بحوث ودراسات

روايات خالد حسيني: أنموذج لتطبيق أهداف “الشَّرق الأوسط الكبير” (6 من 12)

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن

أكاديمي مصري.
عرض مقالات الكاتب

“ألف شمس ساطعة”: إدانة لعادات لمجتمع الأفغاني ودفاع مريب عن تمكين المرأة

بعد الصَّدى الواسع الَّذي أحدثته رواية عدَّاء الطَّائرة الورقيَّة (2003م) عند نشْرها، أصدر خالد حسيني روايته الثَّانية، A Thousand Splendid Suns، أو ألف شمس ساطعة (يُترجم العنوان أيضًا إلى ألف شمس مشرقة)، عام 2007م، لتُحصد تلك الرُّواية مبيعات هائلة تجاوزت 17 مليون نسخة حتَّى صيف عام 2021م، وقد بيعت في 130 دولة بـ 56 لغة مختلفة. نالت الرُّواية إشادة نقديَّة من العديد من المجلَّات الأدبيَّة، منها مجلَّة النَّاشرين الأسبوعيَّة (Publishers Weekly)، وواشنطن بوست، ولوس أنجلوس تايمز، وبوكلست (Booklist). وقد نشَرت Publishers Weekly في مايو 2007م مقالًا عن الرُّواية، جاء فيه:

في ألف شمس ساطعة، فعل خالد حسيني شيئًا غير عاديّ: تخطَّى قوَّة راويته الأولى عدَّاء الطَّائرة الورقيَّة وعمْقها. هذه الرُّواية الَّتي طال انتظارها تجذب القارئ بشكل تامّ إلى عالم من الوحشيَّة، واليأس، والألم، والفقر، وتقدُّم الأمل، والخلاص، والحبّ ليعوّض الألم. إنَّها تعيد الحياة لجزء من العالم لا يعلم عنه الأمريكي العاديّ إلَّا القليل، وتوضح لنا المضامين الحقيقيَّة لسياساتنا الغربيَّة.

بينما قالت صحيفة واشنطن بوست في مقال نُشر في 20 مايو 2007م:

فقط في حالة التَّساؤل عمَّا إذا كانت ألف شمس ساطعة بجودة عدَّاء الطَّائرة الورقيَّة، فالإجابة هي: لا…إنَّها أفضل.

ونُشر في صحيفة لوس أنجلوس تايمز عن الرُّواية:

ما يجعل الرُّواية عميقة وآسرة هو عين حسيني المسلَّطة على جوهر تفاصيل الحياة اليوميَّة وقدرته على تصوير مجال واسع من عواطف الإنسان، من نوبة الغضب الكامن لزوجة منتهَكة، إلى الخفقان المبكر للحبّ الأمومي عندما تكتشف امرأة عزباء أنَّها حُبلى!

في حين نشرت مجلَّة Booklist عن ألف شمس ساطعة:

رواية حسيني الثَّانية…رائعة، ذات نكهة حزينة وجميلة لمعاناة الأفغان وقوَّتهم. القرَّاء الَّذين بُهروا برواية عدَّاء الطَّائرة الورقيَّة لن يرغبوا بتفويت هذه الرُّواية الَّتي لا تُنسى.

يقتبس خالد حسيني عنوان روايته من عبارة في قصيدة “كابول”، الَّتي تعود إلى القرن السَّابع عشر للميلاد، وهي من نظْم الشَّاعر الفارسي صائب التَّبريزي، وترمز الشَّمس السَّاطعة في الرُّواية إلى شخصيَّة مريم، بطلة الأحداث، الَّتي تجسّد معاناة المرأة الأفغانيَّة في مجتمع ذكوري يعتبرها مجرَّد وعاء جسدي للتَّكاثر، دون حقوق ينبغي أن تنعم بها، أو واجبات من الرَّجل الأفغاني تجاهها، كما أراد مؤلّف الرُّواية، المنصفة للمرأة، أو النَّسويَّة (Feminist) في تعبير أدقّ. غير أنَّ أكثر ما يسترعي الانتباه هو تعمُّد حسيني تقديم نموذج لتطبيق أهداف مشروع الشَّرق الأوسط الكبير بحذافيها، من خلال إدانته الاتّحاد السُّوفييتي في مقابل حُسن تقديره للولايات المتَّحدة، الَّتي تتزعَّم تأسيس نظام عالمي جديد أحادي القُطب بقيادتها بعد سقوط إدانته الاتّحاد السُّوفييتي؛ ومطالبته بإسقاط حُكم طالبان الإسلامي في مقابل تطبيق العلمانيَّة؛ واقتراحه نظام جديد لتَّربية الأجيال الجديدة وتنشئتها بحسب القيم الغربيَّة؛ وزعْمه تقديم الولايات المتَّحدة مساعدات إنسانيَّة للمنكوبين. 

خالد حسيني-غلاف رواية ألف شمس ساطعة (2007م)

تدور أحداث الرُّواية حول شخصيَّة مريم، وهي أفغانيَّة تنتمي إلى طائفة الطَّاجيك الَّتي تعتنق شريحة كبيرة منها المذهب الشّيعي وتساند طائفة الهزارة الشّيعيَّة في مواجهة حُكم حركة طالبان المنتمية إلى طائفة البشتون. ومريم ثمرة علاقة غير شرعيَّة لأبيها، جليل، وهو تاجر من مدينة هيرات، وأمّها، نانا، الَّتي كانت تعمل خادمة في بيت جليل.

تعاني مريم بسبب سوء معاملة الأطفال لها ومناداتها بـ “ابنة الحرام”، وتفضيل أبيها إخوتها الشَّرعيين عليها، برغم حنُّوها عليها وتدليلها، وتجد مريم نفسها وحيدة بسبب إصابة أمّها باضطرابات نفسيَّة، تفسّرها نانا بأنَّها مسٌّ من الجنّ، من جرَّاء تجربتها القاسية في بيت جليل، الَّذي يرفض الاعتراف بابنته مريم، خشية كسْر التَّقاليد الاجتماعيَّة المتوارَثة والتَّعرُّض إلى المعايرة. تُقدم نانا، والدة مريم، على الانتحار بعد ذهاب مريم لزيارة والدها، ظنًّا منها أنَّ ابنتها لن تعود إليها؛ وحينها، تخطّط زوجات جليل، والد مريم، لتزويجها من إسكافي من طائفة البشتون، يُدعى رشيد، وهو رجل قاسي القلب، سيّء الطَّباع. ويبدو أنَّ خالد حسيني تعمَّد، من خلال إبراز تعرُّض مريم الطَّاجيكيَّة للقهر وسوء المعاملة على يد رشيد البشتوني، أن يرمز إلى تسلُّط طالبان المنتمية إلى البشتون على الأقليَّات الشّيعيَّة، الَّتي اختار منها الطَّاجيك، بعد تناوُله مآسي طائفة الهزارة في عدَّاء الطَّائرة الورقيَّة (2003م) باستفاضة.

تضطرُّ مريم في نهاية علاقتها برشيد إلى قتْله بمجرفة؛ ومن ثمَّ يُحكم عليها بالإعدام شنقًا على يد طالبان، ما يعتبره حسيني حُكمًا مسيَّسًا، لا يعود إلى ازدراء الحركة للنّساء فحسب، إنَّما يعبّر عن العنصريَّة الَّتي مارستها الحركة تجاه الأقليَّات الشّيعيَّة. ويبدو أنَّ الرُّوائي، أمريكي التَّنشئة والتَّوجيه والتَّثقيف، اختار لبطلة الأحداث اسم مريم؛ لتكون في معاناتها من الظُّلم الاجتماعي لكونها ابنة غير شرعيَّة رمزًا لمريم العذراء في تعرُّضها للطَّعن في عرْضها لحمْلها المسيح عيسى بن مريم رسول الله (عليه السَّلام) دون زواج. جدير بالإشارة أنَّ حسيني اختار مدينة هرات لتدور فيها الأحداث؛ لأنَّ تلك المدينة كانت، ولم تزل، من أهم مناطق تمركُز قوَّات طالبان، بل هي “من مراكز الإخوان المسلمين في العالم لوجود عدد كبير من المنظَّمات الإخوانيَّة فيها”، نقلًا عن موسوعة ويكيبيديا.

أمَّا عن الدَّافع الآني لإقدام مريم على قتْل رشيد، فهو سعيها إلى إنقاذ ليلى، ثاني شخصيَّة محوريَّة في الرُّواية، وهي فتاة طاجيكيَّة تُجبر الظُّروف القاسية على الزَّواج من الإسكافي غليظ القلب، رشيد زوج مريم، برغم فارق العُمر؛ إذ كانت في عُمر ابنته. على عكس مريم الَّتي حُرمت من التَّعليم والرّعاية الأبويَّة والاعتراف ببنوَّتها، تحصل ليلى على قسط من التَّعليم، وتنعم بعناية خاصَّة من أبويها؛ كونها الوحيدة الباقية من الأبناء بعد مقتل كافَّة أشقَّائها من الذُّكور خلال سنوات الغزو السُّوفييتي لأفغانستان، الممتدَّة من عام 1979م وحتَّى مطلع تسعينات القرن العشرين.

نشأت ليلى في كابول في مناخ معتدل يسمح باختلاط الذُّكور والإناث، قبل وصول طالبان إلى الحُكم، وتدخل في علاقة مع شاب من عُمرها من طائفة البشتون يُدعى طارق، لتصبح حبلى في ابنتها، عزيزة، الَّتي تمرُّ بنفس تجربة مريم. وتضطرُّ ليلى للزَّواج من رشيد بعد وفاة أبويها نتيجة إصابة منزلهم بصاروخ خلال الحرب الأهليَّة عام 1992م.

في حين يهرب طارق مع أسرته إلى خارج كابول، ويفترق عن ليلى 10 سنوات يعيش خلالها في مخيَّم للاجئين، وتظنُّ ليلى حينها أنَّه مات. غير أنَّ طارق يعود قُبيل مقتل رشيد، زوج ليلى، ويجتمع بأمّ ابنته، ويتزوَّجان زواجًا شرعيًّا بعد هروبهما إلى باكستان. ويقصد حسيني، من خلال إبرازه تناقُض معاناة ليلى في زواجها الشَّرعي من رشيد مع سعادتها في علاقتها غير الشَّرعيَّة مع طارق، أنَّ الزَّواج الشَّرعي هو الاغتصاب الحقيقي وهو العلاقة الآثمة فعليًّا، إن كان بإجبار للمرأة على الزَّواج، وإن كانت تعاني فيه من قهْر الزَّوج. وممَّا يؤكّد ذلك أنَّ ليلى تفكّر في إجهاض طفلها من زوجها رشيد، في مقابل إبقائها على حملها من طارق بدون زواج. ويتعمَّد الرُّوائي إظهار زلماي، ثمرة حمل ليلى من زوجها، بوصفه صورة جديدة من أبيه، يرث عنه قسوة القلب والشُّعور بالتَّميُّز عن الإناث.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى