ثقافة وأدب

“رهـان الغيـم”

الكاتب: أيمن ناصر

روائي وفنان تشكيلي سوري

عرض مقالات الكاتب

بعد نزوله من الحافلة. انزلق سامي يتخبط في شوارع المدينة يسفح أسرار قهره رماداً على أرصفتها. قفزت بخياله بضع سنين إلى الوراء مذ تركها مكبل الروح واليدين. عقربُ الساعاتِ كان يزحفُ قريباً من وحل الثانيةِ بعد منتصفِ النهار.

والشمسُ تقذفُ من شرفاتِ سعيرها عصافيرَ من نارٍ تنقُر الوجوهَ وتشعلُ أديمَ الأرض. تنفّس ملءَ رئتيه هواءً حاراً رغم نسيماتٍ لطيفة ترخّ نداها بين الحين والآخر. انسـربتْ قطراتُ عرقٍ فوق جبينه شرّدها بظاهر كفه. تـَنغِلُ جَسَدَهُ حُمّى عذاباتِ السجن الخارجِ لتوّه من أسواره.. حزنٌ بطيءٌ كان يمتصّه. يلوكه وحش الندامة لهشاشة جسده المريض الذي ما تحمّل عذابات السجن فدفعه إلى مستنقع الاعتراف والخروج.


استوقفه طفل يحمل كومة جرائد، أغرقه بنظراته. زقزق ملتصقاً به: تشرين، الثورة. لم يلتفت سامي إليه. ألحّ الصبي ثانية. وضع صحيفة في كفه وضغطها بإلحاحِ بائعٍ يستفتحً بأول زبون. لكن سامي لفّ الجريدة وقذفها على الأرض بتوتر ظاهرٍ كسر به خاطر الطفل المسكين. (لمَ فعلتَ ذلك؟ ما ذنب الطفل ترمي عليه قهرَك وخيباتِك! هو لا يقل عنك قهراً وذلاً) أنّب نفسه ونظر إلى وجه الصبي بعينين معتذرتين، ثم انحنى والتقط الجريدة. أخرج قطعة نقود بقيمة عشر جرائد، غمسها في جيب الصبي، ثم تابع المسير.


ولج شارعَ المنصورِ من أعلاهُ وانحدرَ يعبرُ واجهات المحلاتِ الزجاجية، تعكسُ قامتَه الهزيلةَ تمطُّها أو تشوهُها أكثر مما هي عليه. يراقبُ المارةَ بدهشةٍ وخيبة أمل. وجوهٌ تبدو له آسنةً متشابهةً، تفيضُ استكانةً وسذاجةً. تنهّد حين داهمه شعورٌ أنه ما عاد ينتمي لهذه المدينة أو لهذه الوجوه الكالحةِ اللامبالية وكأنها من طينة لا يعرفها أو عاشرها يوماً. فسحةٌ من الصمت والظلام تغطي ذاكرته. قلبه المريضُ يخفق بعنف. دماغه يفكر بأحكام قاسية تنتظره في الوظيفة.

هوّم بعينيه الجائعتين. بحث عن لغة تساعفه كي يعتذر للنهر، للجسر العتيق، للمدينة كلها. يحطب الغفران من أرصفتها. كذّبته عصافير الشمس، فأغمض عينيه على حريق شبّ فيهما. لابت يداه في الهواء مثل مجاديفَ من غضب حين عاودته آلامُ المعدة. ضغط عليها بأصابعه. بصق على طرف الرصيف. تأمل بصاقه.

يمتزج بقليل من الدمّ. لم يستغرب الأمر. اعتاد هو على أسوأَ من ذلكَ في السجن. فقد ساءت صحتُه وأصابه الهزال واليرقان وبقيت حاله محتملة إلى أن غطى البهاقُ جانباً من وجهه ويديه وما عاد يدري مكمنَ علّتهِ. شخّص له طبيب السجن مرضه على أنّه القرحةَ. سعل بشدة ثم دمدم ضاغطاً على حروف الكلمات: ملعون أبو القرحةِ.


رفع رأسه، ثمةَ غيمةٌ تزحف ببطءٍ على الرصيف الأيمن للسماء، توالتِ الصور متسكعة أمام عينيه. أثارتْ الغيمة في نفسه انفعالاتٍ قديمة ما يكاد ينساها حتى تعتريه. كان قد اختار لنفسه لقب “الغيمة” يمهر به مقالاته التي ينشرها في الصحف.


سألته زوجُه ذات مساء: لمَ اخترتَ الغيمةَ لقباً تلصقه باسمك يا سامي؟
رد عليها: ألا يكفي أنها تعبرُ الحدودَ دون جوازِ سفر، وتحطُّ رحالها في أي أرضٍ تريد. هذا أقلُّ ما أحلُم به من حرية الغيم.
قالت: “أراك تفلسف الأمور على هواكَ. أنسيت أن غيمتكَ هذه بضربةِ شمسٍ واحدة تُعطيك عمرها، وأنّ لا حرية مع شهوة الغيم”.


انكفأ ينتزع نفسه جاهداً من ذاكرته, تنبّه لامرأة جميلة خطرت تهتز أمامه بكَتفٍ عارية وعطرٍ أخّاذ. تأمّلَ جسدها. كانت له قناعاتٌ في مقاييس الجمال وخاصةٌ لجسد المرأة. استكان لعتابا (رديت هايم على وجهي وضربت البيد قفرا وخلية، وعليّ أمسى المزار بعيد) تفتُّ القلب آتية من صوت “الهزار” لـ “فؤاد سالم”.


مازالت المرأة تخطر أمامه، ومازال يستحث خيول شهوته في رهان يعرف سلفاً أنه الخاسرُ فيه، فطبيب السجن أعطاه زرقة أفقدته فحولته منعاً لتناسل أمثاله ممن يضرون بالمجتمع. مدّ يده يلامس كتفها العارية. ترقّبَ ردّة فعلها، لكنها لم تبد أيَّ حركة ولم تلتفت. توجّس منها خيفة. ارتجفت عضلةٌ تحت عينه اليسرى. زحفت أصابعُه فوق ظهرها. أصابته رعشةٌ ناعمةٌ فأخذ ينتشي. تبسّم قائلاً في سره: لا بد أن مفعول الزرقة فاسد كمفعول دواء القرحة، كل شيء إلاّ النساء. شعر أنها بدأت تستثار لشمع أصابعه يذوب بطيئاً حاراً على جسدها. أي فجيعة تكمن وراء استكانة هذه المرأة. يدعوها بقرارة نفسه أن تقف. أن تلتفت، فكلُّ من في الشارع غافل عنهما. لا بد أنه يمتلك قدرة خارقة جعلته يحجب عيونهم الشبقةَ.


غرق في نشوة مطلقة حين قصّرت المرأة خطوها والتصقت به. أغمض عينيه حين استدارت، كان لها وجه امرأته. ارتعشت أصابعه ورجف قلبه. احتضنها وضغط عليها بكل ما يعتريه من حزن وبكاء. ارتفع بها عن سرير الأرض وهام بين صحوٍ وحلم يقظة. تحدّى بها قوانين الجاذبية. شعر أنه خارجُ الزمان والمكان.

آب إلى نفسه حين تلاشت همته. أيقظه بوق شاحنة قوي فدفع نفسه عن عمود كهرباء كان يحتضنه. لفّه الخزي. اعتدل في وقفته. أراد أن يعيد للأرض جاذبيتها.


السابلة على قارعتي الطريق بددوا شمل كبريائه بأعين وقحة تفيض استنكاراً. لاحقته الضحكاتُ والأعينُ، ارتبك وتعثر بمشيته. خجل من نفسه. أدرك أنه وقع فريسة تخيلاته وقناعاته بمقاييس الجسد..


اقترب من مكتبة بور سعيد. آلمه منظر الجرائد والكتب. تابع انزلاقه. كان قد ترك المتحف وراءه بكثير. تجاوز نادي الفرات ودلف إلى زقاقٍ ضيقٍ خالٍ إلا من بعض أولاد يتقاذفون كرة بأيديهم.
تمطّت رمالٌ محرقة في عينيه حين اقترب أكثر من بيته. تذكر كيف غادره آخر مرة. حين شيعته زوجه وخيطٌ أسودُ دافئ يعبر مساحة وجهها الحزين. رفعت يدَها، حاولت عبثاً أن تلتقطه، أن ترجعه، لكن باب السيارة الرمادية قد أطبق عليه، فسقطت يدُها مَيـْتـَة إلى جانبها، وشهقت غيمةٌ في سماء المدينة..


تحسس مفتاح بيته في جيبه للمرة الألف. خمّن، ستكون المفاجأة قاسيةً عليها بالتأكيد. لعلها نائمةٌ، فهي لا تفوّت وقت القيلولة. قرر أن يضغط زر الجرس. رفع يده، إلا أنّ أولاد الحارة تجمعوا حوله يتعرفون على الغريب. اقترب ولد له عينان ضاحكتان وأنف عريض. بحلق في البهاق الذي يغطي رقبة سامي وجانباً من وجهه ويديه، ثم عرَف فيه معلمه في مدرسة الرشيد الابتدائية الذي تركهم بظروف غامضة. فتح فمه مندهشاً:
= منْ! أستاذ سامي؟ يا ألله كم ضعفت وتغيرت! تغيرت كثيراً.
دنا أكبـرُهُم بوجه ودود: الحمد لله على السلامة عمُّ سامي. قالوا إنك مسافر في بلد أجنبي.
= نعم.. صحيح.. خطفت رجلي إلى السويد.. غيرت جو. ورجعت.
= السويديات حلوات؟ لمَ لمْ تأت بواحدة معك.
= كانت عندي واحدة.. لكنها بضربة شمس أعطتكم عمرها.


دمدم سامي ونظر إلى السماء. ما زال رصيفها الأيمنُ يزدحم بالغيمات.. تذكّر يده المعلقةَ عند جرس الباب. أسقطها. أخرج المفتاح، غمسه في غمده وأداره. قبل أن يدخل لمح الصبي صاحب الأنف العريض يشـير إلى السماء قائلاً:
= انظروا إلى تلك الغيمة.. ستسقط.. من يراهن. ؟
لم يراهنه أحد.. فالغيم لا يسقط وحده.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى