهنيين الأفغان وموظفي الخدمة المدنيَّة بمواصلة العمل لخدمة الشَّعب الأفغاني.”

وقال السيد غوتيريش محذرا: “بدون طعام وبدون وظائف وبدون حماية حقوقهم، سنرى المزيد والمزيد من الأفغان يفرُّون من ديارهم بحثًا عن حياة أفضل. ومن المرجَّح أن يزداد تدفُّق المخدّرات غير المشروعة والشَّبكات الإجراميَّة والإرهابيَّة”.

يعني ذلك، أنَّ الوجود الأمريكي لم يوفّر للأفغان معيشة كريمة، بدليل عجْز عن مجرَّد توفير الغذاء. كما لم ينجح الغزو الأمريكي في تنشئة الجيل الجديد من الأفغان على التَّحضُّر السُّلوكي، بدليل تحذير الأمم المتَّحدة من “تدفُّق المخدّرات غير المشروعة والشَّبكات الإجراميَّة والإرهابيَّة”. ونتساءل: ماذا فعل الغزو الأمريكي في أفغانستان على مدار 20 عامًا إذًا؟!!!

تساؤلات ختاميَّة

1.منذ إسقاط دولة الخلافة الإسلاميَّة عام 1342ه، الموافق لعام 1924م، دأب مثقَّفون محسوبون على ما يُسمَّى التَّيَّار التَّنويري على الدَّعوة إلى تنحية الشَّريعة الإسلاميَّة وتطبيق العلمانيَّة، واستبدال القيم النَّابعة من الإسلام بالمفاهيم الغربيَّة التَّحرُّريَّة، وكأنَّما وظَّفهم الاستعمار بوصفهم أسلحته في غزوه الفكري للعالم الإسلامي. ويُعتبر جان بول سارتر، رائد الفلسفة الوجوديَّة الإلحاديَّة، من أكثر المفكّرين الماركسيين تأثيرًا على التَّيَّار التَّنويري، الَّذي كان مؤيّدًا للصُّهيونيَّة وداعمًا لدولة الاحتلال الإسرائيلي، برغم ادّعائه الإلحاد. ونتساءل: كيف يجتمع الإلحاد مع تأييد دولة مغتصِبة لأراضي المسلمين أُسّست استنادًا لنبوءة في الكتاب المقدَّس؟

2.دعّمت الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة الجهاد في أفغانستان في مواجهة الغزو السُّوفييتي، بل وشجَّعت الدُّول الإسلاميَّة على إرسال المقاتلين إلى هناك، وكان من بين هؤلاء المقاتلين السَّعودي أسامة بن لادن والمصري أيمن الظَّواهري، مؤسَّسا تنظيم القاعدة. انقلبت الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة لاحقًا على المجاهدين واعتبرتهم إرهابيين متطرّفين، بعد انسحاب القوَّات السُّوفييتيَّة من أفغانستان بعد هزيمتها، إيذانًا بسقوط الاتّحاد السُّوفييتي. ونتساءل: هل يُفهم من ذلك أنَّ هدف أمريكا دعْم الجهاد في أفغانستان كان إسقاط الاتّحاد السُّوفييتي لتنفرد بزعامة النّظام العالمي الجديد؟

3.في أعقاب هجمات 11 سبتمبر الشَّهيرة، وبذريعة إسقاط حُكم طالبان والقضاء على إرهاب تنظيم القاعدة، ثمَّ تأسيس نظام ديموقراطي عادل، غزت الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة، في عهد جورج دابليو بوش، أفغانستان عام 2001م؛ وقد أكَّدت ضابطة اتّصال سابقة في المخابرات المركزيَّة الأمريكيَّة على وجود مؤامرة من الموساد الإسرائيلي لتسهيل تنفيذ الهجمات ثمَّ اتّخاذ ذلك ذريعة لشنّ عدوان على أفغانستان.

وبعدها بعامين، وبزعم تطوير نظام صدَّام حسين أسلحة دمار شامل، غزت الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة العراق، متعهّدةً بإنهاء حقبة الدّيكتاتوريَّة وإرساء قواعد الدّيموقراطيَّة في بلاد الرَّافدين؛ وقد اعترف جورج دابليو بوش بخلوّ العراق من أسلحة الدَّمار الشَّامل المزعومة. ونتساءل: هل كان الغزو الأمريكي لأفغانستان والعراق لخدمة أهداف الصُّهيونيَّة والاستحواذ على آبار النَّفط والإضرار بنفوذ روسيا في آسيا الوسطى كما يذكر د. محمود محمَّد عليّ في كتابه الأبعاد الحقيقيَّة للغزو الأمريكي لأفغانستان (2017م)؟ وكيف يُفسَّر مقتل بن لادن بعد 10 سنوات من الغزو الأمريكي، وعودة طالبان إلى الحُكم بعد الانسحاب الأمريكي؟

4.يكشف نصُّ مشروع الشَّرق الأوسط الكبير عن احتماليَّة تنامي النَّشاط الإرهابي في الدُّول المسلمة؛ نتيجة للظُّروف الاقتصاديَّة القاسية، حيث يقول “وطالما تزايَد عدد الأفراد المحرومين من حقوقهم السّياسيَّة والاقتصاديَّة في المنطقة، سنشهد زيادة في التَّطرُّف والإرهاب والجريمة الدُّوليَّة والهجرة غير المشروعة”.

ونتساءل: إذا سلَّمنا بنظريَّة المؤامرة الَّتي تقول إنَّ الغرب يتعمَّد افتعال أزمات الاقتصاديَّة ونشْر الفقر في دار الإسلام، ضمن حملة لدفْع المسلمين إلى التَّنصُّر، عملًا بتوصيات مؤتمر كولورادو لعام 1978م للتَّنصير ومحاربة، الإسلام كما يوضح المفكّر الإسلامي المصري د. محمَّد عمارة في كتابه استراتيجيَّة التَّنصير في العالم الإسلامي: بروتوكولات قساوسة التَّنصير (1992م)، فهل الغرب إذًا مسؤول عن صناعة الإرهاب والتَّطرُّف؟ هل أسهمت أمريكا بشكل غير مباشر في تأسيس تنظيم القاعدة بدعمها الجهاد في أفغانستان ضدَّ عدوّها السُّوفييتي؟ وهل استفادت أمريكا من نشأة تنظيمات سُنّيَّة مسلَّحة في الدُّول المسلمة في ترسيخ ادّعاء اقتران الإسلام بالتَّطرُّف والعنف؟

وهل يصدق في مَن يحرّضون على قبول الهيمنة الاقتصاديَّة الغربيَّة على العالم الإسلامي، بزعم أنَّ في ذلك ضمان لمحاربة الفقر والعوز وإنهاء للأزمات الاقتصاديَّة الطَّاحنة، قول الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ۝ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ ۚ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ [سورة المائدة: 51-52]، وقوله تعالى أيضًا  ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [سورة التَّوبة: 24]؟

5.استضافت الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة وغيرها من الدُّول الغربيَّة اللاجئين الأفغان الفارّين من جحيم الغزو السُّوفييتي، ممَّن تطبَّعوا بطباع الغرب وصاروا يعتنقون فِكْره ويعبّرون عنه، ومن هؤلاء الرُّوائي خالد حسيني، الَّذي يدعو في كتاباته إلى الانقلاب على الأحكام الدّينيَّة والقيم الاجتماعيَّة المتوارَثة للشعب الأفغاني. ونتساءل: هل إيواء الغرب للاجئين، قديمًا وحديثًا، يرمي إلى تنشئة جيل من أبناء المسلمين يجنّدهم في غزوه الفكري للعالم الإسلامي؟ وكيف تُفسَّر دعوة حسيني إلى تطبيق أهداف مشروع الشَّرق الأوسط الكبير في كتاباته؟ كذلك كيف يُفسَّر إنصافه للأقليَّات الطَّائفيَّة والعرقيَّة في أفغانستان في مقابل شيطنة مسلمي السُّنَّة؟ ولماذا يتعمَّد الرُّوائي تجاهُل المآسي الَّتي مرَّ بها الشَّعب الأفغاني خلال الغزو الأمريكي، في مقابل تسليطه الضَّوء على تقديم الولايات المتَّحدة مساعدات إنسانيَّة للأفغان؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى