مقالات

الدين الجديد للعملية السياسية ما بعد الاحتلال الأمريكي – الإيراني للعراق

د. محمود المسافر

سياسي وأكاديمي عراقي.
عرض مقالات الكاتب

كثرت في السنوات الفائتة بعض العادات والممارسات الجديدة التي ليست لها علاقة بأي مذهب من مذاهب ديننا الحنيف. فكل مذاهبنا إنما هي مدارس في التفسير، متفقون أصحابها على النص ومختلفون في التفسير والاجتهاد، وما ظهر على نحو شاذ في اختلاف في النصوص في القرن الثالث الهجري وما بعده إنما هو انحراف عن أصول تلك المدارس. وكما أن التطورات التي شهدتها الدولة المدنية في العهد الإسلامي الأول والعهد الذي تلاه تطلبت الكثير من التحديث في تفسير الظواهر الحديثة والاجتهاد على وفق رؤية إسلامية ملتزمة بما جاء في النصوص والأصول وتجتهد بمنهجية في التفسير والفروع، فإن ذلك يسري أيضا على كل العهود التي لحقت العهدين الأول والثاني.

ولا بد من الإشارة إلى أن جمود المذاهب أو المدارس الفقهية والتفسيرية في قالب محدود يؤدي إما إلى انحراف قسري تحت وطأة الحاجة إلى التغيير وتلبية متطلبات العصر، أو الى الموت السريري لبعض هذه المدارس، أو كلها، بعد أن تبتعد منابعها عن الواقع بعدا زمنيا طويلاً. ولا أريد أن أخوض في فاعلية وجدية المدارس والمعاهد والكليات والجامعات الإسلامية في مواجهة هذه الخصوصية القدرية لكل المدارس الفكرية، دينية كانت أو فلسفية أو غيرها، ولا أريد كذلك أن أفصّل الأسباب التي دفعت أغلب المدارس والمعاهد الدينية لتكون عونا للسلطة على الدين! على مر العصور المنصرمة منذ انتهاء عهد الراشدين وإلى يومنا هذا، فهذا أمر طويل يتطلب الكثير من الدراسة واستنفار المثقفين والمخلصين للدين والمجتمع من أجل مناقشة تفصيلاته بالكثير من الصراحة والشجاعة.

ويتطلب ذلك أيضا ألا ينأى علماء الشريعة بأنفسهم خارج إطار عملية اعادة التقييم الموضوعي لما سبق، وألا يكونوا في طرف المدافع على نحو شخصي تجعلهم خصما لعملية التحديث في الفروع فيساعدوا تلقائيا في الانحراف عن الأصول من حيث لا يعلمون. فعلماء الشريعة يمكن أن يكونوا عماد التطور في الفكر الديني الواقعي لو أرادوا. ولا أقصد هنا أبدا ما يسمون برجال الدين من كل المدارس والمذاهب الإسلامية فهؤلاء نتاج تطور عملية استخدام السياسة للدين في السيطرة على عقول الرعية ومقدراتهم. ولذلك لا نستغرب أبدا عندما نقرأ ونسمع أن بريطانيا العظمى وعاصمتها لندن كانت دائما مركزا لكل “رجال الدين” أو ممتهني الدين من السياسيين. فترى فيها مركزاً “للخوئي” ومركزا “للحكيم” ومركزا “للسيستاني”، كما ترى الذي يختلف معهم جميعا من أمثال ياسر الحبيب. وكانت لندن دائما ملجأ لكل الهاربين من أنظمة الدول العربية والمسلمة من التيارات الأصولية المتشددة من كل الطوائف الإسلامية.

 فترى المساجد في المدن البريطانية تتوزع بين التيارات السلفية المتشددة والصوفية المترهلة والشيرازية والإخوانية وغيرها كثير. كلهم تجمعهم مظلة واحدة لينطلقوا منها إلى بلدانهم الأصلية فتزيد الفرقة والتجهيل والهمجية. ولذلك لم نستغرب مطلقا عندما أفتى أحد مراجع الحوزة في النجف (السيستاني) بمهادنة المحتل الأميركي مخالفا لسلوك الحوزة ذاتها في عام 1913 عندما أفتت بمقاتلة المحتل الإنجليزي مخالفة مرجعية الجزيرة العربية (الحسين) الذي وقف مع المحتل البريطاني للتخلص من سلطة العثمانيين.

 ولم نستغرب كذلك من اتكاء المحتل الأميركي على الحزب الإسلامي (الجناح السياسي للإخوان المسلمين العراقيين، ومقرهم الأساس في لندن) ليمثلوا المحافظات التي انتفضت أول الأمر على الاحتلال من أجل أن يسحبوا البساط شرعيا وقانونيا من هذه المحافظات، وليكون الحزب الإسلامي ممثلا لهذه المحافظات أمام المحتل وعونا للاحتلال وكما فعل السيستاني ووكلاؤه.

 ولم نستغرب أن تضم التشكيلة العميلة الأولى التي شكلت العملية السياسية، مجموعة متناقضة من تيارات الإسلام السياسي مثل الصفوي الشيعي عبدالعزيز الحكيم والسلفي السني محمود المشهداني ومجموعة تمثل الحزب الاسلامي وأخرى تمثل حزب الدعوة (الفرع الشيعي للإخوان المسلمين)، وغيرهم من ممثلي الفروع الصغيرة في الإسلام السياسي الذي تبرعم بعد الاحتلال الأميركي للعراق. كل هؤلاء من مرجعيات دينية وأحزاب الإسلام السياسي وتشكيلات حزبية جديدة وميليشيات مسلحة لديهم هدف واحد هو نهب الثروة في العراق. كل هؤلاء وبوسائل غير متساوية من حيث التأثير حاولوا بكل ما أوتوا من قوة من أجل إجراء عملية استئصال الفكر الديني الصحيح (المعتدل) الذي كان سائدا في العراق وفي غيره قبل احتلاله.

تابعنا في فيسبوك

 وأعطيكم مثالاً بسيطاً يمكن تعميمه بسهولة على كل القوى آنفة الذكر وهو الحزب الإسلامي وسلوك أعضائه الذين تحمسوا كثيرا لطلبات الأحزاب الكردية العراقية في إقامة الفدرالية في العراق، وتحمسوا كثيرا مع متطلبات الأحزاب الصفوية إلى إصدار قانون “اجتثاث البعث” وحل الجيش والقوى الأمنية ظناً خبيثا منهم أنهم بموافقتهم على الفدرالية فإنهم سيحظون وبرعاية أميركية بقطعتهم من العراق فيما يسمونه بالأقليم السني المفترض، وبموافقتهم لسياسة اجتثاث البعث فإنهم سيحضون بأغلب الوظائف والمراكز التي سيخسرها البعثيون المشمولون بالاجتثاث لانهم وكما هم الآخرين من أبناء جلدتهم السياسية كذبوا الكذبة ثم صدقوها، وهي أن العراق كان قبل الاحتلال يقوده المكون السني وأن أغلب الوظائف المهمة كان يقوم بها أبناء ذلك المكون. ولكنهم اصطدموا بالواقع من جهة، وبنية حلفائهم اللدودين من جهة أخرى. إذ يقول الواقع أن العراق كان يقوده العراقيون الأكفاء من أي مذهب كانوا أو ملة. وأن حدث خلل هنا وهناك فانه يبقى استثناء. وتفاجأوا أيضا بنية حلفائهم من الصفويين في الاستحواذ بكل شيء واهمه الوظائف الشاغرة نتيجة تطبيق جريمة اجتثاث البعث. وهكذا انطبق المثل العراقي على الاخوان المسلمين “لا حضت برجيلها ولا خذت سيد علي”. فخسر الإخوان ما كان لديهم في الشارع من مؤيدين وأصبحوا بلا أية قاعدة شعبية. ولا زلت أذكر عندما أطاحت وزارة الخارجية بعدد مهم من الموظفين (أظن كانوا أكثر من ستين موظفا دبلوماسيا وإداريا) بعد ما يقرب من السنتين من الاحتلال، ولم يكونوا مشمولين بالاجتثاث، فسألت هوشيار زيباري الذي كان وزيرا للخارجية في وقتها، وكنت أنا قائما بأعمال سفارة جمهورية العراق في ماليزيا، عن أسباب إبعاد هؤلاء عن وزارة الخارجية، فقال إن ذلك بسبب شكوى أمين عام الحزب الإسلامي محسن عبد الحميد الذي طالب بأبعاد البعثيين من الخارجية واستبدالهم بأعضاء الحزب الإسلامي، لأنه وعلى حد قوله إن هؤلاء البعثيين في وزارة الخارجية يشغلون مواقع “السنة” في الوزارة. وأما الشاهد على أسباب مساندتهم للكرد في مطلب الفدرالية فهو مطالبتهم بما يسمى بالإقليم السني منذ اليوم الأول لتأسيس العملية السياسية الاستخبارية في العراق وإلى حاضرنا اليوم.

وعندما واجه هؤلاء المتطفلين في السياسة والدين رفضاً مجتمعياً عراقياً عاماً، تمثل في الصفحة الأولى من المقاومة العراقية البطلة، ثم صفحة التظاهرات والاحتجاجات التي بدأت مباشرة بعد خروج قوات الاحتلال من المدن العراقية في نهاية عام 2011 وتمركزها في معسكرات محددة في العراق، ثم صفحة الانتفاضة العارمة الكبيرة في عام 2014 التي انطلقت من محافظة الأنبار وصولا إلى نينوى ومرورا بصلاح الدين لتنتهي بمؤامرة أمريكية إيرانية بفتح الأبواب لتنظيم الدولة الإسلامية الإرهابي (داعش) ليستبيح الموصل ويفشل الانتفاضة وثورة عشائر العراق مقابل نص مليار دولار تركها لهم نوري المالكي في خزائن فرع البنك المركزي في الموصل، انتهى دور الحزب الإسلامي العراق بوصفه شريك في العملية السياسية، وهنا كان الجو ملائما لخروج براعم سياسية صغيرة تتقاسم الدور (السني) في العملية السياسية. ثم بدأت صفحة اجتثاث جديدة مارستها السلطة مدعومة بأحزاب الإسلام السياسي وكل الميليشيات بعد أن أفتى لهم السيستاني بتأسيس ميليشيا الحشد الشعبي لمقاتلة داعش، وكان هذا ظاهر الفتوى، أما باطنها فكان من أجل سرقة أموال العراقيين وثرواتهم من أجل تقاسمها مع إيران التي حاصرتها القوى الغربية بموجب قرارات مجلس الأمن إثر تطوير برنامجها النووي.

تابعنا في تويتر

 وعلى الرغم من الإحباط الشديد الذي أصاب أبناء المحافظات المنتفضة الخمسة (الأنبار وصلاح الدين والتأميم وديالى ونينوى) وتهجير أهلهم وتغييب شبابهم في السجون وهدم مدنهم إلا أن العراق رجع وانتفض وخرج مئات من الآلاف من الشباب في بغداد وبابل والنجف وكربلاء والقادسية والمثنى وواسط وذي قار وميسان والبصرة ليؤكدوا أن العراق جسد واحد، فكانت انتفاضة تشرين الخالدة التي واجهتها السلطة وأحزابها وميليشياتها بقسوة شديدة من أجل أن تثني الشباب عن هدفهم بتغيير النظام السياسي على نحو كامل وكان هذا مطلب الشباب النهائي. ولولا العوامل الداخلية التي تتمثل أهمها في وجود تيار مقتدى الذي تصرف بصبيانية وانتهازية كبيرة إذ كان يتظاهر على سلطة يخاف من إسقاطها لأنه كان له فيها ما لا يقل عن 20% من مسؤوليها ومفسديها، وكذلك تأثير عامل فقدان القيادة الموحدة للانتفاضة وعوامل أخرى حرفت “تشرين” عن وحدة الهدف في تغيير النظام السياسي.

وبعد أن عرف كل عرابي العملية السياسية وموظفي الاحتلالين الأمريكي والايراني أن الشعب العراقي لا سيما شبابه مصمم على تغيير العملية السياسية فقد عمد أصحاب الإسلام السياسي تدفعهم الدوائر الاستخبارية التي أتت بهم لحكم العراق إلى تشجيع انتشار الخرافة وتحويل الدين إلى مجموعة طقوس متخلفة، بعضها كان موجودا ولقرون خلت، وبعضه تم استحداثه من أجل حرف انتباه الشباب، بعد أن أشاعوا الإحباط فيهم، عن قضاياهم الرئيسة والمهمة إلى ترهات وممارسات وعادات تتخللها الكثير من انواع الموبقات. وقام كل وكيل مرجعية أو ما يسمى شيخ بتوظيف واحد أو أكثر من المهرجين (الرواديد وهي جمع رادود) ليقود الشباب إلى المجهول الوقتي.. ثم مناسبة بعد مناسبة يدخل الشباب في مجهول طويل نسبيا ومع ازدياد وانتشار المخدرات والموبقات، تصبح هذه العادات الجديدة وما يرافقها من موبقات وممارسات شاذة هي الحياة التي يعيشها الشاب العراقي المنخرط فيها، ويكون أداة سهلة وطيعة بيد ما تسمى بالمرجعيات ووكلائهم وشيوخ الدين السياسي فينفذوا مخططاتهم الخبيثة في السيطرة على مقدرات المجتمع وثرواته، ولا يبقى للشباب إلا ما يمارسونه بحرية من مختلف الأفعال المخالفة للقيم الدينية والقيم والمبادئ العامة التي تربى عليها المجتمع أجيال بعد أجيال. حتى تتحول هذه المجموعة الشاذة من الممارسات والطقوس إلى دين جديد للطبقة السياسية الحاكمة، ويكون المنهج الجديد للإسلام السياسي الذي يبيح كل شيء مقابل إبقاء السلطة عند ولي الأمر المحصن، والذي هو نائب المعصوم. وعندما فشل الإخوان المسلمون في تمثيل المكون “السني” والسيطرة على قراره السياسي، وكذلك فشل المنهج السلفي في اكتساح شارع المكون “السني” بعد إحداث (داعش)، عادت الصوفية السياسية بفعل فاعل خبيث ليعبث بالقيم الإسلامية ويحاول اكتساح الشارع “السني” فيستقيم الأمر من جديد إلى حركات الإسلام السياسي ويتقاسمون خيرات العراق فيما يُسحق شبابه وأطفاله وشيبه ورجاله وماجداته.

وأخيرا أؤكد أن عملية زرع القيم الشاذة الجديدة هذه ليست عفوية لا إرادية، أو أنها تطورت بطريقة طبيعية لتصل إلى حدود ما وصلت اليه، وإنما جاءت على وفق تخطيط خبيث لدوائر سياسية واستخباراتية عدوة للعراق والأمة. وطالما أن الحكومات المتعاقبة بعد الاحتلال دائما ما كانت جزء من المؤامرة على العراق وأهله فإنه يتوجب علينا جميعا أن نواجه هذا التطور الاجتماعي السياسي الجديد وبكل الوسائل المتاحة. علينا جميعا إسقاط الدين الجديد للعملية السياسية الأميركية الإيرانية في العراق من خلال إسقاط العملية السياسية بكاملها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى