بحوث ودراسات

روايات خالد حسيني: أنموذج لتطبيق أهداف “الشَّرق الأوسط الكبير” (9 من 12)

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن

أكاديمي مصري.
عرض مقالات الكاتب

تتمنَّى ليلى الالتحاق بالجامعة، وثمَّ بدء مسيرة مهنيَّة تحقّق من خلالها ذاتها، لكنَّها تتفاجأ بميل بعض زميلاتها في الصَّفّ من الطفلات في عُمرها يفكّرن في الزَّواج، حيث تخبرها زميلة لها أنَّها ستتزوَّج من قريب لها يكبرها بـ 20 عامًا. فقدت ليلى شقيقيها، أحمد ونور، قبل سنوات لمَّا التحقا بقوَّات الزَّعيم الأفغاني الطَّاجيكي، أحمد شاه مسعود، شمالي بنجشير، لمواجهة القوَّات السُّوفييتيَّة، صارت الطّفلة وحيدة أبويها بعد رحيلهما. تتطوَّر علاقة ليلى برفيقها طارق المنحدر من طائفة البشتون، والَّذي يفقد إحدى ساقيه بعد انزلاقه إلى حقل للألغام في الخامسة من عُمره، برغم التَّوتُّرات السّياسيَّة بين طائفته وطائفة الطَّاجيك الَّتي تنتمي إليها ليلى؛ وكأنَّما يريد حسيني التَّأكيد على أنَّ العلاقات العاطفيَّة أسمى من النّزاعات العنصريَّة وأقوى من الفُرقة. ويُلاحَظ أنَّ حكيم، والد ليلى، يتمتَّع بقدر كبير من التَّفتُّح الذّهني ويؤيّد التَّحرُّريَّة، حيث كان يرى أنَّ الجانب الإيجابي في الغزو السُّوفييتي لبلاده هو سنّ الغزاة قوانين تدعو إلى خروج النّساء للتَّعلُّم والعمل، وإلى حظْر زواج القاصرات. يذكر حكيم لليلى أنَّ من حُسن حظّها أنَّها تعيش في تلك الفترة، معتبرًا أنَّ “حريَّة المرأة…أحد الأسباب الَّتي جعلت النَّاس يرفعون السّلاح في الخارج”، وتتأمَّل ليلى كلام والدها (صـ146):

لم يقصد بـ “الخارج” كابول، الَّتي كانت دائمًا متحرّرة ومتقدّمة نسبيًّا، هنا في كابول تتعلَّم النّساء في الجامعة، وتذهبن إلى المدارس، وتعملن في مكاتب حكوميَّة. لا، لقد قصَد بكلامه المناطق العشائريَّة، خاصَّةً أقاليم البشتون في الشَّمال أو الشَّرق قُرب الحدود الباكستانيَّة، حيث النّساء نادرًا ما يرين الشَّارع، وإذا ظهرن يرتدين البرقع وبرفقة الرّجال. لقد قصَد تلك الأقاليم حيث يعيش الرّجال بأحكام العشيرة القديمة، الَّتي ثارت ضدَّ الشُّيوعيين (السُّوفييت) وقوانينهم لتحرير المرأة، وإلغاء زواج القاصرات بالقوَّة، ليرفعوا الحدَّ الأدنى لسنّ الزَّواج إلى سنّ السَّادسة عشرة للفتيات…

بعد سقوط شقيقي ليلى ضحيَّةً للعدوان السُّوفييتي، يفكّر والدها في الرَّحيل من أفغانستان، إلى باكستان، ومنها يطلب اللجوء السّياسي للولايات المتَّحدة، الَّتي يتحدَّث عنها بإيجابيَّة، قائلًا “النَّاس في أمريكا كرماء، يساعدون الغريب بالمال والطَّعام لفترة حتَّى يقف على قدميه” (صـ160). يريد حسيني بذلك الموقف القول إنَّ بينما كان الاتّحاد السُّوفييتي يقتّل الأفغان ويشرّدهم، كانت أمريكا تفتح أبوابها لضحايا العدوان السُّوفييتي وتأويهم. يخطّط حكيم لفتْح مطعم للمأكولات الأفغانيَّة، بينما تتابع ليلى دراستها حتَّى تلتحق بمهنة مشرّفة، وكأنَّما أصبحت أمريكا الملاذ الأخير للعائلة المكلومة. يخبر حكيم ابنته في أبريل 1988م أنَّ معاهدة أُبرمت في مدينة جنيف السّويسريَّة، تنصُّ على انسحاب السُّوفييت من أفغانستان خلال تسعة أشهر، لكنَّ ذلك لم يكن إلَّا ذرٌ للرَّماد بالعيون؛ لأنَّ الرَّئيس الأفغاني محمد نجيب الله (1987-1992م) “لعبة السُّوفييت”، والحرب ستستمرّ، كما يستنتج حكيم (صـ162). غير أنَّ السُّوفييت انسحبوا بالفعل، ولكن بعد أن أفضت سنوات العدوان إلى فوضى عارمة، أفضت بدورها إلى حرب أهليَّة. تنامى خلال تلك الفترة نفوذ حركة طالبان، الَّتي بدأت الزَّحف إلى شتَّى أنحاء أفغانستان لإخضاعها لسُلطانها. يُجبر نجيب الله، عميل السُّوفييت، على التَّنحّي نهاية عام 1992م ويوضع رهن الاعتقال، في الوقت الَّذي صار فيه عُمر ليلى 14 عامًا، وبلغ طارق 16 عامًا ونمت قدمه ليطلب قدمًا اصطناعيَّة أخرى من الصَّليب الأحمر. تكتشف ليلى أنَّها ترتبط بطارق عاطفيًّا، وتحذّرها أمُّها من نظرات النَّاس وحديثهم (صـ171):

أوقات البراءة والتَّسكُّع في الشَّوارع مع طارق قد ولَّت. منذ بعض الوقت، بدأت ليلى تشعر بغرابة من نوع جديد، خصوصًا عندما تكون مع طارق في العلن. أصبحت تحتاط من أنَّ النَّاس تنظر، وتفحص، وتهمس حول الأمر الَّذي لم تشعر به ليلى من قَبل، أبدًا. ولم تكن تشعر به لولا حقيقة أساسيَّة: أنَّها قد وقعت في حبّ طارق. دون أمل، وبشكل ميؤوس منه.

-الصّراع الطَّائفي يشعل الحرب الأهليَّة

تتطوَّر الأحداث في الشَّارع الأفغاني في أعقاب الانسحاب السُّوفييتي، حيث تشتعل الحرب الأهليَّة عام 1992م، وتستمرُّ حتَّى 1996م، ويدور الصّراع بين البشتون السُّنَّة من ناحية والأقليَّات الشّيعيَّة، من الطَّاجيك والهزارة. ويتعمَّد حسيني إظهار البشتون، طائفة طالبان، بأنَّها كانت تبدأ بالعدوان، وتجبر الطَّرف الآخر على الرّد الانتقامي (صـ184):

ميليشيات البشتون كانوا يهاجمون بيوت الهزارة، يقتحمونها ويقتلون عائلات بأكملها، والهزارة ينتقمون باختطاف المدنيين البشتون، وباغتصاب فتياتهم، وقصْف أحيائهم، والقتل دون تمييز. كلَّ يوم، تُكتشَف جثَّة مقيَّدة إلى الأشجار، أحيانًا تكون متفحّمة لدرجة أنَّه لا يمكن التَّعرُّف عليها، غالبًا يكون الرَّصاص قد أُطلق على رؤوسهم، عيونهم مفتوحة، وألسنتهم مقطوعة.

اندلاع الحرب الأهليَّة في أفغانستان- فيلم A Thousand Splendid Suns (2017م)

بسبب العنف الطَّائفين وشيوع الفوضى في الشَّوارع، يُخرج حكيم ليلى من المدرسة ويتولَّى بنفسه مهمَّة تعليمها، مكرّرًا حديثه عن ضرورة مغادرة أفغانستان. تُقرّر أسرة طارق السُّنّيَّة اللجوء إلى إيران، وتتكرَّر حالات القتل بسبب القصف العشوائي، وحينها يفاتح طارق ليلى في أمر زواجهما، لكنَّها ترفض، متعلّلة بعدم قدرتها على ترْك والديها في تلك الظُّروف. يقرّر حكيم، والد ليلى، في الرَّحيل عن كابول، وبالفعل تبدأ الأسرة في جمْع الأغراض، لكنَّ القدر لا يمهل حكيم وزوجته للخروج من المدينة، حيث يصيب صاروخ المنزل، ويروح الزَّوجان ضحيَّةً للقصف العشوائي، بينما ينجح الإسكافي رشيد، زوج مريم وجار أسرة حكيم، في إنقاذ حياة ليلى، الَّتي تبقى وحيدة بعد رحيل كامل أفراد أسرتها وسفر طارق مع أسرته. يصل إلى أسماع ليلى أنَّ طارق أصيب في القصف هو الآخر، ليفقد قدمه الأخرى، ويتعرَّض للحرق، فتعتقد ليلى حينها أنَّه مات، بعد أن صار جنينها منه يتحرَّك في أحشائها. يرفض رشيد استمرار بقاء ليلى، ابنة الرَّابعة عشرة من العمر، في منزله على الوضع الَّذي كانت عليه، مقترحًا، وقد تجاوَز السّتّين، أن يكون بقاؤها على أساس زواجه منها، برغم فارق العُمر الكبير بينهما، حيث يقول لمريم الَّتي تعارض الفكرة (صـ220):

لا تستطيع أن تبقى ببساطة، إذا كان هذا ما تقترحينه، لا أستطيع أن أستمرَّ في إطعامها وكسوتها وإعطائها مكانًا تنام فيه. لستُ الصَّليب الأحمر يا مريم…إنَّها شابَّة بما يكفي…إنَّها في الرَّابعة عشرة من عمرها. بالكاد طفلة، لقد كنتِ في الخامسة عشرة من عُمرك، تذكرين؟ كان عُمر أُمّي أربعة عشر عامًا عندما ولدتني، وثلاثة عشر عامًا عندما تزوَّجت.

هكذا، أصبح مصير ليلى نفس مصير مريم: الزَّواج في سنّ مبكر من رجل صعب المراس والبقاء بالبيت لخدمته. تفقد ليلى شقيقيها بسبب العدوان السُّوفييتي، ثمَّ أبويها بسبب الحرب الأهليَّة؛ وتصطدم طموحاتها لتحقيق ذاتها بعد إكمال تعليمها على صخرة الواقع المرير في أفغانستان في فترة الفوضى والنّزاع الطَّائفي. تقبل ليلى الزَّواج من رشيد بعد أن تظنَّ أنَّ طارق قد فارَق الحياة؛ ليس إلَّا لإيجاد أبٍ لجنينها كي لا يُعايَر بكلمة “ابن حرام”، مثل مريم الَّتي يناديها رشيد هكذا، حتَّى بعد أن تجاوزت الثَّلاثين، وبعد 18 عامًا من الزَّواج. يجعل رشيد من مريم خادمة لزوجته الجديدة، ولا يمكن لمريم الاعتراض أو المقاومة، لكنَّ ليلى لا تسيء معاملتها، وتنشأ بين المرأتين صداقة في مواجهة قسوة رشيد وصلابة رأيه. تضع ليلى مولودها الأوَّل، أنثى تسمّيها عزيزة، ويعتقد رشيد أنَّها ابنته ويمنحها اسمه، وتُدخل الطّفلة السُّرور إلى المنزل، بعد سنين من انتظار مريم لمولود لها بعد فقدانها حملها من رشيد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى