مقالات

هل تلوثت كرة القدم بالوحل الطائفي؟

كرم نعمة

كاتب عراقي مقيم في لندن
عرض مقالات الكاتب

كان مقطع الفيديو الذي نشرته إحدى الناشطات التي لا تخفي طائفيتها وباسم مستعار (…)، عن حشد من المشجعين العراقيين في ملعب الشعب الدولي في ثمانينيات القرن الماضي، وهم يهتفون بصوت واحد “عراق” حيث كانت النغمة الوطنية للتشجيع آنذاك، فلم يكن ثمة هتاف يعبر عن “العراق المزيف” ولا أحد من المشجعين يفكر بأن يعبر عن مساحة نفسية طائفية ضيقة أو سياسية، فحسب كرة القدم أن تكون عراقية الهوى، وهو قدر مشترك للتحمس في أي بلد بالعالم. باعتبار المنتخب الوطني للبلدان ممثلا عن الوطن برمته. لكنها في النهاية لعبة يجب أن تنتهي بفائز وخاسر، ويستيقظ بعدها الناس في اليوم التالي لممارسة حياة طبيعية لم يعطلها الفوز أو الخسارة. إلا في “العراق المزيف” عندما تحولت كرة القدم إلى مُعبّر عن الانهيار السياسي والاجتماعي القائم في البلاد، أسوة بالفن والثقافة والتعبير عن الذات، فالانهيار السياسي الذي يديره لصوص الدولة لا يتوقف عن إيجاد معادل له في شتى مجالات الحياة.
لجهل تلك الناشطة، وربما بسبب عمرها، لا تدرك أن المشجع العراقي الذي ظهر في فيديو ملعب الشعب في ثمانينيات القرن الماضي ويهتف باسم العراق وحده، كان موجودًا أيضًا مع الجمهور الطائفي الذي احتشد في الدوحة للصراخ بكل أنواع الوضاعة الطائفية، إلا ما يعبّر عن كرة القدم بوصفها رياضة تجمع بين المتنافسين وتبعث على المتعة والشغف.
فهل فقدنا “العراق الرياضي” مع تحشيد جمهور لا يمت بصلة للعراق الوطني، ثم كيف للعراقي أن يشعر بالتعاطف مع منتخب يفترض أنه يمثله، بينما يجد في تشجيع هذا المنتخب ما يمس عقيدته الوطنية والأخلاقية والحضارية في صراخ أهوج استثمرته عمائم طائفية ضحلة، وهي تحول مباراة كرة القدم إلى مهرجان طائفي أحمق، وتُعبر عن سعادتها بجمهور جاهل لا يمثل إلا وضاعته الشخصية؟
فهل مرَ في التاريخ العراقي المعاصر مثل ذلك السخف الاجتماعي، إلا في زمن أحزاب إيران في العراق؟
في أسوأ مراحل الأزمات الرياضية التي مرت على المنتخب الوطني العراقي، وفي أشد مستويات الحماس والغيرة على الفريق العراقي، لم يصل الجمهور إلى هذا المستوى الضحل في التعبير عن نفسه. ولكم أن تتذكروا مشاركة المنتخب العراقي في تصفيات كأس العالم التي جرت في قطر أيضا عام 1993، بينما كان العراقيون يشعرون بالظلم تحت وطأة طوق الحصار الأعمى آنذاك وخذلان العالم برمته لهم، إلا أنهم لم يفرطوا بحضارتهم الشخصية في التعبير عن مؤازرة منتخب قادم من بلد يمنع على أطفاله الحليب! وأقصى ما وصلت إليه الحال، كانت القصيدة الرائعة التي كتبها الشاعر رعد بندر ولحنها وأداها الموسيقار فاروق هلال “هكذا يلعب المحاصرون”. وهي تعبر نصًا ولحنًا عن أعماق الجمهور العراقي آنذاك.
فهل الجمهور العراقي اليوم يختلف عما كان عليه آباؤهم بالأمس؟
ليس صعبًا معرفة أن عملية التجهيل المستمرة في العراق، أوجدت مثل هذا الجمهور الرياضي كمقابل للجمهور الميليشياوي والطائفي، وهو أكثر ما يسعد الأحزاب والميليشيات الطائفية الحاكمة، لأنها تجد في مثل هذا الخطاب الضحل المعبر الأمثل عن سياستها.
لا أحد يصادر الحق في الحماس لمنتخب بلاده، لكن أن يخرج الحماس إلى صراع أخلاقي وطائفي مع ابناء البلد نفسه، يعني أن الانهيار الاجتماعي وصل إلى درجة من الخطورة تهدد بنية المجتمع العراقي.
أنا أدرك، لا بد من السياسة عند الحديث عن كرة القدم، بوصفها ممثلا وطنيًا للدولة وذراعًا استثمارية وسياسية للحكومات، أكثر من كونها مجرد لعبة تثير شغف الملايين وتحرق أعصابهم كما تريحها.
عندما صعد منتخب العراق الأولمبي إلى نصف نهائي أولمبياد أثينا عام 2004، كان الحدث سياسيًا بامتياز، فيما البلاد تنهار تحت وطأة الاحتلال والقتال الطائفي، إلى درجة أن الحاكم الأمريكي السابق للعراق بول بريمر، طالب السياسيين الذين عينهم التعلم من وحدة وتكاتف لاعبي المنتخب العراقي، مثيرا المزيد من السخرية على المشهد الدامي آنذاك. بيد أن مدرب المنتخب العراقي عدنان حمد أظهر موقفه الوطني العالي المتسامي مع شخصيته وطالب جميع السياسيين وقادة الأحزاب الطائفية التوقف عن التبجح لأن المنتخب لا يمثل أي واحد منهم، وإنما يمثل العراق.
لكن أن يتحول الحال في “العراق المزيف” وتصبح كرة القدم بمثابة حرب على الموتى يديرها العقل القبوري الحاكم، فذلك ما يعبر بشكل مخيف عن الانهيار المجتمعي والسياسي، لأنه لم يحدث عبر التاريخ أن شنَ إنسان عاقل حربًا على الموتى وهو يشجع منتخب بلده، إلا في عراق أحزاب وميليشيات إيران، فعن أي كرة قدم نتحدث بعدها، وعن أي نوع من الفرق وهي تمثل بلدها؟
مع ذلك دعونا نعمل معًا من أجل إبعاد السياسيين الطائفيين ولصوص الدولة عن كرة القدم العراقية، فهي ما تبقى لنا من جوائز الترضية التي نرفعها بعد الخسائر السياسية التي منيت بها البلاد المخطوفة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى