غير مصنف

كبوات على طريق التحرر

الكاتب: محمد خير كنجو

كاتب سوري عرض مقالات الكاتب

لا شك أن جميع حركات التحرر الوطني والثورات على امتداد التاريخ وقعت في الكثير من الأخطاء قبل حصد النتائج المنشودة من نضالها نحو التحرر ، وذلك عبر تفاعلات وتراكم خبرات تنجم عن المستجدات الطارئة وابتكار آليات لحلها وتلافي الأخطاء والاستفادة منها ، بالإضافة للنضج المجتمعي وتيقنه من حاجته الماسة إلى التغيير بعد عقود من القمع والتجهيل الممنهج والمتعمد من قبل سلطات الاستبداد ، حتى لايعرف الشعب حقوقه ويطالب بها ، وخاصة أولئك الذين يمسكون العصا من المنتصف ، والذين خضعوا لعمليات غسيل دماغ أيدلوجي ممنهج ، هؤلاء يأخذون وقتاً طويلاً وجهداً مضاعفاً لتوعيتهم وإعادة عقولهم للعمل للخروج من قوقعة الاستبداد و “القناعات ” الراسخة لديهم.

تابعنا في تويتر

والثورة السورية ينطبق عليها ماينطبق على غيرها من حيث الخطوط العريضة ، ولايوجد دليل إرشادي ثوري ، يمكن العودة إليه يحاكي آلية التعامل مع جميع الثورات من حيث المستجدات الطارئة والتفاصيل ، وكما اسلفت هناك خطوط عامة وعريضة يمكن الاستفادة منها والاستئناس بها ، وكما هو معلوم لكل ثورة وشعب خصوصية ومقتضيات وظروف لايمكن إسقاطها على شعوب وثورات أخرى بحذافيرها ، ولكن يمكن اعتبارها خطوط عامة يمكن الاستفادة منها ، ولذلك أعتقد أنّه من الضّروري لكل شعبٍ ثائر أن يمرّ بالمطبات والنّكسات والأخطاء ، حتى يصل للنّضج الكافي الذي يُمكّنه في النهاية من تلافيها وإفراز حلول ملائمة لتحقيق أهدافه.

وبالعودة للثورة السورية ، فإن البعض يحيل فترة الركود والاستعصاء التي تشهدها الساحة السورية ، إلى فشل الثورة السورية !! وإعلان انتصار النظام وحلفائه ، استناداً إلى تحليلاتٍ سطحيةٍ وقتية بعيدة كل البعد عن عمق الثورة السورية ومسبباتها والجرح الغائر عميقاً في قلوب السوريين.

ومازال البعض لم يدرك أنّنا مستعدون لبذل أضعاف أضعاف مابذلنا إلى اليوم من تضحيات ، على العودة لحكم الطغيان والاستبداد مرةً أخرى ، هنا لن أكابر وأقول أننا قدّمنا أفضل نموذج يمكن الاحتذاء به ، ولكن لايمكن التقليل من حجم التّضحيات التي قدمها الشعب السوري في سبيل تحرره من سلطة الطغيانِ والاستبداد ، كما لايمكن التغافل عن حجم التآمر والخذلان الممنهج والمتدرج على ثورة الشعب السوري والذي صرف في سبيله المليارات من الأموال والكثير مما كان في جعبة المجتمع الدولي من موارد لتثبيت حكم بشار وعصابته.

تابعنا في فيسبوك

وإذا أردنا التحدث عن أخطاء الثّوار السوريين فلا شك أنها كثيرة ، إن كان من الناحية التنظيمية والسياسية والعسكرية والاستراتجية ، واعتقد أنها نتيجة حتمية ومعروفة لعدة أسباب أهمها : أن الشعب السوري بعمومه عاش فترة جفاف على المستوى السياسي والمدني ، منذ انقلاب حزب البعث على السلطة عام 1963 ، ثم ماتلاه من تكريسٍ للاستبداد وتأسيس لدولة الرعب والخوف بعد انقلاب حافظ الاسد عام 1970 ، ولذلك لم يكن لدى من حملوا لواء الثورة السورية العفوية عام 2011 النضج السياسي والتنظيمي الكافي لينتجوا على وجه السرعة كيانات سياسية وعسكرية ومؤسسات مجتمع مدني رصينة لإدارة المرحلة.

وكان أشد المتشائمين يعتقد أن الثورة ستنقضي وتنتصر بعد عدة أشهر على غرار ماحدث في تونس ومصر وليبيا ، يُضاف إليه تورع وتمنع وإحجام النخب السورية في المهجر عن الالتحاق بالثورة على الأرض والعمل على تنظيمها ووضعها على المسار الصحيح وتقديم النصح والمشورة والتوجيه الكافي للثوار ، واكتفوا بتوجيه النصائح والتوجيهات من الخارج حسبما يأتيهم من تقارير ومعلومات ، وطبعاً هذا غير كاف وستبقى نظرتهم قاصرة وتقييمهم لحقيقة مايحدث في الداخل غير واقعي لعدم تواجدهم ومتابعتهم للثورة وضبط تطوراتها ومستجداتها لحظة بلحظة كما ينبغي وكما أسلفت هذا شيء طبيعي ويحدث غالباً في جميع الثورات ولكن يمكن استدراكه لاحقاً ، ولكن هذا مالم نفعله إلى اليوم للأسف ، ولو أردت الخوض في الأسباب لن أنتهي ، وكوني أحد أبناء هذه الثورة ، وعايشتها يوماً بيوم.

سأذكر أهم الأسباب التي أوصلتنا لما نحن عليه اليوم دون الخوض في الشأن العسكري لأنه يحتاج إفراد مساحة خاصة له ، وسأكتفي بالحديث عن الجانب السياسي فقط:

أولاً : عدم وثوق النخب السياسية ببعضهم البعض ، وأرادوا حصد النتائج قبل التأسيس لأرضية شعبية تستمع إليهم ويستمعون إليها وعدم فهمهم لنفسية المواطن السوري بعد 50 عام من من سطوة حافظ اسد وابنه من بعده.

ثانياً : تعاملوا مع الثورة على أنها نزاع سياسي وحزبي وأيدلوجي وبدأوا بالتقاسم والمحاصصة وهي لم تنتصر وتحقق أهدافها بعد ودون أن يكون لهم أي وزن على أرض الواقع.

ثالثاً : عدم نُضج النُخب السياسية بحد ذاتهم وقصورهم عن فهم مستجدات اللحظة ، وأغلبهم مازال يقيم الحاضر بعقلية السبعينيات من القرن الماضي.

رابعًا : المال السياسي الذي أفسد النفوس ، والوثوق شبه المطلق بما أُطلق عليهم “أصدقاء الشعب السوري ” وتبين لاحقاً أنهم من ألدّ أعداء الشعب السوري.

خامساً : لم يتحلوا بالبراغماتية الكافية للعب على المتناقضات وبناء تحالفات حسب مقتضى المصلحة واللحظة وأخذوا مواقف حدية “صفرية” من بعض الأطراف كان يمكن الاستفادة منهم وتليين مواقفهم لاحقاً.

سادساً : انفصالهم وانفصامهم بشكل تام عن القيادة الثورية في الداخل والاعتماد على شخصيات ليس لها رصيد شعبي وأخلاقي وثقافي يؤهلها لتمثيل ثوار الداخل.

سابعاً والأهم : انقسامهم لمنصات ومجالس في دول متعددة ، ولكل من تلك الدول أجندات ومصالح يجب مراعتها مما يسلب بالضّرورة جزء كبير من القرار السوري وأهداف ثورته ، كذلك التحركات الفردية الغير مجدية لأنها لاتعبر عن الجميع والدول لاتتعامل مع فرد لتمثيل ثورة شعب.

كل هذه الأسباب أدت لإتساع الخرق على الواقع ، خاصة أنّ المتربصين بالثورة كُثر ، وعلى قدرٍ عالٍ من الدهاء والخبث ، وتبين ألا مصلحة لديهم بإنتصار الثورة وإسقاط حليفهم المخلص بشار كإيران وروسيا على وجه الخصوص لا الحصر ، ومارسوا في سبيل ذلك كل إمكانياتهم السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية.

ختاماً : أعتقد أن الثورة السورية اليوم ، بحاجة الى ثورةٍ داخليةٍ ثورة على أدعياء الثورة تؤسس لمرحلةٍ جديدةٍ تتناسب مع تضحيات الشعب السوري وتستفيد من أخطاء الماضي ، وأرى أن هذه الثورة تلوح في الأفق.

وهي نارٌ تحت الرماد وبركانٌ يوشك على الإنفجار ، وستشمل مكونات ومناطق حاضنة ونفوذ بشار وعصابته ، والرهان على فشل الثورة رهان خاسر لاشك لدي ، وستنتصر وتحقق أهدافها بإذن الله رغماً عن أنف المبطلين والمرجفين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى