بحوث ودراسات

روايات خالد حسيني.. أنموذج لتطبيق أهداف “الشَّرق الأوسط الكبير” (5 من 12)

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن

أكاديمي مصري.
عرض مقالات الكاتب

يتوجَّه أمير إلى أحد مراكز القيادة تسيطر عليه قوَّات طالبان، ويتفاجأ بأنَّ آصف، الَّذي كان يصفه وهو صغير بالمختلّ نفسيًّا والَّذي اعتاد على التَّنمُّر على حسن وهو طفل ثمَّ اعتدى عليه جنسيًّا، هو القائد الطَّالباني الَّذي يتحدَّث إليه، وهو الَّذي يحتجز زهراب. يصف أمير الحال الَّذي وجَد عليه زهراب، الَّذي كان يستغلُّه عناصر طالبان جسديًّا ويجبرونه على الرَّقص للتَّسرية عنهم (صـ277-278):

ضغَط أحد الحارسين على زرّ وملأت الموسيقى الباشتونيَّة الغرفة…أعتقد أنَّ الموسيقى لم تكن محرَّمة ما دامت تُعزف لآذان عناصر طالبان. بدأ الرّجال الثَّلاثة بالتَّصفيق. هتفوا واه، واه، ما شاء الله!

رفع زهراب ذراعيه والتفت ببطء، وقف على رؤوس أصابعه، ودار بشكل رائع، انهار على ركبتيه، وقَف، ودار ثانيةً، يداه الصَّغيرتان تمايلتا عند المعصم، فرقعت أصابعه، ومال رأس من جنب لآخر كالبندول، ضربت قدماه الأرض، الأجران ترنُّ بتناغم تامّ مع إيقاع الطَّبلة، أبقى عينيه مغلقتين…

أدار الطَّالباني الولد كي يواجهه، وعقَد ذراعاه حول بطن زهراب، وأراح ذقنه على كتف الطَّفل. نظَر زهراب إلى الأسفل، إلى قدميه، لكنَّه بقي يسرق نظرات خجولة إليَّ. انزلقت يد الرَّجل أعلى وأسفل بطن الطّفل، أعلى وأسفل، ببطء، برفق.

أمير يواجه آصف- فيلم The Kite Runner (2007م)

يطلب أمير من آصف، الَّذي يظلُّ يلامس جسم الطّفل بيديه، أن يعطيه زهراب، لكنَّ آصف يرفض، فيبدأ أمير في قتاله، وكأنَّما يردُّ على اعتدائه الجنسي على حسن قبل ربع قرن أمام عينيه دون أن يتحرَّك لإنقاذه. وأثناء اقتتال الرَّجلين، يصيب زهراب بالمقذاف، ليسقط أرضًا، وحينها يهرب مع أمير إلى الخارج.

أمير يهرب مع زهراب من قبضة آصف ورجاله- فيلم The Kite Runner (2007م)

ينتقل أمير مع زهراب إلى باكستان هربًا من جحيم أفغانستان، ويخشى على باكستان من مصير بلاده، إذا ما وقعت فريسة للتَّنظيمات المتطرّفة. وفي باكستان، يتواصل أمير مع زوجته، ثريَّا، ويخبرها بقراره تبنّي زهراب واصطحابه معه إلى أمريكا. يصطحب أمير زهراب إلى السَّفارة الأمريكيَّة في العاصمة الباكستانيَّة، إسلام أباد، حيث يجد الطّفل حُسن المعاملة والتَّرحيب، ويشرح أمير للمسؤولين سبب رغبته في اصطحاب الطّفل معه إلى أمريكا، الملاذ الآمن والجنَّة المرجوَّة، كما يصوّرها الرُّوائي، في محاولة جديدة منه لغضّ الطَّرف عن انتهاكات أمريكا ضدَّ الأفغان خلال الغزو (صـ324):

ذهبتُ إلى أفغانستان لأجلب ابن أخي غير الشَّقيق. وجدتُ الطَّفل في أوضاع سيّئة، مرميّ في ميتم. دفعتُ لمدير الميتم بعض المال، وأخذتُ الطّفل وجلبتُه إلى باكستان.

يجد أمير بعض العنصريَّة من المسؤولين في السَّفارة الأمريكيَّة لكونه مسلمًا، برغم تأكيده على أنَّه لا يمارس الشَّعائر الإسلاميَّة مطلقًا، بقوله “لا أذكر آخر مرَّة وضعتُ فيها رأسي على الأرض في صلاة” (صـ325). يصرُّ أمير على اصطحاب الطّفل، بالإشارة إلى مقتل والديه بصورة وحشيَّة، وتعرُّضه للاعتداء الجنسي، لكنَّ المسؤولين يرفضون. لا يجد أمير وزوجته، الَّتي تتحمَّس لمجيء زهراب، وسيلة لاصطحاب الطّفل إلى أمريكا سوى التَّبنّي بواسطة إحدى الوكالات المعنيَّة بذلك. يُقدم زهراب على الانتحار بعد أن يعرف أنَّه لا بدَّ وأن يبقى وحده في إسلام أباد حتَّى إتمام إجراءات تبنّيه من أمريكا، وحينها تجد ثريَّا وسيلة لأخذ الطّفل دون انتظار، ليكتشف أمير انتحار الطّفل، ثمَّ ينقذه في آخر لحظة. يصل أمير ومعه زهراب إلى أمريكا في أغسطس 2001م، وتُحسن ثريَّا استقبال الطّفل. يشعر أمير وزوجته بواجب تجاه المنكوبين من أهل أفغانستان، فيقرّران دعْمهم من خلال نشاط خيري لمعالجة مصابي الأفغان (صـ358):

أصبحنا أنا وثريَّا فاعلين في المشاريع الأفغانيَّة؛ بسبب الواجب المدني، كما بسبب الحاجة لشيء، أيّ شيء، يملأ الصَّمت في الأعلى، الصَّمت الَّذي امتصَّ كلَّ شيء كحفرة سوداء. لم أكن من النَّوع النَّشيط سابقًا. لكن عندما اتَّصل بي رجل يُدعى كابر، سفير أفغاني سابق، وسأل إذا كنتُ أرغب بمساعدته في مشروع مستشفى، قلتُ نعم، أقيم المستشفى الصَّغير قُرب الحدود الأفغانيَّة الباكستانيَّة، مُلحق به وحدة جراحيَّة صغيرة عالجت المهاجرين الأفغان من إصابات الألغام الأرضيَّة، لكنَّها أُغلت بسبب قلَّة المال. أصبحتُ مدير المشروع، وثريَّا شريكتي في الإدارة. أمضيتُ أغلب أيَّامي في المكتب، أُرسل رسائل إلكترونيَّة إلى النَّاس حول العالم، أطلب تمويلًا، أنظّم حفلات خيريَّة، وأقنع نفسي أنَّ جلْب زهراب كان العمل الصَّائب.

أمير يصطحب زهراب للعب بالطَّائرة الورقيَّة في أمريكا- فيلم The Kite Runner (2007م)

يصطحب أمير زهراب إلى حديقة يجتمع بها عددٌ من المهاجرين الأفغان، ثمَّ يخبره بأنَّ أباه، حسن، كان أفضل مطارد للطَّائرات في الحيّ، ليبدأ أمير من جديد في العدْو بالطَّائرات الورقيَّة، بعد أن أقلع عن تلك العادة قبلها بربع قرن، بعد أن افترق عن حسن، والآن أصبح يعيد الكرَّة مع ابنه!

ضحايا الغزو الأمريكي لأفغانستان بالأرقام

ضحايا الغزو الأمريكي لأفغانستان (2001م)

ردًّا على الرُّوائي الأمريكي، أفغاني الأصل، خالد حسيني في استعراضه المُتقن لمآسي الأفغان في ظلّ حُكم حركة طالبان (1996-2001م)، من تقتيل وتشريد واستغلال جنسي وتقييد للحريَّات وكبْت للنّساء؛ وكذلك في إظهاره الغزو الأمريكي عام 2001م وكأنَّما أعاد الحياة لأفغانستان وحرَّرها من التَّنظيمات المتطرّفة، لا يوجد أفضل من الإشارة إلى عدد ضحايا الغزو الأمريكي على مدار 20 عامًا، وإلى التَّكلفة الباهظة للحرب الَّتي تُعدُّ الأطول أمدًا في العصر الحديث، وفق ما نشرته وكالة الأناضول التُّركيَّة في 1 سبتمبر 2021م، بعد الانسحاب الأمريكي.

التَّدخَّل الأمريكي بأفغانستان.. تكاليف باهظة وتداعيات كارثيَّة

سحبت الولايات المتحدة، يوم الثُّلاثاء، المصادف 31 أغسطس/ آب، آخر قوَّاتها من أفغانستان الَّتي غزتها بعد هجمات 11 سبتمبر/ أيلول 2001، في وقت أدَّى فيه هذا الغزو الَّذي استمرَّ 20 عامًا، إلى مقتل وتشريد مئات آلاف الأفغان.

بحسب صحيفة واشنطن بوست الأمريكيَّة، فإنَّ الأحداث الَّتي شهدتها المنطقة منذ عام 2001 أسفرت عن مقتل 66 ألفًا من أفراد الجيش الوطني الأفغاني والشُّرطة، وألف و144 جنديًّا من الناتو ودول أخرى تمتلك قوات عسكريّة في أفغانستان، و51 ألفًا و191 فردًا من مجموعات أخرى على رأسها طالبان، و444 من عمال الإغاثة وأكثر من 70 صحفيًّا. فيما بلغ عدد الدُّول الَّتي شاركت في حرب أفغانستان، بما في ذلك الناتو، 51 دولة.

وبحسب تقارير لمفوضيَّة الأمم المتَّحدة السَّامية لشؤون اللاجئين، فقد تجاوَز العدد الحالي للاجئين الأفغان المسجَّلين خارج البلاد مليونين و500 ألف لاجئ.

إلَّا أنَّ تقارير المفوضية أشارت في الوقت نفسه إلى أن الأرقام الحقيقية قد تكون أعلى من ذلك بكثير، مضيفة أنه واعتبارًا من يوليو/ تمّوز 2021، أصبحت أفغانستان ثاني أكبر بلد مصدر للاجئين حول العالم، وأن معظم اللاجئين الأفغان موجودون في إيران وباكستان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى