مقالات

“ذكرى الإسراء” ما بين النكبة وطوفان الأقصى

د. عز الدين الكومي

كاتب مصري
عرض مقالات الكاتب


تعتبر رحلة الإسراء والمعراج من المحطات المهمة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ، فقد حاول النبي صلى الله عليه وسلم دعوة أهل مكة ولكن قريش ظنت في البداية أن دعوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم مثل دعوة بعض الذين رفضوا عبادة الأصنام من أمثال زيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل ، ولكن حين تبين أن دعوة النبى محمد صلى الله عليه وسلم تختلف عن دعوة هؤلاء .. استخدمت شتى وسائل الترغيب والترهيب لصد أتباعها عن هذا الطريق لما رأت فيه من تهديد لمصالحها الاقتصادية ، وأن هذه الدعوة تقف أمام رغباتهم وشهواتهم .


فبدأ صلى الله عليه وسلم يبحث عن أرض جديدة للدعوة فكانت الطائف لوجود قبيلة ثقيف بها ، ولكن عندما ذهب إلى هناك لم يجد منهم إلا قسوة وغلظة ، فقد ردُّوه رداً سيئا، وسلطوا عليه العبيد والسفهاء والصبيان يرجمونه بالحجارة حتى أدموا قدميه الشريفتين -صلى الله عليه وسلم- .


وكان مولاه زيد بن حارثة يحاول تلقى الحجارة عنه حتى شج رأسه رضي الله عنه .
عاد صلى الله عليه وسلم من الطائف حزيناً حيث كان يطمع أن يجد متنفساً لدعوته ، فناجى ربه لطلب العون والنصرة، فبعث الله إليه ملك الجبال يقول له يا محمد : إن شئت أطبق عليهم الجبلين، ولكنه -صلى الله عليه وسلم-أبى ذلك، وقال : “إني لأرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئاً، اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون” .
إضافة لما حدث من إيذاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد رحلة الطائف فقد مات عمه أبوطالب الذي كان يدافع عنه ويحميه من قريش ، وكذلك ماتت زوجته الوفية أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها والتي كانت نعم السند والعون له .


بعد هذا كله كانت رحلة الإسراء والمعراج تسرية عن النبي صلى الله عليه وسلم وتسلية له ، وكذلك تهيئة له صلى الله عليه وسلم للمرحلة القادمة مرحلة ما بعد الهجرة ، فستكون مواجهات مع قريش وفارس والروم واليهود ، فلا بد من تهيئة لهذه المرحلة ، لذلك كانت رحلة الإسراء والمعراج ليرى من آيات ربه الكبرى كما قال تعالى: “سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير”الإسراء: 1.
فأراه من آياته في الأرض ومن آياته في السماء ليستعد للمرحلة القادمة . ولأهمية الصلاة وعلو شأنها فقد فرضها الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم أثناء معراجه .


فالصلاة إذن يجب أن تكون معراج المسلم إلى الله تبارك وتعالى.
وقد كان الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ولم يعرج بالرسول-صلى الله عليه وسلم)- من المسجد الحرام إلى السموات العلا مباشرة ، ومن هنا يمكننا القول بأن المرور ببيت المقدس ومن ثم العروج منه إلى السماء كان مهماً لإعلان أن قيادة البشرية قد انتقلت إلى الأمة المحمدية ، وللربط بين المسجدين – المسجد الأقصى والمسجد الحرام –
ولبيان أهمية المسجد الأقصى .


لذلك يجب عدم التفريط في المسجد الأقصى والحفاظ عليه من قبل كل المسلمين لأنه ملك لجميع المسلمين وليس ملكاً للفلسطينيين وحدهم .
ولعل أهل فلسطين هم الفئة المؤمنة التي عناها النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه عنه أبو أمامة الباهلي رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: “لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لعدوهم قاهرين، لا يضرهم من جابههم إلا ما أصابهم من لأواء، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك، قالوا يا رسول الله وأين هم؟ قال ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس” .


وتأتى ذكرى الإسراء والمعراج هذا العام في رحاب معركة طوفان الأقصى، حيث انتصار المقاومة الفلسطينية على جيش الاحتلال الصهيوني، الذي طالما زعم بأنه الجيش الذي لا يقهر، وأثبتت المقاومة أن اليهود لم يحتلوا فلسطين بقوتهم، فهم أذل من ذلك بكثير، وإنما احتلوها بمعاصينا، وخيانتنا وتواطئنا ، فسلطهم الله علينا .
فقد ورد عن الفضيل بن عياض أنه قال: “أوحى الله إلى بعض الأنبياء:” إذا عصاني من يعرفني سلطت عليه من لايعرفني”.. الجواب الكافي31، “.


فقد أفشلت المقاومة مخططات التطبيع العربية، فضلاً عن إفشال المؤامرة الكبرى المعروفة ب”صفقة القرن” فقد كشفت معركة طوفان الأقصى المستور، وعرَّت العدو وحلفاءه، وأسقطت أقنعة الديمقراطية الزائفة، وكشفت مدّعي الدفاع عن حقوق الإنسان وحقوق الطفل والمرأة ، وأحيت القضية الفلسطينية من جديد بعدما كانت المؤامرات تدور لإنهائها.


لكن قيام ثلة من الشباب الذين تربوا على موائد القرآن والسنة النبوية المطهرة، جعلت أحرار العالم يؤيدون القضية الفلسطينية، ويخرجون منذ أربعة أشهر في البرد القارس لمناصرة أهل غزة ورفض العدوان على الأطفال والنساء.
كما أن صمود أهل غزة وما قاموا به من ملاحم قهرت “الجيش الذي لا يقهر”وجعلته يعيش في ضبابية وحماقة وهزيمة نفسية وأزمات سياسية لاتكاد تنتهي .


وكان لرفض أهل غزة خيار التهجير، الذي طرحه الاحتلال وأيدته قوى الشر العالمية، لتعيد للإذهان النكبة الكبرى، بعد هزيمة الجيوش العربية 1948، لكن هيهات ، وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [يوسف: 21].

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى