بحوث ودراسات

روايات خالد حسيني: أنموذج لتطبيق أهداف “الشَّرق الأوسط الكبير” (8 من 12)

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن

أكاديمي مصري.
عرض مقالات الكاتب

8في استكمال لما بدأه في عدَّاء الطَّائرة الورقيَّة (2003م)، عن استمتاع الأطفال الأفغان بالمشاركة في مسابقة العدْو بالطَّائرات الورقيَّة في الشّتاء كلَّ عام، يواصل خاد حسيني (2007م) رسْم الصُّورة الرُّومانسيَّة الحالمة لأفغانستان قبل الغزو السُّوفييتي عام 1978م، وقبل تقلُّد حركة طالبان الحُكم عام 1996م، من خلال وصْف حياة جيل الأطفال في تلك الفترة من استمتاع باللهو في الطُّرقات، ومشاهدة للأفلام الكرتونيَّة في دور العرض الَّتي كانت متاحة حينها، قبل أن تحظرها طالبان، وهو ذاته الجيل الَّذي عاش مآسي استبداد طالبان لمَّا كبُر. تُقدم نانا على الانتحار بعد أن تتركها مريم لزيارة أبيها، ظنًّا منها أنَّها لم تعود، وتُدفن في زاوية من مدفن القرية، ويقيم عليها الملَّا فيض الله صلاة الجنازة، في إشارة إلى رفْق الشَّيخ الصُّوفي وسماحته في التَّعامل مع حالة الانتحار، المفترَض أنَّها لا تُقام عليها صلاة جنازة، حيث ورد في صحيح مُسلم (978)، عن جابر بن سمرة، “أُتِيَ النبيُّ ﷺ برَجُلٍ قَتَلَ نَفْسَهُ بمَشَاقِصَ، فَلَمْ يُصَلِّ عليه”، كما جاء في صحيح ابن ماجه (1246) ” أنَّ رجلًا مِن أصحابِ النَّبيِّ ﷺ جُرِحَ ، فآذتهُ الجِراحةُ ، فدَبَّ إلى مَشاقصَ ، فذبحَ بِها نفسَهُ فلم يُصلِّ عليهِ النَّبيُّ ﷺ قالَ: وَكانَ ذلِكَ منهُ أَدبًا”.

تنتقل مريم إلى العيش في بيت جليل، حيث تعاني من العزلة والنَّبذ، ثمَّ تفاجأ بمؤامرة من زوجات أبيها لتزويجها، وهي في عُمر 15 سنة، برجل يكبرها بما بين 25 و30 سنة، بحجَّة أنَّ هناك “بنات في عُمر التّسع سنوات يتزوَّجن برجال أكبر عشرين سنة” من الإسكافي رشيد، الَّذي فقَد زوجته الأولى قبل 19 عامًا، أي قبل ميلاد مريم حتَّى، ومن بعدها فقَد ابنه الَّذي مات غريقًا (صـ59). لا تجد مريم ردًّا على ذلك، وهو تعلم أنَّ أختيها من أبيها تذهبان إلى المدرسة وتنويان الالتحاق بالجامعة، وأنَّ فرْض الزَّواج المبكر عليها هو للتَّخلُّص منها، باعتبارها “عبئًا” على الأسرة. تضطرُّ مريم للزَّواج من رشيد، وتنتقل للعيش معه، برغم فارق العُمر ما بدا عليه من أوَّل لحظة من سوء الطَّبع. ويفرض رشيد على مريم تغطية وجهها بالبرقع، الَّذي لم تعتد على ارتدائه من قَبل، في إشارة إلى تقييد حريَّتها وسجْنها خلف ستار يخفي وجهها (صـ83):

لم تلبس مريم البرقع من قَبل. ساعدها رشيد لتضعه عليها. كانت قطع الرَّأس المبطَّنة مشدودة وثقيلة على جمجمتها. وجَدَتْ أنَّه من الغريب أن ترى العالم من خلال ستار ذي ثقوب. تردَّب قليلًا على المشي في غرفتها وهي ترتدي البرقع، وطأت طرف الثَّوب وتعثَّرت مرارًا…لقد كان فقدان الرُّؤية، إلَّا من زاوية واحدة، يثير أعصابها. ولم تحب القطعة المطويَّة الَّتي تضعها على فمها وتجعلها تختنق.

 قال رشيد: “ستعتادين عليه مع الوقت، وأراهِن أنَّك ستحبّينه حتَّى”.

إجبار مريم على ارتداء البرقع- فيلم A Thousand Splendid Suns (2017م)

تلاحظ مريم أنَّ النّساء في الأحياء الغنيَّة في كابول، على عكس ما عليه حال نساء الأحياء الفقيرة الَّتي تعيش في إحداها مع رشيد، يخرجن دون حجاب، ويرتدين ملابس مكشوفة. يشير حسيني إلى تلك الفئة من النّساء بـ “نساء عصريَّات أفغانيَّات”، في تأييد منه لسفور المرأة وترْكها السّتر الَّذي يأمرها الإسلام به، على اعتبار أنَّ خروج المرأة إلى الحياة العامَّة بلا حجاب من صور التَّحضُّر ومواكبة إيقاع العصر الحديث، على النَّقيض من مريم، الَّتي تمثّل نموذجًا للمرأة الملتزمة بالزّيّ والتَّقاليد الإسلاميَّة ولا تخرج للعمل والدّراسة، وإن كان الإسلام يحرّم عمل المرأة أو دراستها. تراقب مريم السَّافرات، وكأنَّما تتوق لحياتهنَّ وتتأسَّف على حالتها، باضطرارها إلى المكوث بالبيت وارتداء النّقاب عند الخروج (صـ85-86):

كانت النّساء أكثر مَن جذَب انتباه مريم، فالنّساء في هذا القسم من كابول من نوع مختلف من النّساء في القسم الفقير، مثل المكان الَّذي تعيش فيه مع رشيد، حيث كثير من النّساء تتغطين بالكامل، تلك النّسوة كنَّ…نساء عصريَّات أفغانيَّات، متزوّجات من رجال أفغان عصريين، لا يمانعون أن تمشي زوجاتهم بين الغرباء، وأن يضعن المساحيق على وجوههن، حاسرات الرَّأس، راقبتهنَّ مريم وهنَّ يتجوَّلن بحريَّة في الشَّارع، بعض الأحيان مع رجل، وأحيانًا وحيدات، وأحيانًا مع أولاد…كانت تلك النّساء يحملن حقائب، ويرتدين تنانير قصيرة، أظافرهنَّ طويلة مطليَّة بالزَّهري أو البرتقالي، شفاههنَّ حمراء مثل زهور التُّوليب، يمشين بسرعة بكعوب عالية، كما لو أنَّهنَّ في عجلة من أمرهنَّ لعمل طارئ، يرتدين نظَّارات سوداء وعندما يهبُّ النَّسيم تلتقط مريم رائحة عطورهنَّ، حتَّى أنَّ مريم شاهدت إحداهنَّ تدخّن خلف مقود السَّيَّارة، تخيَّلت أنَّ كلَّ تلك النّسوة لديهنَّ إجازات جامعيَّة، ويعملن في شركات خلف مكاتب خاصَّة بهنَّ، حيث يطبعن ويدخّنَّ ويجرين مكالمات هامَّة مع أشخاص هامّين…

يتعمَّد حسيني إلحاق صفة النّفاق برشيد، زوج مريم السُّنّي، الَّذي، وبرغم إصراره على فرْض النّقاب عليها، لا يلتزم بالشَّعائر والفروض الإسلاميَّة، بما فيها صيام كامل أيَّام شهر رمضان، والَّذي يشاهد مجلَّات إباحيَّة، كما تكشف مريم بالصُّدفة، ولا يمكنها أن تتحدَّث معه في الأمر، لكنَّها تلتمس له العذر بأنَّه عاش بلا زواج لسنوات (صـ93). تحمل مريم بطفل، ويتمنَّى رشيد أن يكون ولدًا، ويقرّر تسميته زلماي، لكنَّها تفقد الحمل قبل ولادة الطّفل.

-حريَّة المرأة الأفغانيَّة قبل أحكام الشَّرع!

تنتقل بؤرة التَّركيز إلى شخصيَّة ليلى، الَّتي تضعها أمُّها، فاريبا، وهي جارة لمريم ورشيد، عام 1978م، ثمَّ تمرُّ سنون لتصير طفلة في التَّاسعة، تنشأ بينها وبين صبي يُدعى طارق، يكبرها بعامين فقط، علاقة ودّ وتفاهُم. يلقي حسيني الضَّوء على بداية الغزو السُّوفييتي لأفغانستان، مشيرًا إلى موقف أمريكا الإيجابي في نظره، بدعمها للقتال في مواجهة الرُّوس ودفْعها الدُّول الإسلاميَّة الأخرى لدعْم المجاهدين الأفغان المحاربين للقوَّات السُّوفييتيَّة؛ وكأنَّما كان الدَّعم الأمريكي لنُصرة الأفغان، وليس لإنهاك الرُّوس إيذانًا بإسقاط الاتّحاد السُّوفييتي، كما حدث بعد هزيمته في أفغانستان (صـ124-125):

الرَّئيس الأمريكي ريغان بدأ بشحن قذائف صاروخيَّة إلى المجاهدين ليُسقطوا المروحيَّات السُّوفييتيَّة، الآن المسلمون، ومن أغلب بلدان العالم، ينضمُّون إلى قضيَّة أفغانستان: المصريون، الباكستانيون، حتَّى السَّعوديون الأغنياء الَّذين تركوا الملايين خلفهم وأتوا ليجاهدوا في أفغانستان.

دمار أفغانستان نتيجة للغزو السُوفييتي- فيلم A Thousand Splendid Suns (2017م)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى