بحوث ودراسات

روايات خالد حسيني: أنموذج لتطبيق أهداف “الشَّرق الأوسط الكبير” (7 من 12)

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن

أكاديمي مصري.
عرض مقالات الكاتب

وقد نشَر موقع عربي بوست، بتاريخ 4 مايو 2016م، تحليلًا نقديًّا للرُّواية، يشتمل على ملخَّص موجز لأهمّ الأحداث، إلى جانب التَّعرُّض لبعض المسائل الَّتي يثيرها خالد حسيني، منها ادّعاء فرْض الحجاب على المسلمات دون أيّ إرادة شخصيَّة لهنَّ في ارتدائه؛ وتطبيقه قيم الليبراليَّة الغربيَّة في الحُكم على المجتمع الأفغاني المسلم؛ وحصْره الصُّورة الإيجابيَّة للرَّجل في الرُّواية في شخصيَّة الملَّا فيض الله، وهو شيخ صوفي يعلّم مريم الشّيعيَّة القرآن الكريم؛ وترديده افتراءات المستشرقين عن تفضيل الإسلام للذُّكور على الإناث وتكريسه للتَّفرقة النَّوعيَّة من خلال النُّصوص القرآنيَّة والأحكام الشَّرعيَّة.

ألف شمس مشرقة!

يتحدث خالد حسيني عن الحياة في أفغانستان حسب آرائه الشَّخصيَّة. يستورد الكثير من الأفكار الليبراليَّة الَّتي تسود المجتمع الأميركي ليروي الحياة والثَّقافة الأفغانيَّة من خلال كاميرا أميركيَّة وإثنيَّة. لكنَّ المؤلف، الَّذي يملك ثقافة غربيَّة يحاول عكسها على الثَّقافة الشَّرقيَّة في بلاده، فقط ليسترضي الجمهور الغربي. هل يشعر القارئ أنَّ ليلى فتاة أفغانيَّة أم فتاة فرنسيَّة؟!

يكرّر كتابات المستشرقين عبر التاريخ الاستعماري، من أن الرجل المسلم يضطهد المرأة، والرَّجل المسلم هو نموذج للوحش الجنسي والفجور وإلى آخره.. “جليل متزوج من ثلاثة نساء”، “قلب الرجل هو رديء، شيء رديء. لا يوجد مثل رحم الأم”، “رشيد يميّز بين ابنه وابنته على أساس الجنس”، “رشيد يجبر مريم على ارتداء البرقع، بينما يخبئ المجلَّات الإباحيَّة في صناديقه”. بينما الصُّورة الإيجابيَّة الوحيدة للمسلم في الرُّواية هي شخصيَّة الملَّا فيض الله: “رجل مسنّ يزور مريم بانتظام لتعليمها القرآن الكريم”.

كما يكرّر أيضًا المعركة حول الحجاب. على الرغم من أنَّ الرُّواية مليئة بالإيمان بالله، لم يُشر المؤلف إلى أنَّ هناك نساءً يخترن بأنفسهنَّ تغطية رؤوسهنَّ وأجسادهنَّ وفقًا للتَّقاليد أو الدّيانات، برأيي الشَّخصي أعتقد أنَّ المؤلّف لم يحترم اختيارات وحريَّة المرأة. كذلك يكرّر المؤلّف المكائد الاستعماريَّة بين المجموعات العرقيَّة، أنا أعلم أن هناك صراعًا بين الجماعات الإثنيَّة في أفغانستان، ولم يكن بحاجة إلى تقسيم الأُسر والأفراد في الرواية حسب الإثنيَّات والأعراق. صدقًا لقد شعرتُ أنَّ كاتب الرُّاوية كأنَّما هو هنري كيسنجر.

كما يعتقد أنَّ الاحتلال السوفيتي قد قام ببناء البنية التَّحتيَّة من أجل الشَّعب وعمِل على تحسين تعليم النّساء في البلاد، ولكن وعلى مر التَّاريخ يبني الاستعمار في المستعمرات لخدمة نفسه وبهدف خداع الشعوب بالشّعارات البرَّاقة، فهذا هو الاستعمار بالتَّأكيد. رغم أنَّه نجح في كشف جرائم الاحتلال السُّوفيتي لأفغانستان وكان هذا شيئًا إيجابيًّا.

وفيما يلي تحليل موجز لأهمّ أحداث رواية ألف شمس ساطعة (2007م)، مع الإشارة إلى أهمّ الرَّسائل الَّتي أراد مؤلّفها، خالد حسيني، إرسالها، وعلى رأسها إدانة المجتمع الأفغاني في معاملته التَّمييزيَّة تجاه المرأة، والمطالبة بالحصول على حقّها في العمل والتَّعليم والمشاركة الفعَّالة في المجتمع؛ وتكرار التَّنديد بالعنصريَّة السُّنّيَّة، متمثّلةً في طائفة البشتون، تجاه الأقليَّات الشّيعيَّة، متجسّدةً في طائفة الطَّاجيك؛ والدَّعوة المبطَّنة للانقلاب على الأحكام الشَّرعيَّة فيما يتعلَّق بعلاقة الرّجال والنّساء، مع تعميم القيم الليبراليَّة الغربيَّة فيما يتعلَّق بحريَّة المرأة في العلاقات الجسديَّة والزّي الشَّخصي، وإن كانت مخالفة لصحيح الإسلام، بذريعة الدَّعوة إلى إنصاف المرأة وحصولها على حقوقها.

ويُضاف إلى ذلك رسائل فرعيَّة، منها التَّنديد بجرائم الغزو السُّوفييتي لأفغانستان، مع غضّ الطَّرف عن تجاوزات الغزو الأمريكي مطلع الألفيَّة الثَّالثة؛ وإظهار الصُّوفيَّة باعتبارها النَّموذج الوَسطي المعتدل للإسلام، مقارنةً بالتَّشدُّد الدّيني والعنف الطَّائفي لحركة طالبان السُّنّيَّة، والضَّعف والانكسار وقلَّة الحيلة للأقليَّة الشّيعيَّة. يُشار في هذا القسم إلى مقتطفات من رواية خالد حسيني (2007م)، في نسختها الصَّادرة بالعربيَّة تحت عنوان ألف شمس مشرقة عن دار دال للنَّشر والتَّوزيع عام 2010م، من ترجمة مها سلمان سعود.

إدانة موقف المجتمع الأفغاني من المرأة

تكتشف مريم، الشَّخصيَّة المحوريَّة في الأحداث، وهي في عُمر 5 سنوات أنَّها ابنة غير شرعيَّة، أو “ابنة حرام”، كما يناديها الأطفال من أقرانها (صـ13). تلمس مريم من أبيها، جليل، في طفولتها حُسن المعاملة؛ إذا كان يطلق عليها “زهرته الصَّغيرة”، كمان كان يدلّلها بأخذها في حضنه وقصّ الأقاصيص لها، دون أن تخرج من فمه الكلمة الَّتي كانت تزعجها (صـ14):

كانت مريم تخمّن من طريقة نُطْق نانا (والدتها) للكلمة، بأنَّها شيء بشع ومقزّز. أن تكون ابنة حرام، كالحشرات والصَّراصير…لاحقًا، عندما أصبحت أكبر، فهمت مريم. كانت الطَّريقة الَّتي لفظت بها نانا الكلمة-لم تكن تقولها بمقدار ما كانت تبصقها في وجهها-جعلت مريم تشعر بكلّ لدغاتها المؤلمة.

فهمت عندها ما قصدته نانا، أنَّ ابنة حرام كان شيئًا غير مرغوب به، وبأنَّها، أي مريم، كانت شخصًا غير شرعيّ، لن يحصل على الشَّرعيَّة، أو على الأشياء الَّتي يحصل عليها الآخرون، أشياء كالحبّ والأسرة والبيت والقبول.

لم يُشعر جليل، ابن طائفة الطَّاجيك وشيعي المذهب، مريم أبدًا بأنَّها يكرهها أو ينبذها، كما لم تكن تشعر أنَّها بعيدة عنه، برغم أنَّها لم تكن تراه إلَّا ساعتين كلَّ خميس، حينما كان يأتي لزيارتها. كان جليل من أغنى أغنياء هرات، وكان له 9 من الأبناء الشَّرعيين، لكنَّهم كانوا غرباء عن مريم؛ كون المجتمع لا يسمح باختلاطها بهم لأنَّها غير شرعيَّة. وفي إشارة إلى كونه ليبراليًّا متحرّرًا، بما يذكّر بشخصيَّة والد أمير في عدَّاء الطَّائرة الورقيَّة (2003م)، كان جليل يمتلك دارًا للعرض السّينمائي، إلى جانب متاجر لبيع الملابس والسّجَّاد؛ ولم يكن جليل يمانع إدخال بناته من زيجاته الشَّرعيَّة المدرسة للحصول على قسط من التَّعليم. مع ذلك، فقد كان يحتفظ بنظرة المجتمع الأفغاني الدُّونيَّة للمرأة،

كما يتَّضح من معاملة لنانا وقتئذ كانت تعمل في بيته. عانت نانا في بيت جليل من إهماله وسوء معاملة زوجاته بعد أن حبلت بابنتها، وكان قرار أسرة التَّاجر الثَّري هو نبْذ تلك المرأة، الَّتي كانت في الأصل تعمل خادمة لديهم، في منطقة بعيدة في أطراف المدينة. تعتقد نانا أنَّ إصابتها بالصَّرع مسٌّ من الجنّ، منعها من الزَّواج في سنّ مبكر، وأوقعها فريسة لشهوة جليل، الَّذي أهملها بعد حمْلها، ولم يكلّف نفسه عناء إحضار طبيب أو قابلة عند ولادة الطّفلة، وتروي نانا لمريم عن الولادة قائلة “قطعتُ الحبل السُّرّي بيننا بنفسي…لذلك وضعتُ السّكّين بجانبي” (صـ22). يُبدع حسيني في وصْف الملَّا فيض الله، الشَّيخ الصُّوفي، في طيب خُلُقه وحُسن معاملته لمريم أثناء تعليمها القرآن الكريم وأركان الإسلام، وهو نموذج ستعارَض مع تشدُّد عناصر طالبان السُّنّيين وقسوة حُكمهم على مريم بالإعدام شنقًا لاحقًا (صـ27):

المفضَّل لدى مريم، بعد جليل، كان الملَّا فيض الله، معلّم القرآن الأقدم في القرية، يأتي مرَّة أو مرَّتين في الأسبوع من غول دامان ليعلّم مريم الصَّلوات الخمس وتسميع القرآن، كما علَّم نانا عندما كانت صغيرة. كان الملَّا فيض الله مَن علَّم مريم القراءة، ومرشدها الَّذي يرعاها بصبر وهي تدرّب شفتيها على الكلمات بدون صوت، بينما إصبعها ينتقل بين الكلمات ببطء، في سبيل أن تعتصر المعنى من كلّ رمز. لقد كان الملَّا فيض الله مَن أمسك بيدها. 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى