بحوث ودراسات

الوجه الحقيقي لدعم إيران للمقاومة الفلسطينيَّة.. حركة أمل ومخيَّمات لبنان

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن

أكاديمي مصري.
عرض مقالات الكاتب

حقيقة صراع حركة أمل مع نظام ملالي قُم

ليس بجديد الإشارة إلى أنَّ حركة أمل من تأسيس المعمَّم اللبناني، إيراني النَّشأة والجنسيَّة، موسى الصَّدر، عام 1975م باعتبارها حركة للمحرومين في العالم الإسلامي، وليست بحركة طائفيَّة. أمَّا عن تبرير إلحاق تشكيلات مسلَّحة بالحركة فكان ردْع المطامع الإسرائيليَّة في جنوب لبنان. ويضيف الشَّيخ سرور (1986م) أنَّ بعد اختفاء موسى الصَّدر في أغسطس 1978م، تولَّى تلميذه، المحامي نبيه برّيّ، رئاسة الحركة الشِّيعيَّة. وأصبح برّيّ، كما يصف سرور، “من أعمدة الحُكم في لبنان”، حيث شارك في العديد من المحافل الوطنيَّة، وتعاوَن مع رموز السِّياسة اللبنانيَّة فيما يخدم قضايا الوطن (صـ180).

غير أنَّ برّيّ انقلب على كافَّة الحلفاء السِّياسيين في لبنان، مكرّسًا ولاءه الشَّخصي للنّظام النُّصيري في سوريا، وبخاصة خلال “حرب الإخوة” أو “حرب الشَّقيقين”، الَّتي اندلعت في مارس 1988م. كما أوضح جوبين غودارزي في سوريا وإيران: التَّحالف الدّبلوماسي وسياسات القوَّة في الشَّرق الأوسط (2006م)، اتَّخذت إيران موقفًا مناوئًا لحركة الأمل لصالح حليفها الأهمّ حينها في لبنان، حزب الله، ويبدو أنَّ بوادر الخلاف بين الحركتين الشِّيعيتين المسلَّحتين في لبنان كانت قد ظهرت وقت إعداد الشَّيخ محمَّد سرور هذا المؤلُّف عام 1986م، أي قبل “حرب الإخوة” بعامين. يصف سرور من يصدّقون مزاعم عدم رضا نظام ملالي قُم عن حركة أمل، أو أنَّ الخميني أدان العدوان على المخيَّمات الفلسطينيَّة، وإن لم ينفِ صلاحيَّة التَّساؤل عن إمكانيَّة وجود خلاف حقيقي بين الرَّوافض، مشيرًا إلى أنَّ الإجابة عليه لا تكون إلَّا بعد تدقيق في أصل الحركة وعلاقة إيران بنشأتها.

الوجه الحقيقي لدعم إيران للمقاومة الفلسطينيَّة.. حركة أمل ومخيَّمات لبنان (4 من 8)

يعيد سرور إلى الأذهان أنَّ حركة أمل من تأسيس موسى الصَّدر، تلميذ الخميني وصهره، بمشاركة صادق طبطبائي، ابن أخت الصَّدر وصهر الخميني، واللواء مصطفى چمران، وزير الدِّفاع ونائب رئيس الوزراء الإيراني. طالما اتَّخذت حركة أمل مسارات سياسيَّة تخدم الأهداف الإيرانيَّة، لعلَّ من نماذج ذلك القضاء على حزب البعث العربي الاشتراكي اللبناني، المناصر لنظام صدَّام حسين في العراق. وفي أبريل 1982م، بايعت أمل الخميني إمامًا لكافَّة المسلمين في العالم، كما نشرت صحيفة ذي إيكونوميست البريطانيَّة بتاريخ 4 مايو 1982م، ولم تنخرط الحركة الشِّيعيَّة في سلوك يتناقض مع تأييدها الخميني ونظامه. وللشّيعة جميعًا موقف واحد من نظام الأسد في سوريا ومن اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، فالخميني لم يحرّك ساكنًا عند اجتياح نظام الأسد مدنًا سُنيَّة وتدميرها بزعم محاربة التَّشدُّد السُّنّي، كما لم يدِن الخميني اعتداءات حركة أمل مع مخيَّمات الفلسطينيين في رمضان من عام 1405ه؛ ويعتبر سرور أنَّ للباطنيين جميعًا موقف واحد من أهل السُّنَّة، وهو العداء واستحلال القتل ونهْب الأموال وهتك الأعراض.

يتطرَّق سرور (1986م) إلى مسألة أخرى توضح تأسّي حركة أمل بنظام الخميني، وهي التَّعاون مع الصّليبيين وتحصيل المصالح من وراء ذلك، كدأب الدُّولة الفاطميَّة عند تعاونها مع الحملات الصّليبيَّة على الشَّام في القرن الثَّاني عشر الميلادي، ثمَّ تعاوُن الشِّيعة مع المغول في القرن الثَّالث عشر على حساب المسلمين. سار نبيه برّي على نهج أستاذه، موسى الصَّدر، الَّذي كان يتعاون مع الموارنة من مسيحيي لبنان، وكان يدعمونه ماديًّا ومعنويًّا، بل “هم الَّذين منحوه الجنسيَّة وجعلوا منه زعيمًا” (صـ187). ويبدو أنَّ برّيّ، بهويَّته العلمانيَّة وتقديسه للفكر القومي، بدا أنسب لخوض معترك السِّياسة في لبنان، منه إذا كان اتَّخذ هويَّة داعية أو مرجع شيعي. وبدعوته إلى العلمانيَّة مع تمسُّكه بالانتماء الطَّائفي الشِّيعي، يخدم برّيّ أهداف داعمه السُّوري، نظام الأسد، دون الإخلال بمخطَّط الخميني لنشر التَّشيُّع، الَّذي سيقتصر على المعتقَد الدِّيني حينها، دون أن يتدخَّل في السِّياسة، وتلك في حدّ ذاتها خطوة إيجابيَّة في طريق إخضاع منطقة الهلال الخصيب إلى الملَّة الباطنيَّة.

يشير سرور إلى أنَّ ارتكاب الفظائع، مثل الَّتي صدرت من أمل في حقّ الفلسطينيين في حرب المخيَّمات (1985-1988م)، لو أنَّها ارتُكبت تحت قيادة شيعيَّة، لأساء ذلك لصورة الطَّائفة. غير أنَّ هذا الرأي قد يجانبه الصَّواب، إذا ما أُخذ في الاعتبار ما فعله ويفعله حزب الله وميليشياته الطَّائفيَّة في سوريا منذ عام 2012م، وما فعله الخميني ذاته مع معارضيه في أعقاب تأسيس الحُكم الإسلامي بعد الثَّورة عام 1979م. لو كان نبيه برّيّ يسعى من خلال فرْض العلمانيَّة إلى الانفراد بالسَّيطرة على شيعة لبنان، لكان رهانه خاسرًا؛ لأنَّ الشِّيعة ولاؤهم أولًا وأخيرًا هو للمرجعيَّات، وفي ذلك ما ينفي وجود خلاف بين حركة أمل ونظام الملالي. وقد برر غودارزي (2006م) رفْض نظام الأسد الحُكم الدِّيني في لبنان بأنَّه يهدّد استقرار نظام حُكم الأسد العلماني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى