مقالات

المسافة صفر: مصطلح حديث يذكّرنا بسنّة ربّانية

فداء ياسر الجندي

كاتب وأديب سوري
عرض مقالات الكاتب

لا نعلم من الذي استخدم هذا المصطلح الحديث للمرة الأولى، ولكن الذي نعلمه أنه مطبق في أرض الواقع منذ القدم، ولا أعني هنا المسافة صفر بين المتبارزين بالسيوف، لأن فرص غلبة أحدهما على الآخر متساوية، فكلاهما يحمل السلاح نفسه، ولكن أقصد المسافة صفر التي يقترب فيها بطل مجاهد من هدف قاتل يفوقه قوة وبأساً وحجماً وتسليحاً وعتاداً، ثم يتمكن من القضاء عليه.
ويذكر لنا التاريخ حادثتين من هذا النوع، الأولى ما فعله البطل العظيم القعقاع بن عمرو التميمي رضي الله عنه، في معركة القادسية، حين كانت الفيلة التي أطلقها جيش الفرس، تؤرق جيش المسلمين، وتجفل بسببها خيولهم، فوضع القعقاع رضي الله عنه لجنوده البواسل خطة محكمة لمواجهة الفيلة وقتلها من المسافة صفر، فتمكنوا منها وأراح الله جيش المسلمين من شرها.
والثانية هي حادثةُ قتلِ أسدٍ على يد الصحابي البطل هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، أطلقه الفرس في إحدى المعارك مع المسلمين ظناً منهم أنه سيفترس أول من يقابله من المسلمين، ، فيدب الرعب في جيشهم، ولكن الذي حدث هو العكس تماماً، إذ خرج له البطل المجاهد هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، رضي الله عنه منفرداً وقتله بسيفه، فكان ذلك سبباُ في قذف الرعب في جيش الفرس، وكان من أسباب هزيمتهم في تلك المعركة ونصر المسلمين، وقيل إن عمه سعد بن أبي وقاص قبل رأسه بعد أن قتل الأسد.
كنا حين نروي هذه القصص يقال لنا: أين نحن من أبطال الصحابة وصدر الإسلام؟ وهل نستطيع أن نفعل فعلهم ونصل إلى مراتبهم؟

تابعنا في تويتر


وقد جاء الجواب لهؤلاء أفعالاً على الأرض، لا كلاماً على الألسنة، وشاهدوا بأم أعينهم من يقوم بأعمال أكثر صعوبة وأشد خطراً وأعظم تضحية من عمل القعقاع وهاشم، رضي الله عنهما، وهو تدمير دبابات الميركافا من مسافة صفر.
وقبل إكمال الحديث، لا بد من التنويه إلى أن الصحابة لهم مقام عند الله لا يصل إليه أحد من الأجيال اللاحقة لهم، اكتسبوه بشرف صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبكونهم الجيل الذي حمل رسالته، وبلغها وأوصلها إلى أطراف العالم، ولكن لا يعني هذا أنه لن يأتي من يستطيع أن يقوم بمثل ما قاموا به من جهاد وتضحية وفداء وبطولة، وهذا ما يفعله المجاهدون في غزة اليوم، بعد أن حققوا أسبابه التي سنتحدث عنها بعد قليل، ونراه يوميا على الشاشات.
ذلك أن من يواجه الميركافا ويدمرها من مسافة صفر، لا يقل بطولة ولا إقداماً عن الصحابي الذي واجه الأسد، بل قد تكون الميركافا أشد خطراً وأكثر فتكاً، ونجاته منها أقل احتمالاً من نجاة من يواجه أسداً مفترساً، فالأسد المفترس ليس مزوداً برادارات وحساسات تكشف دبيب النملة من حوله، ولا بترسانة من الأسلحة الفتاكة التي تعمل بكبسة زر، ولا بطاقم من الجنود يقوده ويسدد أسلحته، ولا بتغطية جوية، ومع ذلك يتقدم أبطال غزة لمواجهتها من مسافة صفر وهم يعلمون أنهم إليها قد لا يصلون، وإذا وصلوا قد لا يرجعون، فلا حجة بعد اليوم، لأبنائنا إذا قلنا لهم: “اقتدوا بأجدادكم الصحابة”، أن يقولوا: “وأين نحن منهم؟” فهؤلاء أبناء غزة قد أثبتوا أن جيل اليوم قادر على أن يفعل ما فعله ذلك الجيل، أعني جيل الصحابة، وتجديد الثقة في نفوس شباب اليوم بأنهم قادرون على أن يفعل ما فعل الصحابة، هو أحد المكاسب الجانبية لما يحدث في غزة اليوم، مع التأكيد من جديد على أن مقام الصحبة شيء، والأعمال شيء آخر.
لا مجال الآن إطلاقاً إذن، لأن نستمع لأي مرجف يشكك في بعض الروايات التي نقلها لنا المؤرخون وأصحاب السير، عن مواقف الصحابة الكرام ومن جاء بعدهم من التابعين، فنحن نشاهد بأم أعيننا ما لا يقل بطولة وإعجازاً عن تلك المواقف، نشاهدها اليوم في غزة، على الهواء مباشرة.
والمواجهة من المسافة صفر هي أحد هذه المواقف، وهناك غيرها كثير.
لن يستطيع المرجفون أن يشككوا في الرواية التي تقول إن الصحابي الجليل البراء بن مالك رضي الله عنه قد طلب من أصحابه أن يلقوه بمفرده، وحده مع سيفه، من فوق سور حديقة الموت التي لجأ إليها المرتدون بعد أن تراجعوا في معركة اليمامة، فوقف على درعه، ورفعوه برماحهم، وألقوه من فوق السور، وما هي إلا برهة حتى فتح لهم باب الحديقة بعد أن قاتل حراسها بمفرده، ووجدوا في جسده عشرات الضربات والطعنات، لأنه كان يقاتل وحده جماعة المشركين خلف السور، وما أشبه ما قام به بما يقوم به اليوم المقاتل الغزي، حين يخرج بمفرده ومعه قاذف ليس فيه إلا قذيفة واحدة، بلباس خفيف، وحافي القدمين أحياناً، ليواجه دبابات الميركافا وحده، وكل منها قلعة مسلحة، وأمله في الرجوع حياً ليس أكثر من أمل البراء الذي قذفوه وحيداً بين الأعداء خلف السور.
ولن يستطيع المرجفون أن يشككوا في الرواية التي تقول إن امرأة من الصحابة كانت تحمل جثث ثلاثة من شهداء غزوة أُحُد على جمل لها، وكانت تسأل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، تريد أن تطمئن على سلامته، حتى إذا اطمأنت على أن الإسلام بخير لأن الرسول عليه الصلاة والسلام بخير، قالت قولتها المشهورة: “كل مصاب بعدك جلل يا رسول الله”، ثم علم الصحابة لاحقاً أن الشهداء الذين تحملهم على بعيرها هم زوجها وابنها وأخوها، ألم نشاهد اليوم كيف يواجه أهل غزة من الرجال والنساء، استشهاد أبنائهم وأسرهم بثبات وعزيمة لا تقل عن ثبات تلك الصحابية الجليلة؟ ألم تصبح عبارة (روح الروح) رمزاً عالميا للصبر والثبات والتسليم بقضاء الله؟ ألم نر صبر وثبات الصحفي العظيم وائل الدحدوح وهو يفقد زوجته وعددً من أولاده؟ حتى أصبح يلقب بالجبل لصبره وثباته، وصار قدوة حية لكل مبتلى بفقد أحبابه؟

ولن يستطيع المرجفون أن يشككوا في الرواية التي تقول، إن الصحابي الجليل الحافظ لكتاب الله، سالم مولى أبي حذيفة، لما اشتد القتال في معركة اليمامة، وكان هو الذي يحمل راية المهاجرين فيها، حفر لنفسه حفرة في ميدان المعركة، وثبت وهو يقاتل فيها، حتى توفاه الله شهيداً وهو يقول: “بئس حامل القرآن أنا إن أُتِـيَ المسلمون من قبلي”، وقد شاهدنا كيف استشهد حامل القرآن المجاهد البطل “تيسير أبو طعمية”، مجاهداً مقبلاً غير مدبر، بعد أن رفع سبابته بالشهادتين وسجد لله تعالى.
وأكثر ما يهمنا من هذه الأمثلة، القديمة والحاضرة، هو أن نجيب عن تساؤل هام، وهو: ما الذي جعل أبطال غزة يتجرؤون على ما فعلوه يوم 7 أكتوبر؟ هل هي مغامرة غير محسوبة؟ هل كان إثخانهم في العدو ذلك اليوم بشكل غير مسبوق ضربة حظ؟ هل صمودهم الأسطوري بعد ذلك كان رمية من غير رام؟
هذه أسئلة تُـطرح باستمرار بعد أن اعتبر كثير من المحللين أن ما يحدث في غزة، (معجزة عسكرية)، بسبب الفرق الشاسع في القوة والعتاد بين جيش الاحتلال المدرب المجهز، وبين المقاتلين المحاصرين منذ حوالي عقدين من الزمن.
وقد نفاجئ من يسأل هذه الأسئلة إذا أخبرناهم أن ما يحدث في غزة ليس سوى أمرٍ نراه طبيعياً، لأنه أحد تجليات سنة ربانية لا تتخلف، وحقيقة أولية تتعلق بهذا الدين، لم يختص الله بها الصحابة وعصرهم، بل تنطبق على كل من يعمل لها، ويحقق شروطها، في كل زمان ومكان، منذ حرب طالوت وجالوت، إلى يومنا هذا، وهي أن المسلم إذا أعد أقصى ما يستطيع من جهد في حرب أعدائه، ثم توكل على الله وأخلص النية لله، فإن الله يؤيده بنصره وتوفيقه، وإننا نحسب، ولا نتألى على الله، أن ما نراه في غزة هو توفيق من الله تعالى، لم يتيسر إلا بعد أن استنفذ المقاتلون في غزة أقصى ما يستطيعون من جهد في الإعداد والتحضير والتخطيط، لأننا مهما جنح بنا الخيال، لن نستطيع أن نتخيل أننا سنرى دبابات الميركافا تتساقط كالصراصير أمام قذائف الياسين وغيرها من أسلحة المقاومين، إذ ترى أحدهم يتجول بقاذف الياسين بين الدبابات وكأنه في نزهة، ويرميها وكأنه في تدريب، ويلصق قنبلة الشواظ على الميركافا، ثم ينزع فتيلها ويشغلها، بسهولة ويسر وطمأنينة، وكأنه يحضر فنجان قهوة، في حين نرى جنود العدو يعترفون أنهم يبولون على أنفسهم من الخوف، ولا نحسب ذلك إلا من تجليات قوله تعالى: “إذ يوحي ربك للملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا، سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب”.
هذا ما نراه من التوفيق والتأييد، وربما يكون هناك من التأييد والكرامات ما لا نراه، وما ذلك على الله بعزيز.
وبعد…
فمهما كانت النتائج المادية لمعارك طوفان الأقصى، فإنها بلا شك نقطة تحول تاريخية هائلة، لها من المآلات والعواقب ما لن تتسع المجلدات في المستقبل لتأريخة، وإنما لمسنا في هذه العجالة أمراً واحداً من ثمراتها، وهو أنها جعلت هذا الجيل من أمتنا، ولا سيما الشباب، يرون على الهواء مباشرة، أن سنن الله في النصر والتمكين لا تتخلف، فها هم أهل غزة قد طبقوا متطلباتها فنالوا وأنالوا الأمة ثمارها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى