بحوث ودراسات

روايات خالد حسيني: أنموذج لتطبيق أهداف “الشَّرق الأوسط الكبير” (11 من 12)

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن

أكاديمي مصري.
عرض مقالات الكاتب

تمرُّ بضع سنين، وتصل الأحداث إلى أبريل من عام 2001م، أي قبل أحداث 11 سبتمبر والغزو الأمريكي بأشهر قليلة، وتسمع ليلى حينها أنَّ الزَّعيم الطَّاجيكي أحمد شاه مسعود قد سافر إلى فرنسا، وتحدَّث إلى البرلمان الأوروبي، محذّرًا الغرب من “معسكر الإرهابيين في أفغانستان”، ومطالبًا بالدَّعم في قتاله لحركة طالبان. وتجدر الإشارة في هذا السّياق إلى أنَّ مسعود قد قُتل في 9 سبتمبر 2001م على يد تنظيم القاعدة، بعد نجاته من محاولات اغتيال لا تُحصى خلال ربع قرن. تكشف ليلى أنَّ طارق لم يمت، وأنَّ القصَّة الَّتي سمعتها من مجهول قبيل زواجها من رشيد عن إصابته في انفجار وموته المحتمل كانت بإيعاز من الإسكافي المسنّ، الَّذي أرادها أن تنسى والد طفلها الأوَّل وتتزوَّجه.

بعد أن تواجه ليلى رشيد بمؤامرته للزواج منها، يهوي عليها رشيد بالحزام لضرْبها، متجاهلًا توسُّلات مريم لكفّ يديه عن ليلى. يحاول رشيد خنْق ليلى، لكنَّ مريم تنقذها من الموت بأن تضرب الإسكافي المسنَّ بمجرفة ليهوي على الأرض ميتًا. تطلب مريم من ليلى الهروب بطفليها وأن تلحق بطارق، وبعد ذلك يُلقى القبض عليها من قِبل عناصر طالبان، وتؤخذ إلى السّجن. تعترف مريم بما اقترفته، دون أدنى خوف أو شعور بالنَّدم، وتنتظر مصيرها بعد الحُكم عليها بالإعدام، وكأنَّما كان الحُكم عليها بالموت هو سبيلها للتَّحرُّر بعد عقود من القهر الاجتماعي. يجعل حسيني من مريم، في تضحيتها لإنقاذ ليلى لكي تبدأ حياة جديدة بعيدًا عن سجن طالبان، كبش فداء لتحرير نساء أفغانستان كافَّةً من التَّضييق والعنف الأسري.

اقتياد عناصر طالبان لمريم لإعدامها- فيلم A Thousand Splendid Suns (2017م)

بداية مرحلة “ساطعة” مع سقوط طالبان

 تلحق ليلى بطارق بصحبة طفليهما، ويهرب الأربعة إلى باكستان، حيث يعيشون حياة هادئة، لا يعكّر صفوها إلَّا مرض طارق النَّاتج عن إصابته وتعرُّضه للإيذاء البدني خلال فترة سجْنه. ينجح طارق، ابن طائفة البشتون، في الارتباط بليلى، ابنة الطَّاجيك، بعد موت رشيد، نصير طالبان الَّذي فرَّقهما قبل سنين؛ وكأنَّما كان ذلك الارتباط رمزًا للتَّصالح بين أبناء الطَّوائف المختلفة من الأفغان بعد انقشاع غمَّة تسلُّط طالبان على الحُكم، كما أراد حسيني أن يقول. يسعى طارق إلى كسْب ودّ زلماي، النَّافر منه، ويقدّم له الهدايا كي يرضيه. وفي سبتمبر 2001م، تسمع ليلى بمقتل أحمد شاه مسعود على يد تنظيم القاعدة، وتتذكَّر كم كان الطَّاجيك يعتبرونه بطلًا قوميًّا، وكم سعدت أمُّها الرَّاحة لمَّا عرفت أنَّه صلَّى الجنازة على ابنيها اللذين ماتا وهو يقاتلان السُّوفييت في صفوف قوَّاته.

ويُلاحَظ أنَّ في مقابل إدانة حسيني الشَّديدة لزعماء طالبان، يُعلي الرُّوائي من قدْر شاه مسعود، الزَّعيم الطَّاجيكي الَّذي استجدى الغرب للتَّدخُّل لتخليص أفغانستان من حُكم طالبان. وبعد يومين، تقع هجمات 11 سبتمبر، وتعلن أمريكا نيَّتها التَّدخُّل عسكريًّا في أفغانستان لإسقاط طالبان والتَّخلُّص من تنظيم القاعدة. حينها، يفكّر طارق في العودة إلى بلاده، ربَّما متشجّعًا بفضل التَّدخُّل الأمريكي، المفترَض أنَّه إيجابي ومن شأنه إعادة الحياة إلى الأفغان. في حين تعارِض ليلى الفكرة بعد أن تتابع القصف العنيف وسقوط القتلى في الشَّوارع، كما كان يحدث خلال سنوات الحرب الأهليَّة.

يتجاهل الرُّوائي من جديد تناوُل مآسي الأفغان من جرَّاء الغزو الأمريكي، ويقفز بالأحداث إلى صيف عام 2002م، بعد تسلُّم حامد كرزاي الحُكم بدفع من الأمريكان، ونشْر مجلس الأمن لقوَّات المساعدة الدُّوليَّة لإرساء الأمن في أفغانستان (ISAF-إيساف) في ديسمبر 2001م، وكأنَّما أراد حسيني ادّعاء أنَّ أمريكا كانت وراء حدوث حالة من الاستقرار النّسبي في البلاد، مُرجعًا إليها الفضل في “إجبار طالبان على الانسحاب من كلّ مدينة رئيسيَّة، وإبعادهم إلى الحدود مع باكستان وإلى الجبال في جنوب أفغانستان وشرْقها” (صـ387).

تفكّر ليلى حينها في العودة إلى كابول؛ لتشارك فيما يحدث من تصحيح للأخطاء الَّتي ارتكبتها طالبان، ونهوض بالأوضاع المعيشيَّة بعد سنوات البؤس والشَّقاء. تهرع ليلى لتلبية نداء الوطن؛ لأنَّ “كابول تنتظر، تحتاج”، وتسترجع بيتين من الشّعر من قصيدة “كابول” يقولان (صـ391):

المرء لا يستطيع عدَّ الأقمارالمشعَّة على سقوفها
أو ألف شمس ساطعةتختبئ خلف جدرانها

ومن المفارقات أنَّ ليلى تعثر على شريط مسجَّل تركه جليل، والد مريم الَّذي لم يعترف بها، لابنته الَّتي قصدها بعد أن شاخ وهرم لكنَّها لم تقابله. يطلب جليل من ابنته، الَّتي كانت قد أُعدمت على يد طالبان، أن تسامحه، ويخبرها بما ألمَّ به وبأسرته من نكبات، على رأسها مقتل بعض أفراد أسرته خلال العدوان السُوفييتي ومصادرة الشُّيوعيين لأمواله. يطلب جليل من مريم أن تأتي إليه، بعد أن تعرَّض لتقلُّبات الزَّمن، ولكن يأتي طلبه متأخّرًا، وكأنَّما أراد حسيني من خلال ندم جليل على عدم الاعتراف بمريم “خوفًا على ما يُسمَّى اسمه الطَّيّب”، وبما أصابه من أزمات، معاقبة هذا النَّموذج من الآباء الَّذين يتخلُّون عن الأبناء الآتين من علاقات آثمة (صـ403).

تعود الحياة إلى كابول، كما كانت قبل الغزو السُّوفييتي، والحرب الأهليَّة، وتولّي طالبان الحُكم، في ظلّ وجود قوَّات الأمم المتَّحدة، وبفضل التَّدخُّل الأمريكي. يعود الأطفال للهو في الشَّوارع، ويُعاد فتْح دور العرض السّينمائي، بل ويُعرض فيلم تيتانيك (1997م) الأمريكي الشَّهير في كابول، برغم ما تتضمَّنه أحداثه من مشاهد حميميَّة، في إشارة من المؤلّف إلى درجة التَّحرُّر الَّتي وصل إليها المجتمع الأفغاني بعد رحيل طالبان عن السُّلطة. ويصف حسيني الحياة في كابول في مرحلة الإعمار وإزالة غبار الماضي كما يلي (صـ406):

تجد ليلى العودة إلى كابول غريبة. تغيَّرت المدينة، كلَّ يوم الآن ترى النَّاس يغرسون الشَّتلات، ويدهنون البيوت القديمة، ويحملون القرميد من أجل منازل جديدة. ويحفرون المصارف والآبار. على عتبات النَّوافذ، تشاهد ليلى الأزهار موضوعة في شظايا صواريخ المجاهدين…

تكفي عبارة “الأزهار موضوعة في شظايا صواريخ المجاهدين” للتَّعبير عن حلول الأمن والسَّلام، بعد أعوام من التَّرويع والانفلات الأمني. تحمل ليلى من طارق طفلًا جديدًا، هو ثمرة نبْذ الفُرقة بين طوائف أفغانستان المتناحرة خلال الحرب الأهليَّة، وهو كذلك بذرة المجتمع الجديد الَّذي لا يعرف التَّعصُّب العنصري ويتربَّى وفق المفاهيم التَّي يريدها الغرب، ويعبّر عنها خالد حسيني في كتاباته. أخيرًا، تستطيع ليلى تحقيق ذاتها، بالعمل معلّمة للأطفال في دار للأيتام، هم أبناء ضحايا العنف الطَّالباني، الَّذين ستنقل إليهم ليلى القيم الَّتي يغرسها الغزو الأمريكي؛ كي ينشأ جيل من الأفغان لا يطالب بتطبيق الشَّريعة أو يحمل السّلاح في وجْه مستعمر يغزو بلاد (صـ409):

عندما يرى الأولاد ليلى يأتون راكضين، يأتون راكضين بانحناءة كاملة، انحناءة تداهم ليلى. هناك عاصفة من التَّحيَّات عالية النَّبرة، أصوات حادَّة، تربيت، إمساك، تعلُّق، تدافُع، تحسُّس، تدافُع بين بعضهم البعض ليتسلَّقوا إلى ذراعيها. وهناك أيدي صغيرة ممدودة مناشدة للانتباه. البعض يناديها أُمّي، وهي لا تصحّح.

ويختتم خالد حسيني روايته بكلمة يبرز فيها دور المفوضيَّة السَّامية للأمم المتَّحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) في رفْع المعاناة عن ملايين اللاجئين الأفغان، “كطارق وعائلته في الرُّواية”، ممَّن أجبرتهم ظروف “الحرب، والجوع، وانعدام الدَّولة، والاضطهاد” إلى النُّزوح من مناطقهم، واللجوء إلى المناطق الحدوديَّة مع إيران أو باكستان، من خلال “حماية الحقوق الأساسيَّة للاجئين، وتقديم العون العاجل، ومساعدة اللاجئين على بدء حياتهم في بيئة آمنة” (صـ413). من جديد، يشدّد حسيني على إيجابيَّة الدَّور الأمريكي في كشْف غُمَّة الحُكم الإسلامي في أفغانستان، وادّعاء عودة الحياة في البلاد إلى ما كانت عليه، برغم الدّمار والخراب وسقوط الضَّحايا بعشرات الآلاف من جرَّاء الغزو الأمريكي، كما سبق الإيضاح!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى