بحوث ودراسات

روايات خالد حسيني: أنموذج لتطبيق أهداف “الشَّرق الأوسط الكبير” (10 من 12)

تبدُّل الأوضاع تحت حُكم طالبان: انتكاسة عن المسار الحضاري!

قهر الأفغانيَّات على يد طالبان- فيلم A Thousand Splendid Suns (2017م)

يمرُّ عام بعد ولادة عزيزة، ويستمرُّ الاقتتال بين المجاهدين البشتون والأقليَّات الأخرى، وحينها تتأمَّل ليلى في كيفيَّة تبدُّل الأحوال منذ بداية الحرب الأهليَّة عام 1992م، مسترجعةً ما قاله له أبوها ذات مرَّة، من أنَّها محظوظة لأنَّها وتعيش في ظلّ الحرّيَّات الَّتي منَحَها السُّوفييت للمرأة الأفغانيَّة منذ الغزو عام 1979م وحتَّى بداية الحرب الأهليَّة لأسباب طائفيَّة، ثمَّ صارت ويومها “شيئًا من الماضي” (صـ265):

منذ سيطرة المجاهدين في أبريل 1992م، تغيَّر اسم أفغانستان إمارة أفغانستان الإسلاميَّة. امتلأت المحكمة العليا برئاسة ربَّاني بالملالي المتشدّدين، الَّذين ألغوا القوانين الَّتي وضَعَها الشُّيوعيون، والَّتي شدَّت من عضد النّساء حينها، وبدلًا من ذلك وضعوا قوانين قائمة على الشَّريعة الإسلاميَّة الصَّارمة، الَّتي تأمر النّساء بارتداء الحجاب، وحرَّمت عليهنَّ السَّفر دون محرم، وتعاقب الزّنا بالرَّجم.

إجبار طالبان للأفغانيَّات على الخروج بالبرقع- فيلم A Thousand Splendid Suns (2017م)

ينتقد خالد حسيني، على لسان ليلى، تطبيق “الشَّريعة الإسلاميَّة الصَّارمة”، متأسّفًا على إلغاء القوانين الَّتي وضَعها السُّوفييت الشُّيوعيون، والمفترَض أنَّها كانت تمنح المرأة الأفغانيَّة الحريَّة، وليس أنَّها كانت ترمي إلى تطبيق نظام حُكم ليبرالي يُرضي القوى الاستعماريَّة عن الشُّعوب المسلمة ويقي تلك القوى تهديد الصَّحوة الإسلاميَّة. يُقارن حسيني بين أوضاع المرأة قبل وصول طالبان للحُكم وبعده؛ لإبراز إلى أيّ مدى فقدت المرأة الأفغانيَّة فرص إثبات ذاتها في ظلّ الحُكم الإسلامي، كما أراد أن ينقل للقارئ الغربي. بالعودة إلى ليلى وتأمُّلها في الأوضاع الرَّاهنة، تفكّر الشَّابَّة الأفغانيَّة في الهروب إلى باكستان، لكنَّها تتذكَّر أنَّها أغلقت الحدود مع أفغانستان بعد تزايُد عدد اللاجئين الأفغان هناك.

غير أنَّ ليلى تقرّر اصطحاب مريم وعزيزة للهرب من بيت رشيد، وتطلب من المسؤول التَّابع لطالبان السَّماح لها، لكن دون جدوى، وبرغم توسُّلاتها وخوفها من مصيرها ومريم إذا عادتا إلى رشيد متحجّر القلب؛ بسبب حرْص الحركة المسلَّحة على “الحفاظ على النّظام”، لتُصدم ليلى من ذلك الرَّدّ الَّذي يتنافى مع طبيعة ممارسات الحركة (صـ272):

على الرَّغم من حالتها المضطربة، كادت ليلى أن تضحك. أفقَدها ذلك صوابها، يجب عليه أن يستخدم تلك الكلمات في وجْه كلّ تلك الجماعات من المجاهدين لكلّ ما ارتكبوه-القتل، والنَّهب، والاغتصاب، والتَّعذيب، والإعدامات، والانفجارات، عشرات الآلاف من الصَّواريخ الَّتي أُطلقت على بعضهم البعض، غير مبالين بالأبرياء الَّذين يُقتلون لوجودهم على خطّ النَّار.

تضطرُّ ليلى ومريم إلى العودة إلى بيت رشيد، بعد فشلهما في الهروب، وتواجه ليلى رشيد بأنَّها صاحبة الفكرة، وأنَّها أقنعت مريم على غير رغبة منها؛ وحينها يصبُّ رشيد جمَّ غضبه على ليلى، ومن بعدها مريم، في نموذج للعنف ضدَّ المرأة أراد حسيني طرْحه وادّعاء انتشاره في الدُّول المسلمة (صـ273-274):

لم ترَ ليلى اللكمة آتية، في لحظة كانت تتكلَّم، وفي الأخرى كانت على أطرافها الأربع، بعينين على وسعيهما ووجْه أحمر، محاولةً أن تسحب نفسها، كانت كأنَّما صُدمت بسيَّارة بأقصى سرعتها…بدأت تُجرُّ من شعرها…انتُزع شعر من فروة رأس ليلى، ودمعت عيناها من الألم، رأت قدمه تركل باب غرفة مريم، رأت عزيزة تُلقى على السَّرير، تُرك شعر ليلى، أحسَّت بمقدّمة حذائه تلامس ردفها الأيسر. صرخت من الألم عندما طبق الباب بعنف…كانت هناك دماء على يده، وعلى وجْه مريم، وعلى شعرها، وعلى أسفل عنقها، ومن الخلف. كان قميصها ممزَّقًا من الأمام.

لكيلا تتكرَّر محاولة الهروب، أحكم رشيد إغلاق البيت من الدَّاخل والخارج، ولم يدع حتَّى النَّوافذ مفتوحة، ثمَّ يمنع الماء والطَّعام عن ليلى ومريم لعدَّة أيَّام. وتتزامن فترة الحبس المنزلي المفروض على زوجتي رشيد مع التَّقدُّم الميداني لقوَّات طالبان، ليأتي شهر أبريل من عام 1996م وقد سيطرت الحركة السُّنّيَّة على كافَّة أنحاء أفغانستان، وبويع الملَّا محمَّد عُمر من قِبل 1500 من العلماء ولُقّب بأمير المؤمنين. ومن المفارقات أنَّ رشيد الإسكافي، المنحدر من طائفة البشتون، يعترف بعدم أهليَّة طالبان للحُكم، لكنَّه يرى أنَّ صلاح قادتها كفيلٌ بإعادة الأمن (صـ280):

قد لا يعرفون (عناصر طالبان) شيئًا عن هذا العالم أو أن هذه البلاد، صحيح. وبالمقارنة معهم قد تكون مريم هنا أستاذة جامعيَّة…ولكن انظري حولك، ماذا ترين؟ فساد وجشَع قادة المجاهدين، هم مسلَّحون إلى أقصى الحدود…يعلنون الجهاد، كلُّ واحد على الآخر ويقتلون كلَّ شخص يقف بينهما…على الأقلّ الطَّالبان أنقياء وغير قابلين للفساد، على الأقلّ هم أبناء مسلمين محترمين. والله عندما يأتون سينظّفون هذا المكان. سيجلبون السَّلام والنّظام، لن يُقتل أحدٌ بعد الآن…لا مزيد من الصَّواريخ…

يفرض عناصر طالبان نظامًا صارمًا في الحُكم، يحرّم كافَّة أشكال التَّرفيه، من غناء ورقص ولعب للشَّطرنج أو الأوراق ومشاهدة الأفلام. مُنعت النّساء من الخروج إلى الشَّوارع إلَّا للضَّرورة، وبمرافقة رجل من الأقارب، ويلزم تغطية الوجه بالبرقع، وإلَّا تعرَّضت المرأة للجلد. حُظر على المرأة استخدام مساحيق التَّجميل، وطلاء الأظافر، والنَّظر إلى الرّجال الغرباء، والخروج للتعلُّم أو العمل. أُغلقت مدارس الفتيات، كما أُغلقت الجامعات، وأُجبر الرّجال على أداء الصَّلوات في المسجد، وحُطّمت التَّماثيل، ومُزّقت الصُّور إلَّا الَّتي تحتوي على آيات قرآنيَّة. وفي خضمّ تلك الأحداث، تحتاج ليلى إلى جراحة قيصريَّة لتضع مولودها الثَّاني، وهو ابنها من رشيد، الَّذي لا يجد مشفى تضعُ فيه زوجته بعد أن أغلقت حركة طالبان العديد من المشافي وسرَّحت الطَّبيبات والممرّضات. تأتي طبيبة وممرّضة منتقبتان لمساعدة ليلى، الَّتي تضع ولدها، زلماي، بعد تجربة شديدة القسوة.

ويقصد حسيني بتلك الواقعة إظهار مدى احتياج المجتمع إلى عمل المرأة، وفداحة خطأ طالبان عندما منعت النّساء من الخروج للعمل. يتعلَّق رشيد بالولد كثيرًا، ويضرب زوجتيه إذا أهملتاه؛ أمَّا الولد، فهو يرث عنه أبيه غلاظة الطَّبع وإيذاء نساء البيت. لا يعامل رشيد، ابن السَّبعين حينها، الولد بالقسوة الَّتي كان يعامل بها النّساء، حيث “كان صبره على زلماي كبئر عميق لا يجفُّ” (صـ299).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى