منوعات

قراءة في كتاب “تتمة النظام في تاريخ القضاء في الإسلام من العهد النبوي إلى عهد الإمارة الإسلامية”  لمؤلفه قاضي القضاة الشيخ العلامة عبد الحكيم الحقاني الأفغاني

د. علي محمّد الصلابيّ

عرض مقالات الكاتب
  • عنوان الكتاب: تتمة النظام في تاريخ القضاء في الإسلام من العهد النبوي إلى عهد الإمارة الإسلامية
  • المؤلف: القاضي الشيخ العلامة عبد الحكيم الحقاني الأفغاني
  • الناشر: الطبعة الأولى – مكتبة قاسم العلوم
  • موضوع الكتاب: تاريخ القضاء الشرعي
  • سنة النشر: 1444ه/ 2023م
  • عدد الصفحات: 320

      يعد كتاب “تتمة النظام في تاريخ القضاء في الإسلام من العهد النبوي إلى عهد الإمارة الإسلامية”، مساهمة جادة في مجال الكتابة حول تطور القضاء في تاريخ الإسلام منذ بداية البعثة النبوية، وحتى وقتنا الحاضر، وخصوصاً ما عليه حال الإمارة الإسلامية بعد تطهير أفغانستان من المحتلين، ونيل حريتها وكرامتها ورِفعتها. وتعتبر هذه الدراسة من المراجعات المنهجية النظرية لهذا الكتاب التاريخي الشرعي والقانوني، إذ حاولت فيها تبسيط ومناقشة الأفكار الرئيسية الواردة فيه، وخاصة تلك التي لها علاقة بالسياق التاريخي لتطور النظام القضائي الإسلامي، ومرجعيته القرآنية، وانتصاره للعدالة الشرعية، وأهمية هذا الجانب في استقرار دولة الإسلام قديماً وحديثاً.

      فالقضاء الإسلامي تطور عبر الزمن حتى أصبح من أخصّ واجبات الحُّكام والخلفاء والولاة والسلاطين تعيين القضاة، ونصب دواوين القضاء، وفض النزاعات بين المتخاصمين، ودفع الظلم، وتحقيق العدل، حتى أصبح هذا المنصب الرفيع رمزًا لبعض مَن عُيّنوا أو حُملوا على هذا المنصب، واشتُهروا به، ومن هؤلاء قاضي القضاة في زمانه أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم صاحب أبي حنيفة، والقاضي أبو السائب الهمذاني الشافعي، والقاضي أبو الحسن الماوردي، والقاضي ابن دقيق العيد، والقاضي بدر الدين ابن جماعة، والقاضي تقي الدين السبكي، والقاضي تاج الدين السبكي، والقاضي سراج الدين البلقيني، وشيخ الإسلام زكريا الأنصاري، والقاضي عياض، والقاضي أبو الحسن بن القصار المالكي، (رحمهم الله جميعًا).

  1. من هو الشيخ القاضي عبد الحكيم الحقاني؟

      هو فضيلة الشيخ العلامة الجليل المحدِّث الفقيه قاضي القضاة في بلاده الشيخ عبد الحكيم بن خدايداد الحقاني الأفغاني، وينتمي لأسرة مشهورة بالعلم في أفغانستان، فوالده الشيخ العلامة المحدث الكبير حاجي ملّا صاحب بن شهير محمد بن محمد بن سعد الله خان الأفغاني الحقاني.

      تعلم قاضي القضاة عبد الحكيم على والده، وهو أحد علماء الدين وفقه الشرع المعروفين في عصره، ذهب لتلقي العلوم الشرعية، والتبحر فيها في دار العلوم في بيشاور الباكسانية عام 1397هـ/1977م، وأخذ العلوم من كبار شيوخها، ونال الشهادة العالمية، وتخرج فيها عام 1400هـ/1980م، بدرجة امتياز. وواصل مسيرته في طلب العلم مع التدريس، حيث أن سيرته حافلة بالابتلاءات، والمضايقات، من قبل المحتل الأمريكي وحُلفائه، وقد فرغ للتأليف، وأثرى المكتبة الإسلامية بكتب نافعة، ومصنفات متميزة، ومن أشهرها هذا الكتاب، الذي أقدم له دراسة عن موضوعه.

      هذا الكتاب، ينتصر للعدالة الشرعية، والمرجعية القرآنية، والمنهج النبوي الشريف، معتمداً على الآيات القرآنية، والتأصيلات النبوية، وجمع صاحبه، الذي يتولى رأس المؤسسة القضائية الأفغانية اليوم، بين التأصيل والتنزيل، وبين كتابة وظائف القضاء، وخططه في تحقيق العدل بين الناس، ورفع الظلم عنهم، والمحافظة على دِمائهم، وأعراضهم، وأموالهم، ومعاملاتهم، وفق أحكام الشريعة الإسلامية الغرّاء.

  • سمات كتاب “تتمة النظام في تاريخ القضاء في الإسلام…”

      قام فضيلة الشيخ قاضي القضاة عبد الحكيم بن خدايداد الحقاني الأفغاني في كتابة «تتمة النظام في تاريخ القضاء في الإسلام»، بدراسة عميقة في تاريخ القضاء في الإسلام، وبدأ هذا الكتاب الفريد في بابه، بتعريف القضاء وذِكر مصادره، ثم كيف نشأ القضاء في العهد النبوي، وتطور القضاء في عهد الخلفاء الأربعة الراشدين، ثم سلط الضوء على القضاء في العهد الأموي، والعهد العباسي، والعهد العثماني، وذِكر المراحل التي مرَّ بها القضاء الإسلامي، وما هي أهم السمات التي اتسم بها القضاء في هذه العصور، وترجم لأبرز القُضاة الذين تقلَّدوا هذا المنصب في التاريخ، ثم ختم الكتاب بتاريخ أفغانستان باختصار، وتاريخ القضاء في أفغانستان من عهد السلطان محمود الغزنوي إلى مرحلة حكم الإمارة الإسلامية الحالية في أفغانستان.

      يظهر من كتاب قاضي القضاة الحقاني، استيعابه الواسع لمبادئ الفكر القضائي الدستوري لدولة الإسلام التي أقامها رسول الله بالمدينة المنورة، وأن من وظائف الحكومة الإسلامية الدعوة والتبليغ، كذلك الفصل في الخصومات، فالقضاء من أهم مؤسسات الحكومة الإسلامية، وحرص قاضي القضاة في كتابه على الجمع بين الأصالة، واستيعاب تاريخ القضاء في الإسلام، والاستفادة منها للجيل المعاصر، كما غطّى في كتابه ملامح الحكومة الإسلامية معتمداً في ذلك على الخبرة العلمية والعملية، وكأنه يُعرفنا ببعض معالم الحكومة الإسلامية، بعبارات مسبوكة منضبطة في ألفاظها ومعانيها، مبينًا أن القضاء الإسلامي لا يتم إلا بالحكومة الإسلامية، قد وضّح دعائم هذه الحكومة في بنود:

  • رئيس الحكومة الإسلامية، الذي ينتخب بالطرق التي بَينتها كتب العقائد والسِير.
  • جهاز حكومي، ويُنتقى فيه الأكفاء، من غير نظر إلى اعتبار آخر، قال النبي من ولي من أمر المسلمين شيئاً، فولّى رجلاً لمودّة أو قرابة بينهما، فقد خان الله، وخان الرسول، وخان المؤمنين.
  • سنّ قوانين مدنية وضع الإسلام قواعدها ومبادئها الهامة، وترك للمشرعين الاجتهاد في تفاصيلها، بما يحقق المصالح العامة.
  • قضاء مستقل عن أية سلطة في الدولة، يُساوي بين رئيس الدولة وسائر أبناء الشعب، قال تعالى: “يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ” المائدة: 8.
  • جيش قوي يُرهب الأعداء، ويبعدهم عن المقدرات، ويحرس الأمن، ويصون السيادة، ويضمن الحرية الدينية، ويُحرر الضعفاء والمستضعفين من أسر الطغاة والظالمين.  
  • جماعه من أبناء الشعب، يسهرون على تطبيق القوانين، وتحقيق مصالح الناس، ودفع الأذى عنهم، أو دفع أذى بعضهم عن بعض.

     وقد استدل قاضي القضاة، على تلك الدعائم بالآيات القرآنية المحكمة، وقدرته على التعبير عنها، في قلمه الرشيق الأنيق، والذي يدل على تشربه للفكر والحضارة الإسلامية، وثقافتها وقِيمها، ومبادئها وعقيدتها، وإيمانه الكبير بها، ثم تحدث في كتابه عن مصادر القضاء الإسلامي، فالمصدر الأصلي والمنبع الحقيقي للقانون هي أحكام الله تعالى، وبيَّن المصادر الرئيسية للشرع وهي: القرآن والسنة النبوية والإجماع والقياس.

     كما نوَّع الشيخ الجليل من مصادره في التاريخ، إذ اعتنى في كتاب تاريخ القضاء الإسلامي، وتطوُّره عبر القرون، مثل كتاب «أخبار قُضاة مصر» لأبي عمر محمد بن يوسف الكندي، وكتاب «رفع الإِصر عن قُضاة مصر» للحافظ ابن حجر، ومختصره «النجوم الزاهرة بتلخيص أخبار قُضاة مصر والقاهرة» ليوسف بن شاهين سبط ابن حجر، وكتاب «تاريخ القُضاة والإفتاء في بيت المقدس»، وكتاب «لمحات حول القضاء في المملكة العربية السعودية»، وكتاب «تاريخ القضاء عند العرب» الذي يُركز على القضاء إلى العصر العباسي، وكتاب «القضاء والقُضاة في الحجاز في العصر.

  •  القضاء في العهد النبوي

      أتى في حديثه تاريخ القضاء الإسلامي، بالأدلة الكافية والشافية، إذ حدّثنا حديث المتمكن عن القضاء في العهد النبوي، ولخص أركان القضاء آنذاك، وتلك التجربة الفريدة في فترة نشوء دولة الإسلام، وجعل من كتابته عنها مصابيح هدى، وأنوار هداية، وبين بأن سلطة التشريع والتنفيذ والقضاء في تلك المرحلة، كانت بيد الرسول ، واستخلص من ذلك العصر، أصول القضاء، ودرَّب مجموعة من الصحابة على الفقه القضائي، وقيادة المؤسسة القضائية، وظهر ذلك في عهد الفتوحات الإسلامية الكبرى، ومن أشهر القضاة الذي أرسلهم رسول الله إلى أطراف الدولة:

  • علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) على قضاء اليمن.
  • أبو عبيدة بن الجرّاح (رضي الله عنه) قاضياً في نجران.
  • عتاب بن أسيد (رضي الله عنه)، الذين عُين والياً وقاضياً، وكان قد لازم رسول الله بضعة أسابيع، فرأى رسول الله من عِلمه وأخلاقه وتربيته عجباً، وكان شاباً في العشرينيات من العمر، ففتح الله له بفضل تلك الحقبة القصيرة فتوحات عظيمة في العلم والقضاء والإدارة والتعبد، والدعوة إلى الله.
  • العلاء الحضرمي (رضي الله عنه) على قضاء البحرين.

     وعند حديث قاضي القضاة الأفغاني عن التكليف النبوي للعلاء الحضرمي، ذكر الصحيفة الطويلة التي أمر بها رسول الله ، الصحابي الجليل، والتي ترشده في شؤون تدبير قضاء الولاية وإدارتها، والتي لا تقل أهمية عن رسالة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، التي أرسلها إلى أبي موسى الأشعري، (رضي الله عنهما)، والمغلقة بأحكام القضاء، والتي كتب عنها الدارسون والمحققون والفقهاء. فالكتاب يبين قيمة تلك الرسالة، والتي تحتاج إلى من يُسلط عليها الأضواء، ويَستخرج منها الأصول، والقواعد، والقيم الأخلاقية، والمعايير القضائية، والأسس الإدارية.

    وقد ذَكر قاضي القضاة، كيفية تعيين القضاة والولاة في العهد النبوي، وتخصيص القضاة، ومصادر القضاء في العهد النبوي، والحكمة من الاجتهاد، وقضاء المظالم، وقضاء الحسبة، والصلح بين المتخاصمين، ومواقف عن تنفيذ القضاء الإسلامي حينها، وترجم لبعض القضاة في العهد النبوي الذين أثرَوا الفقه القضائي، وأحكام التشريع القضائي في التاريخ الإسلامي، مثل علي بن أبي طالب ومعاذ بن جبل، وأبي موسى الأشعري، والعلاء الحضرمي، وعمرو بن العاص، وعتاب بن أسيد، ومعقل بن بسار، وعقبة بن عامر، وحذيفة بن اليمان، وعثمان بن أبي العاص (رضي الله عنهم)، وهذا يدل على سّعة اِطلاعه، وتبحّره في كتب التاريخ والتراجم والأعلام والسِير.

  • القضاء في عهد الخلفاء الراشدين (رضوان الله عليهم)

     انتقل بعد ذلك إلى الحديث عن القضاء في العهد الراشدي، وتحدث بمحبة وإنصاف وعلم عن الخلفاء الراشدين (رضوان الله عليهم)، فقال: “.. وكان الخلفاء الراشدون الأربعة أفضل الصحابة (رضي الله عنهم) دِيناً، وعِلماً، وسُلوكاً، وحملاً للدعوة، ونشراً للإسلام، وقد ثبت فضلهم بنصوص كثيرة، وامتاز عهدهم بخصائص فريدة..”. واِعتمد في حديثه عن مرحلة الخلافة الراشدة على الكتب المصدرية الأصلية في تاريخ أهل السنة والجّماعة، وكتبهم في تاريخ القضاء والتشريع القانوني في الإسلام…

    كما لخَّص القضاء في عهد الصديق (رضي الله عنه)، واهتم بما قام به في خلافته، وكيف تطور القضاء في عهده، واستشارات الصديق لكبار الصحابة وأهل الحل والعقد، بما لم يجده في كتاب الله، ولا في سنة رسول الله ، وطريقته في الحكم، بما يَرد عليه، وقضاء المظالم، وقضاء الحسبة في فترة حكمه القصيرة (سنتين وثلاثة أشهر وبضعة أيام).

       ثم انتقل للحديث عن القضاء في عهد الفاروق أمير المؤمنين عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)، وعن فصل سُلطة القضاء، واستقلالها في عهده، وعن تعيين القضاة، والتجديد في اختيارهم، وتَحرّزه من تعيين الفاسق والفاجر، حيث قال: من استعمل فاجراً، وهو يعلم أنه فجر، فهو مثله، وعن رزق القضاة في عهده، وكَتب عن رسائل ووصايا الفاروق عمر (رضي الله عنه) في القضاء، وتحدث عن تلك التوصيات العمرية باعتزاز وافتخار، واعتبر رسالة أمير المؤمنين الفاروق لأبي موسى الأشعري (رضي الله عنهما) عجيبة، حيث جمعت آداب القاضي وأصول المحاكمة، وقال قاضي القضاة: لو كتب مثل هذه الرسالة، رئيس دولة في هذه الأيام التي نُشرت فيها أصول المحاكمات، لكانت كبيرة منه، وقد عَدَّ هذا الرئيس من كبار العلماء والمفكرين، فكيف وقد كتبها عمر (رضي الله عنه)، منذ نحو أربعة عشر قرناً، ولم ينقله من كتاب، ولم يستمدها من أحد، بل جاء بها في ذهنه، ثمرة للفراسة المباركة، والتي غرسها في قلبه نبي الرحمة والهداية محمد ، حيث دخل عليه في دار الأرقم، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، فهذا من معجزات رسول الله .

         وشرح بعدها رسالة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري (رضي الله عنهما)، شرحاً وافياً، وكذلك رسالة عمر إلى أبي عبيدة (رضي الله عنهما)، ورسالته إلى القاضي شريح، ورسالته إلى معاوية (رضي الله عنهم)، أيّ أن قاضي القضاة عبد الحكيم الحقاني تتبع رسائل أمير المؤمنين الفاروق عمر في القضاء، وشرحها، واستخرج منها قواعد وأصول الفقه، لكل من يريد أن يمارس القضاء، وفق المرجعية الاسلامية الحقة، واستنبط من تلك الرسائل أحكاماً وآداباً جميلة عظيمة، تدل على حرص قادة الإسلام، لتطبيق مبدأ العدل بين الناس، وتجول بنا مع عمر (رضي الله عنه) في قضاء المظالم، وقضاء الحسبة، والفقه العمري في حبس المجرم والمتهم، وإذا بنا في عهد ذي النورين أمير المؤمنين عثمان (رضي الله عنه)، وكيف تطور القضاء في عهده، وكتبه إلى الولاة والقضاة، وتخصيص دار القضاء، ومشاورته للصحابة في أحكامه القضائية، وشدته، وحرصه على تطبيق الأحكام الشرعية، وقُوته في قول الحق، وأنه لا تأخذه في الله لومة لائم، فضلاً عن فراسته المبنية على تقوى من الله، والعمل على نيل رضاه، والدخول في رحمته سبحانه وتعالى.

      ثم كان الحديث عن عهد الخليفة الراشدي الرابع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (رضي الله عنه)، وتطور القضاء في أيام حكمه، وإشرافه عليه، وتفريق الشهود عند أداء الشهادة، وتفريق المدعى عليهم عند أخذ الجواب منهم، ووقوفه عند حكم الشرع، وابتعاده عن المؤثرات، في القضاء، والقضاء في المظالم والحسبة، وقوته رضي الله عنه. وقد أظهر في كتابه أبرز المنجزات القضائية التي تمت في العهد الراشدي، وذكر بعض قضاة ذلك العهد، وترجم لهم بشكل مختصر.

  • القضاء في العهد الأموي

       توسع الشيخ القاضي الحقاني في الحديث عن القضاة في العهد الأموي، وترجم لخُلفاء بني أمية، ومدح الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز، وأشاد بعدله، وتَقواه، وصِيامه، وقيامه، وأخلاقه، واحترامه للعلماء والفقهاء، وجُلوسه إليهم، واستفادته منهم. كما أورد تطور القضاء في العهد الأموي، وأهم المستجدات فيه، وعن تعيين القضاة، وعَزلهم، وأرزاقهم، واعتزالهم، وميزات القضاة، وعن المراقبة، والمتابعة على القضاء، وتدقيق عمر بن عبد العزيز في النظر في اختيار القضاة، حتى لا يبتلي الناس بقاض يتخبط منهم بغير حق، ولهذا اشترط عمر بن عبد العزيز، في القاضي خمسة شروط، ولا يجوز له أن يتولى القضاء حتى تكتمل فيه الشروط، وهي: العلم، والحلم، والعفة، والاستشارة، والقوة في الحق، وذكر القضاة في العهد الأموي في المدينة، والبصرة، و الكوفة، ومصر، وقضاة سائر الأمصار، في العهد الأموي بالأندلس، وإفريقيا.

  • القضاء في العهد العباسي

      تحدث قاضي القضاة الشيخ الحقاني عن القضاة في العهد العباسي، وترجم لخلفاء بني العباس، حتى سقوط بغداد 656 هجرية، وعلق تعليقاً جميلاً على خلفاء بني العباس، فقال: هؤلاء خلفاء بني العباس، خلال خمسة قرون وربع قرن، قد تفاوتت حالهم تفاوتاً كبيراً جداً، في الخلافة، وحسن الإدارة، والورع والتقوى، ورعاية حقوق الناس، واِتباع الأحكام الشرعية، وأشار إلى صلة القضاء في العهد العباسي بما قبله، والتغيرات والزيادات في الإدارة القضائية في العهد العباسي، وإقرار قاضي القضاة، وبين أن الأمر الجديد، الذي برز في القضاء الإسلامي لأول مرة، ظهور منصب قاضي القضاة، الذي اِستحدثه الخليفة العباسي هارون الرشيد في بغداد عام 170 هجرية، وبيَّن سبب ظهور هذا المنصب، فهو نتيجة طبيعية لاتساع رقعة الدولة الإسلامية، وانشغال الخليفة بالمهام الجسيمة في الخلافة، فاحتاج الخليفة، إلى من ينوب عنه، في هذا الجانب الخطير والعظيم، فهارون الرشيد هو أول من استحدث هذا المنصب، وفي إطلاق هذا اللقب الجديد، وهو قاضي القضاة، إذ عيّن هارون الرشيد، الإمام أبا يوسف يعقوب بن إبراهيم، فيعين من أشار به أبو يوسف، ويقتصر عمل قاضي القضاة، على ترشيح من يراه مناسباً من أهل العلم والصلاح والعدل، ليعرضها على الخليفة، فيُعينه في الأمصار، ولا يعين الرشيد قاضياً إلا إذا رشّحه أبو يوسف، واستمر في هذا المنصب حتى وفاته عام 182 ه،  وأفاد الكاتب جزاه الله خيراً، وأعطى فكرة واضحة عن تاريخ القضاء في العهد العباسي.

  • القضاء في المغرب والأندلس

      تكلّم عن القضاء في الأندلس والمغرب في العهد الأموي، وعن أمراء بني أمية في الأندلس، وعن تطور نظام القضاء، وعن التنظيم الإداري والقضائي في الأندلس والمغرب، وعن ميزات التنظيم الإداري للقضاء في الأندلس، وخلاف القضاء في بغداد، كقاضي الجماعة، وقاضي المدن الكبيرة، وقاضي المدن الصغيرة، وقاضي الأشراف الذي استحدثه يوسف بن تاشفين في عهد المرابطين، وهو قاضٍ خاصٍ للفصل في المنازعات بين الأشراف، وقاضي النصارى، وقاضي السوق أو الحسبة، و صاحب الشرطة، وصاحب المظالم، وقاضي الجند، وخطة الرد، وهي بمثابة محكمة عليا، أو محكمة تميز، أو محكمة نقض، وهي من الخطوط التي تميز بها الأندلس، ولم تعرف في الشرق الإسلامي وبغداد، ويطلق على من تقلد هذه الخطة اسم: صاحب الردّ؛ لأن الأحكام تردُّ إليه، وكان أدنى منزلة من منزلة قاضي الجماعة.

         إن كتاب تتمة النظام في تاريخ القضاء في الإسلام، يكشف لنا الجهد الكبير، والثقافة الموسوعية، والإلمام بالحضارة الإسلامية في مشرقها ومغربها، ونظرة قاضي القضاة بإمارة أفغانستان الإسلامية الشيخ الحقاني الأفغاني، لمفهوم الأمة الواعدة في صورتها الحضارية والثقافية والتاريخية والعقائدية، ولم يُهمل أسماء قضاة الأندلس، بل تَرجم لهم، كالقاضي يحيى بن يزيد، وعبد السلام بن سعيد، ومصعب بن عمير، ومحمد بشير المعافري، ومعاوية بن صالح الحضرمي، والفرج بن كنانة، ومنذر بن سعيد وغيرهم.

  • القضاء في العهد العثماني

        بعد ذلك، ذهب بنا قاضي القضاة الحقّاني إلى تاريخ القضاء في العهد العثماني، وافتتح حديثه، بكلمات رصينة، وأحكام عادلة عن الدولة العثمانية، فقال: واتفق العلماء على أن من وقف على سِير الدولة الإسلامية، يعلم أن الدولة العثمانية، من أحسن سِير الدول الإسلامية، بعد الدولة الراشدية؛ لأنهم متمذهبون بمذهب أهل السنة، صحيحو العقيدة، ناصرون لأهل السنة، قائمون بتعظيم الصحابة، وأهل البيت والعلماء الصلحاء، ولهم فتوحات شهيرة، وهم أصحاب الجهاد والغزوات.

         كما أنه ترجم للسلاطين العثمانيين، وتحدث عن شروط القاضي، في العهد العثماني، والجهاز القضائي، وتعدّد درجات القضاء، وحصر القضاء في المذهب الحنفي، وإنشاء مدرسة القضاء الشرعي، وذَكر بعض قضاة العهد العثماني.

        يعتبر كلام قاضي القضاة عبد الحكيم الحقاني، سياجاً متيناً لهذا الجيل، والأجيال القادمة، وفقه ميزان رشيد، في كشف الحقائق، والدفاع عن تاريخ هذه الدولة السُّنية، التي تعرضت للتشويه في الماضي والحاضر، من أقلام كتب الغرب الأوروبي، والقوميين العرب، وأتباعهم من العلمانيين، وأولئك المنغمسين في ثقافة الحضارة الغربية المنحرفة، والبعيدة عن الإنصاف والحكم بالعدل كما نجد ذلك في كتابات المستشرقين، وأهل الزيف، وأعوان الاستعمار.

  • القضاء في ظل حكم الإمارة الإسلامية في أفغانستان

     ختم الشيخ العلامة عبد الحكيم الحقاني الأفغاني هذا التطواف التاريخي، بالحديث عن تاريخ القضاء في أفغانستان، وعَرَّف بالقطر الأفغاني، ولماذا سميت بأفغانستان، وطبيعة سكانها وأحوالهم، والقضاء في زمن السلطان أبو القاسم محمود الغزنوي (971 – 1030م)، وفي عهد أحمد شاه مسعود (1724 – 1773م)، وفي عهد شاه محمود، وتتبع تاريخ القضاء في بلاده، إلى عهد الإمارة الإسلامية الحاكمة في أفغانستان، وأشار إلى دوافع قيام الإمارة الإسلامية، وعن التدخل الأمريكي وحُلفائه، وجهاد الأفغان الطويل، بقياده المجاهد الملّا عمر محمد عمر، واستمراره في الجهاد حتى بعد وفاته، والتفاف الشعب حول قيادته، وتطور القضاء في أيام الإمارة الإسلامية، وأبرز المستجدات في عهد الشيخ المجاهد هبه الله أخوند زاده (2016 وحتى الآن) في المؤسسة القضائية، وتحدث عن وظائف المحاكم وتشكيلها، ووظيفة الإدارة المالية، ووظيفة المحكمة الابتدائية، ووظيفة محكمة المرافعة، ووظيفة التمييز، ووظيفة المحكمة النظامية، ووظيفة محكمة الاحتساب، وعن معايير تعيين القُضاة في الإمارة الإسلامية، وتحدث عن اهتمام أمير المؤمنين هبه الله بالقضاء والقضاة، وحِرصه على إكمال حوائج القضاة، باهتمام زائد، وتطبيق الأحكام الشرعية، ويَحتاط في تطبيقها زياده احتياط، حتى أصدر مكتوباً يَمنع إجراء حكم القتل، إلا بعد إِعلامه، وإذنه، لما رأى من تغيير حال قضاة الزمان، كما منع عمر بن عبد العزيز (رحمه الله) في إمارته، عماله عن القتل، إلا بعد إعلامه، وإذنه به، بعد أن كان مطلقاً لهم لما رأى من تغيير حالهم.

       إن القضاء في الإمارة الإسلامية في أفغانستان، خاضع لأحكام الشريعة الغرّاء، وتسعى لتعميم العدل بين الناس، ورفع الظلم، وعقيدة الحكام في الإمارة الإسلامية في تطبيق الشريعة الإسلامية، لا تتزعزع، وغير قابلة للنقاش، ولديهم رؤية متعلقة بالقوانين الوضعية، فإذا جاءت مخالفة للقرآن والسنة، أو خارجة عن مبادئ الشريعة العامة، وروحها التشريعية الهامة، فهي باطلة بطلاناً مطلقاً، وليس لأحد أن يطبقها، ويستدل قاضي القضاة الشيخ عبد الحكيم الحقاني في كتابه، عن بطلان القوانين الوضعية المخالفة للشريعة الإسلامية، بنصوص القرآن والسنة، والإجماع، فبين بأن نصوص القرآن والسنه صريحة في إبطال كل ما يخالف تعاليم الإسلام، ومن ثم انعقد الإجماع على احترام هذه النصوص الصريحة، وإبطال كل ما يخالفها، وفيما يلي بعض الأدلة التي استدل بها:

قال تعالى: “ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ” (الجاثية: 18). فقسم الأمر بين الشريعة التي جعل رسوله الكريم عليها، وأوحى إليه العمل بها، وأمر باتباعها، وبيَّن اِتباع أهواء الذين لا يعلمون، وأمر بالأول، ونهى عن الثاني، واستدل بنصوص القرآن الكريم، وهكذا قطعت الشريعة بنصوص القرآن بتحريم كل ما يخالف نصوص الشريعة، صراحة أو ضمناً، وكل ما يخالف مبادئها العامة، أو روحها التشريعية، متبعاً هواه، ومنقاداً إلى الضلال، ظالماً لنفسه ولغيره، كافراً بما أنزل الله، متخذاً لنفسه أولياء من دون الله.

وفي كتابه، تبين السُّنة حدود الطاعة لأولياء الأمر، ونهت عن طاعتهم، فيما يخالف ما أنزل الله، وقد صحّ عن رسول الله ، أنه قال: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وقال ﷺ: إنما الطاعة في المعروف، وقال: إن إجماع الأمه الإسلامية انعقد بعد وفاه الرسول ، على أنه لا طاعة لأولي الأمر إلا في حدود ما أنزل الله، وفقهاء الأمه ومجتهدوها مجمعون، على أن الطاعة لا تجب إلا في فيما أمر الله، ولا خلاف بينهم، قولاً واعتقاداً، في أنه لا طاعة لمخلوق في معصيه الخالق.

  1. أهمية المؤسسة القضائية في الدولة الحديثة

        إن الإهتمام بالمؤسسة القضائية، وتطويرها من دعائم الدولة، التي تسعى لإقامه العدل، ورفع الظلم، وبسط الأمن. فالقضاء هو صمام أمان المجتمع، بكافة مؤسساته وأفراده، وضمان جوهري لاستقراره، وحفظ حقوق أفراده، فالعدل هو ميزان الله في الأرض، الذي يؤخذ به للضعيف من القوي، وللمحق من المبطل، وإعطاء لكل ذي حق حقه.

         إن النظام الإسلامي منوط به تحقيق العدل، بين الناس جميعاً، في مختلف أوجه الحياة، فالعدل القضائي المقصود منه: القناعة بأن أفراد المجتمع البشري كلهم من حيث الإنسانية، والكرامة، والحقوق متساوون، وكلهم طبقاً لهذا متساوون أمام القانون، ولهذا يجب على القضاء إعادة الحق للشخص الذي تم التجاوز، والاعتداء على حقوقه.

        إن الإسلام اهتم بالقضاء اهتماماً كبيراً، وله في الشريعة الإسلامية مكانة رفيعة، فهو فرض وعبادة، بل من أقوى الفرائض، وأشرف العبادات بعد الإيمان بالله تعالى، لأن المظلومين يلجأون إليه لكي ينصفوا في مواجهه الظالمين، والناس يحتاجون إليه في تنفيذ الأحكام، وقطع المنازعات، والفصل في الخصومات، وإسناد الحقوق إلى أصحابها.

        إن كتاب قاضي القضاة العلامة الشيخ عبد الحكيم الحقاني، تتمه النظام في تاريخ القضاء في الإسلام من العهد النبوي إلى عهد الإمارة الإسلامية، له أهمية بالغة في محتواه، ومتميز في تبويبه، وتسلسله التاريخي، وهو إضافة نوعية للمكتبة الإسلامية، وذو فائدة كبيرة لطلاب العلم، والمهتمين بالقضاء الذي جمع صاحبه بين التنظيم والتطبيق، وخاصة لو أخذنا بعين الاعتبار من كاتبه، وهو قاضي القضاة في في دولة وليدة مثل أفغانستان، وكأنه يرسم خطة يحتذى بها في كيفية توفير الأمن والاستقرار، وتحقيق العدالة الاجتماعية في الدولة الحديثة المسلمة، وبالتالي طرحه بهذه الطريقة مهم في زمن ساد فيه الظلم والفساد والاستكبار. كما يدخل الكتاب ضمن المساعي العظيمة، لإعادة دور الشريعة الإسلامية في حياة الناس، من خلال سلطات الدولة التي تستمد سلطاتها من المرجعية القرآنية والنهج النبوي، بقوله تعالى: “الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ” (الحج: 41).

نسأل الله عز وجل بأسمائه الحسنى، وصِفاته العليا، أن يتقبل من قاضي القضاة العلامة الشيخ عبد الحكيم الحقاني الأفغاني، عمله، وجهوده المبذولة لإقامة العدل بين الناس، وتبليغ الدعوة لله، ومناصره كتاب الله، وسنة رسوله الكريم .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى