ثقافة وأدب

 البحث اللغوي من القواعد النحوية إلى اللسانيات  وأثر “دي سوسير” في ذلك

د. الفاضل الكثيري

مفكر وأديب تونسي معاصر
عرض مقالات الكاتب

                     

     تقدّم الاتجاه اللّساني الحديث بديلا عن الدّراسات القديمة التي اقتصرت على اللّغة كظاهرة تواصل عند حدود ما قدّمه اليونان والإغريق. وتجاوزت الدراسات الطّرح الأرسطي المنطقي للتّعامل مع المنجزاللغوي ،”وتجاهلت الدراسات النحْوية والفيلولوجية (فقه اللّغة)، والّتي قامت بتقعيد اللّغة في فترة زمنية محددة، لتكون مستمرة فيما بعد، رغم خاصية التّطور الصّوتي والدّلالي للّغة” (أحمد، عمر النّائلي: الحوار المتمدن-العدد: 5968 – 2018 / 8 / 19).

     وقد كانت الانطلاقة الأولى للسانيات مع العالم الأمريكي “ويتني” (whitney) في كتابه حياة اللّغة حيث انبثقت مدرسة النّحاة الجدد”(William Dwight Whitney:(1874 ) The Life And Growth of language.p33)، وكان روادها كلّهم من الألمان، وضعوا كلّ نتائج دراسات النّحو المقارن في الاتجاه التّاريخي، ما جعل ربطهم للظّواهر التّاريخية وترتيبها مردودا إلى نظامها الطّبيعي”( نزيهة بوبكر: ترجمات كتاب دي سوسير إلى اللغة العربية، ص:14) ؛ بحيث أصبحت اللّغة ترجمانا للفكر الجماعي لمجموعات لسانية مختلفة. وقد مهّد هذا الجهد إلى ظهور اللّسانيات كاتجاه جديد في دراسة اللّغة، ومثّل “إنجاز دي سوسير قطيعة إبستمولوجية، لأنّه أعاد صياغة موروث الدّراسات اللغوية بشكل مختلف عن سابقيه من الباحثين، وهذه القطيعة مرتبطة ببعض الأفكار القديمة، فهناك بعض الأفكار التي استقاها من الذين سبقوه مثل اعتباره أنّ اللّغة ظاهرة اجتماعية، تتكوّن من خلال العمل الجمعي، ولا تعمل من تلقاء نفسها، وهي إحدى الأفكار الّتي دعت إليها جماعة النّحاة الجدد”(جميل حمداوي: مدخل إلى المنهج السيميائي، ص:32)، وكذلك استخدامه لمصطلحات مثل الدال والمدلول؛ وهي مصطلحات استخدمها الرواقيون ” الذين أسسوا نظرية سيميولوجية تقوم على التمييز بين الدّال والمدلول والمرجع”(دي سوسير: محاضرات الألسنية العامة، ص:24)، وكذلك من كتابات القديس أوغسطينيوس، كما رأى الشكلاني الروسي رومان جاكبسون أنّ دوسوسير استفاد من بودان وكورتناي وهومبولت وبيرس” (دي سوسير: محاضرات الألسنية العامة، ص:4)، إضافة إلى آراء النّحوي الفرنسي فوجلاس الّذي تطرّق إلى الألسنية الآنية، ورغم كلّ هذه الأفكار الّتي استفاد منها “دي سوسير”؛ إلاّ أنّه أحدث قطيعة إبستمولوجية في علم اللّغة؛ لأنّه أعاد صياغة الموجود بطريقة مختلفة، غيّرت النظرة إلى منهجية التعاطي مع الدّرس اللّغوي، وقدّمت نتائج علمية لم تكن لتُقدّم لولا قطيعة فرديناند دي سوسير” (أحمد النّائلي: قراءة كتاب دروس في الألسنية العامة، ص: 18) .

     أمّا الإسناد في عمليات التحويل فيتعلق بالبنيات، بحيث تقلب البنيات العميقة إلى بنيات ظاهرة دون أن تمسّ بالتَّحويل؛ أيّ بالتّأويل الدّلالي الّذي يجري في مستوى البنيات العميقة. أمَّا التحويلات التي كانت وراء وجود بعض المقومات، فإنَّها تتم في مرحلتين:

 – إحداها تتعلّق بالتَّحويل البنيوي للسلسلة التركيبية لكي نعرف إذا ما كانت منسجمة مع تحويل معين.

   والثّاني؛ باستبدال بنية هذا التركيب بالزيادة أو بالحذف أو بتغيير الموضوع أو بالإبدال، فنصل حينئذ إلى سلسلةٍ مُتتالية من التَّحويلات تتطابق مع البنية الخارجية”(عبدالله خضر حمد:  لسانيات النص القرآني، ص:99 ).. ويقصد بالتّحويل في النحو التّوليدي: التَّغيُّرات التي يُدخلها المُتكلِّم على النَّصِّ؛ فينقل البنيات العميقة المُولَّدة من أصل المعنى إلى بنيات ظاهرة على سطح الكلام، وتخضع بدورها إلى الصياغة الحرفية النَّاشئة عن التَّقطيع الصَّوتي” (رابح بومعزة: الوحدة الإسنادية دلالتها ووظيفتها، ص:42). والتَّحويل ومقوماته لا يمسُّ المعنى الأصلي للجمل، و لكن صورة المؤشرات التي هي وحدها قابلة للتغيير،”ونقصد بالمؤشرات (les marqueurs) العُقد الّتي تضفر فيها خيوط الكلام، فالتَّحويلات عمليات شكليَّة محضة، تهمُّ تراكيب الجمل المُولَّدة من أصل المعنى، وتتمّ بشغور الموقع أو بتبادل المواقع أو بإعادة صوغ الكلمات أو باستخلافها، حيث يستخلف الطرف المقوّم بطرف آخر مكانه أو بإضافة مُقوِّمٍ جديدٍ له” (القرمادي، صالح: بحوث في الألسنية العامة باللغة الفرنسية، ص:147).

      آراء دي سوسير في التّركيبة اللّغوية من خلال كتاب الألسنية العامة:(*)

   انطلق “دي سوسير” في دراسته للتركيبة اللغوية من عملية نقدية؛ قائلا: “إنّ المدرسة القديمة توزّع الكلمات إلى جذور ومواضيع ولواحق إلخ. وكانت تعطي هذه التمييزات قيمة مطلقة “(محاضرات في الألسنية العامة، ص: 223)، فالتركيب إذا إنّما يتشكل دائما من وحدتين متعاقبتين أو أكثر، وهذا ما استدلّ عليه في اللغة الفرنسية مثلا:

 (Sil fait beau.Nous sortirons.Dieu est bon. la vie humaine.Contre tous. Re-lire)؛ أي أعاد القراءة ضد الجميع، الحياة البشرية، الله صالح، نخرج إذا كان الجو جميلا.. إلخ)

   إنّ عبارة  في تركيب ما لا تكتسب قيمتها إلاّ بتقابلها مع ما يسبقها أو ما يليها أو الاثنين معا؛ هذا من جهة. ومن جهة أخرى تتسم الكلمات – خارج الخطاب- المشتركة بشيء، وتترابط في الذاكرة ، مشكّلة مجموعات تسودها علاقات مختلفة. فكلمة (enseignement)؛ أي تعلّم تجعل كلمات أخرى تنبثق في الذهن لا شعوريا (enseigner- renseigner )، إنّ للكلمات مجتمعة شيئا مشترك من جانب أو من آخر ” الألسنية العامة ، ص: 149-150 ) . وهنا لا بدّ من الملاحظة القديمة الجديدة في ما يخصّ العلاقة الترابطية في البناء الحرفي للكلمة كونها جزءا في التّركيبة اللّغوية. و الواضح أن طرح دي سوسير في العلاقات الترابطية وحدوث الائتلاف بين الوحدات اللّغوية داخل التركيب يقترب من طرح الجرجاني الذي يرى “أنّ الفرق بين الجمل ليس في الحركات الإعرابية التي تلحق أواخر الكلم، ولا في الألفاظ من حيث هي ألفاظ مفردة، وإنما في تلاؤم معاني الألفاظ المتجاورة في التّركيب” (النظريات الدلالية وأحكام النّحو العربية، ص: 300) . وقد مثّل لفكرته هاته بقوله:” ومما يشهد لذلك أنّك ترى الكلمة تروقك و تؤنسك في موضع ثم تراها بعينها تثقل عليك، وتوحشك في موضع آخر” (الجرجاني: ص: 54).

      أوّلا-مفهوم اللّغة: حدّد دي سوسير اللّغة ضمن الوقائع البشرية، فاللغة يراها “مؤسسة اجتماعية غير أنّها تتميز بِسِمات عدّة عن المؤسسات الأخرى سياسية كانت أم قانونية… فهي منظومة من العلامات الّتي تعبر عن فكر ما، إنّها-هنا- تشبه الكتابة وأبجدية الصّم والبكم، والطقوس الرّمزية، وضروب المجاملة والإشارات العسكرية إلخ…إنّها وحسب، أهمّ هذه المنظومات على الإطلاق”(محاضرات في الألسنية العامة، ص: 27) . 

    وتعدّ البنية اللغوية من الأمور التي توخاها دي سوسير؛ لذلك تظهر قيمة البنية في الدّرس اللّساني جليَّةً عندما نحاول دراسة تلك النّظريات الكلاسيكية في ثوبها الجديد المنبثق من النّظريات اللسانية الوصفية المعاصرة؛ ومن هنا أحببت أن أتناول موضوع اللّغة؛ لأبيّن الإسهام في إجراء دراسة مقارنة في نظريات البنية وتطبيقها بين نحاة العرب، وبين رائد المدرسة الوصفية “فرديناند دي سوسير” التي تعدّ هي أساس مدارس علم اللغة الغربية، ومنطلق جميعِ نظرياتها المعاصرة. فمحاولة إقامة دراسة مقارنة بين هاتين المدرستين (العربية) و(الغربية) من ضمن الجهود التي أرنو إليها من أجل كشف الغطاء عن قوة التراث اللغوي العربي، وصموده عبر الزمان، ” وكان لدي سوسير الفضل في تغيير وجه البحث اللّغوي وتحويله من المنهج التاريخي المقارن إلى المنهج الوصفي المجرد؛ الذي رأى في اللغة ظاهرة اجتماعية ومنظومة معقدة ينبغي تحليل العلاقات بين وحداتها، وجاء بإطار عام وأسلوب فكري للبحث العلمي والدّراسة، لاقى قبولا واسعا عند الباحثين في أوروبا والعالم أجمع؛ حتّى طُبع المنهج الوصفي التشكيلي في النصف الأول من القرن العشرين بطابعه الخاص”، وبرزت الإثارات اللّغوية في الثنائيات التي حدّدها دي سوسير منها ثنائية اللغة والكلام؛ لأنّ اللغة عنده نظام اجتماعي ثابت. أمّا الكلام فهو تطبيق فردي متغير. وكذلك ثنائية اللغة واللسان فاللغة لا يمكن دراستها دراسة علمية، لأنّها لا تمثل واقعة اجتماعية خالصة.أمّا اللسان فهو اللّغة المعينة الصالحة للدراسة بشكل علمي كالعربية والإنجليزية، ثُمّ أورد ثنائية الدّاخل والخارج. ففي الداخل تتم دراسة اللّغة ومعرفة أنظمتها الداخلية؛ الصوتية والصرفية والنحوية والدلالية؛ هي غير دراستها من خلال النشأة والتطور وعلاقتها باللغات الأخرى. وقد أضاف دي سوسير ثنائية الدّال والمدلول شارحا أنّ الارتباط بين اللفظ والمعنى ارتباط عشوائي أو اعتباطي نشأ بالمصادفة، كما وضع ثنائية التعاقبي والتزامني أي التّفريق بين دراسة اللغة من الماضي إلى الحاضر، ودراسة اللّغة في حالتها الراهنة ” (رازق جعفر(2010) التناقض في الدراسات التي حاولت تطبيق مفاهيم علم اللغة الحديث على العربية، مجلة آداب ذي قار، العدد:2، المجلد:1،  كانون الأول ).

     وقد وظّف دي سوسير مفهوم الصوت اللغوي باعتباره جزءا من البنية الوظيفية في اللغة، فجعل لها وظائف تتمثل في العناصر المحددة للغة نفسها، وفصّل بذلك بين أن تكون اللغة موجودة مستقلة على الظواهر الكلامية (الكلام-الصوائت– الصوامت– البنيات) الوظيفية المتممة، لأنّ اللّغة عنده ليست مجرد ظاهرة صوتية أو هي أصوات يعبّر بها كلّ قوم عن أغراضهم كما قال ابن جنّي، بل هي مجموعة من المنطوق المترابط في آداء الكلام. ولم يكتفِ دي سوسير بهذا التحديد، بل حدّد الكلام بأنّه مطوّر للغة، مرتبط بالفكر، محدّد لأنساقها، معتبرا أنّ ذلك يشمل الأنساق الفردية الخاضعة لإرادة المتكلمين، والأفعال الاقتضائية المقصودة الدلالة  للعرف اللّغوي.

    وهذا تأكيد على ما ذكره دي سوسير أنّ اللّغة ” هي منظومة تحوّلات صوتية تحدث في الكلام ، وهي التي بنى عليها رؤيته للّغة ونظريته اللسانية بحيث جعل الحرف صوتا له كيان معادل لكيان الحرف الذي يليه حتى إذا ما اكتمل المعنى في الكلمة يصبح مجموع الأحرف مقابلا دلاليا لمجموع الأصوات؛ أي أنّ الكلمة هي وحدة صوتية مكوّنة من مجموع وحدات صوت الحرف. وهذا لا يتنافى مع ما أورده ابن جني عندما قدم اللّغة في شكل مفردات، وأعطى مثلا: كلمة الأسد من خلال الحروف. فالهمزة حرف مهموس، شديد مديّ، والسين حرف مهموس أسنانيّ/ والدال حرف مطبق، مقلقل.

    وإذا تناولنا هذه الصّفات نحصل على نوع الكائن الذي تنطبق عليه هذه الحروف. وهذا ما أشار إليه دي سوسير في دراسة الصوت اللغوي باعتبار القوة والضعف، لكنّه لم يتوقف عند هذا الحد. فقدّم نظرية متطورة تجاوزت مفهوم اللّغة التقليدي إلى مفهوم الدال والمدلول باعتبار الأوّل هو الفكرة والثاني هو الصّوت؛ أي أن دي سوسير انطلق من الوظيفة الاجتماعية والنفسية للغة. ففي الأولى ركز على مفهوم الصوت في بنية الكلمة.

     وفي الثّانية ركز على الوظيفة أو التأثير الدلالي للّغة. وهنا منح دي سوسير الوظيفة اللغوية مجالا لقراءة اللغة من باب الصوت مرة ، ومن باب الكلام مرة أخرى، وقسّم ذلك إلى حقلين متوازيين: حقل يعتمد الصّوائت ودلالتها، وحقل يعتمد البنى الكلامية ووحداتها.

  صوت – لفظ – فونيم  // مقطع  – بنية – دلالة   

 وأمام هذه المعادلة التي قدمها يصبح تناول اللغة ضمن المعادلة الآتية: صوت = لفظ + فونيم

  لفظ = بينة + فونيم = دلالة.

     وبهذا التّقسيم يكون دي سوسير قد تناول اللّغة من حيث العناصر الدّاخلية المتعلّقة بالصّوت والعناصر الخارجية المتعلقة بالبنية. وقد طرح في هذا الإطار مستويين من الألسنية: الألسنية الخارجية والألسنية الدلالية. وبما أنّ دي سوسير رأى في اللّغات شيئا” معطى وعلى الألسني معرفة أكبر عدد منها حتّى يكون قادرا على استخلاص الشّمول منها، فإنّنا لا نعرف الكتابات عامة إلاّ فكريا، وأن اللّغة تسمو على الشكل المنطوق” (الألسنية العامة، ص: 39) .

   وكان دي سوسير قد انطلق من أنّ اللّغات تتطور وفق نظامها الصّوتي أي معرفة الظواهر الصوتية التي تدخل معطيات اللغات الأخرى. فالحرف (م)= (M) هو المكوّن الرئيس والمشترك بين جميع اللّغات كما هو الحال كلمة (أم) الذي مازال يحتفظ بأصله وجذوره. كما هو الحال في الفارسية والعربية والإنجليزية والفرنسية؛ ( مادر- أمّ)، (mother -maman) ، فالتطور الصوتي بين هذه الكلمات هو الذي جعل جانبا من دراسة دي سوسير لها قيمة علمية في إبراز المعطى اللغوي، كون اللغة ظاهرة اجتماعية بامتياز.

    وهنا طرح دي سوسير نظرية الأحرف البنائية في مكوّن كلمة (أمّ) وركّز على العلاقة بين الكلمة المكتوبة والمنطوقة، و”أن الكلمة المكتوبة لا تمتزج بالكلمة المنطوقة التي هي صورتها بشكل (م) حتّى إنها تستلب منها دورها الرئيسي، وكلّ ذلك يسوقنا إلى أنّ نولي تمثيل العلاقة الصّوتية أهميّة مساوية؛ إن لم تكن أكثر مما نوليه العلامة ذاتها” (الألسنية العامة، ص: 40) وقد قدّم دي سوسير اللّغة وفق: مستويين: مستوى عمودي، وآخر أفقي.    

     وهذا يصعّب الفهم على غير الألسني من خلال فهم العلاقة بين وحدات اللّغة وتشكيلها؛ لأنّ اللّغة في حدّ ذاتها هي منتظمة بقانون الدّلالة والصّوت وتصاقب الحروف مع المعاني؛ إذ لا يمكن أن تأتي هذه الحروف اعتباطيةً في دلالة المعنى. “فالعلاقة بين الحروف؛ وإن كانت في بعض اللّغات فيها شيء من الاعتباط؛ إلاّ أنّها في اللّغات القياسية تأخذ شكل القياس اللّفظي والدّلالة الماديّة، إذ يقول دي سوسير” إنّه لمن الواجب أنّ نلفظ حرفا ما بهذا الشّكل أو بذلك، فإنّنا والحال هذه؛ نأخذ الصورة بدل الأنموذج ثم لكي يلفظ المقطع (wa-oi) لا بدّ أن ينوجد في حد ذاته” ( محاضرات في الألسنية العامة، ص:72).

   وفي الواقع أنّ المقطع (wa) هو ما يكتب (oi)  يرتبط بلفظ استنسابي، ولتفسير هذه الغرابة  يقدم مقاربة في الحروف (o) و (i) ، وهذا تعبير خاطئ أيضا، ما يعني أنّ “دي سوسير” انطلق من لفظة صوتية، فقدّم كلمة (wazo) مختلفة حرفيا عن كلمة (oiseau). وهنا تطرّق إلى اختلاف اللّهجات التي تحولت إلى لغات في المنطوق الأوروبي” ( محاضرات في الألسنية العامة، ص:72).

     ثانيا-الاشتقاق: إذا كان الاشتقاق في اللّغات الغربية قد انطلق من خلال المحاكاة الصّوتية، فاختيار الدال ليس دائما اعتباطيا، ولكن هذه الكلمات المحاكية للصوت ليست أبدا عناصر عضوية لمنظومة الألسنية، كما أنّ عددها أقل بكثير مما نعتقد، وإنّ كلمات ؛ مثل: صوت وجرس قد استحوذت على السمع بجهورية إيحائية، ولكن يكفي الرجوع إلى رسمها اللاتيني (fouet) المشتقة من (Fugus) أي زان، و(glas) مشتقة من(Classism)حتّى إنتبين أنّ الكلمة من غير أصلها، فنرى أن هناك قرابة ما بين هذه الأصوات” محاضرات في الألسنية العامة، ص: 91.

    فالاشتقاق في واقع الأمر يرقى إلى أن يكون علما في اللغات الأجنبية، فهو كما ورد في اللغة الفرنسية مقتصرا على جوانب تركيبية معينةـ تتعلق بالتركيبة اللفظية للمعنى، وتتداخل فيه الألفاظ المتجانسة والمتضادة على حد سواء، وهو متوافق مع ما ورد في المعجم الفرنسي”(*):  

    إنّ التعريف يدلّ على أنّ الاشتقاق في اللّغة الفرنسية بشكل محدّد مختلف عن اللّغة العربية، وعن خصوصيتها، لكنّ الفكرة الاشتقاقية موجودة في اللّغات الأخرى بشكل مشابه. و قد دلّت الدّراسات في اللّغة الفرنسية مثلا على أنّ الاشتقاق لم يصل في هذه اللّغة إلى مستوى التّركيب الكامل للاشتقاق؛  وخاصة إذا نظرنا إلى أنواع الاشتقاق (Types de derivation):

-الاشتقاق التّراجعي؛ أي إنّه اشتقاق عكسي (Dérivation régressive (inverse)  وهو استخراج كلمة بسيطة التركيب من كلمة طويلة التركيب؛ كأن نزيل اللّواحق اللفظية الفعلية مثل ( er-ir) أو اللواحق الاسمية مثل (e)  ومثال ذلك هذه التركيبة:

Exemple : accorder – accord / demander – demande / medecine – medecin
                    v               n             v                 n               n                n   

              – الاشتقاق غير الجيد (Derivation impropre)، يتكون في تغيير الفئة النحوية للكلمة دون المساس بشكلها وفق(المورفولوجيا المعجمية)   

Exemple : coucher – le coucher / bon -le bon                           
                     v                          n         adj        n                               

  – الاشتقاق المتشظي (Dérivation parasynthétique) هو عملية تتكون من إضافة كل من السوابق واللّواحق لاشتقاق كلمة من فئة نحوية أخرى وفق تغيير الشّكل؛ ومثال ذلك: 

Exemple : bourgeois – embourgeoiser / courage – encourager 

              adjectif            verbe              nom          verbe


   وقد أفردت اللغة الفرنسية المفردات المركبة خانة خاصة أطلقت عليها المركبات الاسمية مثل كلمة الغسالة (machine a laver) واللّحاف)  (Sac de couchageوالمظلة((parapluie  وغيرها.

    وهذا الأمر مختلف بعض الشّيء على اللّغة الأجنبية الّتي أوردها دي سوسير؛ والّتي اعتمد في معظمها على ما جاء في اللغة اللاتينية انطلاقا من محاكاة الكلمة للصوت، ويقدم بذلك أمثلة من خلال الرّجوع إلى أشكال الكلمات اللاتينية (Fouet) مشتقة من (Fagus) أي زان (Clas) مشتقة من (Classicum). وقد عدّ هذا التطور على مستوى الصوت مقارنة بالكلمات الأصلية المحاكية له، وأضاف خانة أخرى تحدث فيها عن الكلمات الأصلية من ذلك (Glou-Glou) و(Tic- tac)؛ وهي ليست بالكلمات القليلة العدد، بل إنّ اختياره لها كان اعتباطيا إلى حدّ ما، وذلك “لكونها لا تتعدى التقليد التقريبي والنصف اتفاقي لبعض الضجيج لتقابل الكلمة الفرنسية (ouaoua) والألمانية (Wauwau). فهذه الكلمات تنساق في التطور الصوتي والعرقي، وكذلك كلمة حمامة (pigeon) والمنحدرة من اللاتينية العامية (pipio)، وهذه الأخيرة مشتقة بدورها من كلمة محاكية للصوت “(الألسنية العامة، ص:91).

    وفي هذه الأمثلة قدّم دي سوسير مستوى أوّل للاشتقاق، لكنّه اشتقاق من لغات أخذت من بعضها، ولا يمكن اعتباره اشتقاقا إلاّ بقدر ما نراه تحولا صوتيا من لغة إلى أخرى؛ أو بالأحرى هو تطور على صعيد البنية الصوتية للكلمة في مقارنة بين لغتين؛ وبخاصة إذا اعتبرنا أن الفرنسية هي لهجة تحولت إلى لغة منحدرة من اللغة اللاتينية.وعنده أن اللغات ليس لها حدود طبيعية والصعوبة تكمن في تحديد الاختلاف بين اللهجات واللغات، فغالبا ما تسمى لهجة ما لغة بفعل انتاجها أدبا” (الألسنية العامة، ص: 246).

  وفي المستوى الثاني طرح دي سوسير مسألة العلاقة بين المركب اللغوي من خلال اللغة الفرنسية والمركب الصوتي، فأورد تحت عنوان الوظيفة الآنية لشكل تجمعات المفردة والتي يتحكم بعضها في بعض، وأعطانا مثالا للكلمة المركبة (de-faire) متناولا إيّاها من زاويتين: الأوّلى من حيث السّوابق (de) ، والثانية من حيث اللّواحق (re). ففي الأوّلى دخول سابق (coller) على فعل أصلي بمعنى لزق، ليصبح منفيا (decoller)؛ بمعنى نزع. وهنا يصبح إدراجها في باب تضاد المعاني منسجما مع فكرة التضاد، ولا ينسجم مع فكرة الاشتقاق. كما أنّ “نوعية توظيف هذه الصّيغ تتمثّل في علاقة التزامن بين الفعل التّقريري والفعل التّأثيري حيث تتجلى قيمة علامات النظام السيميائي لهذه الصّيغ لهذه الأفعال” (يوسف، عبد الفتاح: ( 2015) الانتخاب اللساني ووظائف الخطاب، ص:146 ).  

أمّا الجانب الثّاني في الفعل (faire) بمعنى صنع فهو قابل للتّعبير الصّوتي، وبالتّالي الصّرفي إذ بتصريفه مع الضّمائر تحذف (re)، وتتغير مع ضمائر الجمع:        

  الفعلالضمائرvousNousJeالتحول الأولالتحول الثاني التحول الثالث
 Verbe faireFetesfaisonsFais (s)=re(sons )Tes
    Verbe boire Buvezbuvonsbois(s)=re( vons)Vez
Verbe manger mangezmangeonsmange-(r) ( ons )Z

    ومن الملاحظ أنّ دي سوسير تعامل مع الاشتقاق بشكل مقطعي صوتي، وعد ذلك “محاكاة صوتية من مثل (Tic- tac .Glou-glou) ( الألسنية العامة، ص: 90)، وقد رأى اختيار هذا النوع من الاشتقاق هو اختيار اعتباطي إلى حدّ ما” (الألسنية العامة، ص:91). واعتبر دي سوسير في دراسته لهذا الموضوع أن اختلاف بعض الأصوات كلمة واحدة، وإنّما يندرج في التطور الصّوتي والعرفي الّذي  تتعرّض له الكلمات الأخرى، والتركيز على الكلمات المشتقة هو إبراز للكلمة “محاكية للصوت أيضا ( محاضرات في الألسنية العامة، ص:91) . 

    ونستطيع القول: إنّ الاشتقاق ( Derivation) هو الآخر لم يخرج عن القياس الصّرفي، بل هو متشابه مع سواه في اللغة العربية ماعدا صيغ المبالغة وبعض الصيغ التي تختص بها لغتنا العربية. فكلمة (jouer) ينبثق منها ( joueur) ، ( jouet) ، (jouant) . وهذا ينطبق على اللغة العربية  (لعب، لاعب، لعبة، اللعب )، ولا يختلف هذا الوضع إلا في صيغ المبالغة حيث تفتقد اللغة الفرنسية مثيلها في اللغة العربية، فإذا أردنا اسم المفعول (ملعوب) واسم المكان (ملعب)، وصيغ المبالغة (لعيب، ولعوب. وهنا نرى أنّ اللغة الفرنسية نفسها عجزت عن اشتقاق ما يضاهيها أو يوازيها في اللّغة العربية. فصيغ المبالغة من (jouer) فعل لعب أضيف لها ملحق حتّى تؤدي المعنى المطلوب (Bon joueur).

    أمّا اسم المكان فقد جاء من مفردة مختلفة (Stade)، ولا نعرف فعلا استعمل للدلالة على هذه الكلمة، إلاّ إذا نظرنا إلى الجذر اليوناني (Stadium)، وهذا يختلف عن أصل الاشتقاق.  وفي هذا الإطار طور البنائيون نظرياتهم ، ووضعوا افتراضين ، الأوّل يتعلق ببناء المعرفة ، فالفرد هو الذي يبني معرفته  نتيجة تفاعله الحسي مع المجتمع المحيط ، ومعرفة الفرد دالة على خبرته بحيث في الاتصال الذي نجريه مع الآخرين لا يؤدي إلى أفكارنا إليهم بالمعنى نفسه الموجود في عقلنا ، بل إن أفكارنا تثير معاني مختلفة لدى الآخرين ومن ثم فإن البنائيين ينكرون فكرة نقل المعرفة “(عبدالله عبد الرحيم معوض القياس عند دي سوسير، ص:34).

   أمّا الافتراض الثاني، فيتعلق بوظيفة المعرفة التي رأى البنائيون أنها تؤدي إلى التكيف مع العالم المحسوس. والمعرفة هنا هي نفعية تساعد الفرد في تفسير خبراته  الحياتية “(القياس عندي دي سوسير، ص: 34).

     ثالثا-الدّلالة: تعدّ الدّلالة من المفاهيم التي أولاها دي سوسير عناية فائقة وأفرد مباحث مهمّة في دراساته اللّغوية، وقد استفاد من دراسات من سبقوه لهذه الرّكيزة في البحث اللّغوي، فالدّلالة عنده كيان (نفسي) له جانبان يوضحهما الشّكل الآتي للدّلالة اللّغويّة.  

 Concept  المفهوم
Image Acoustique     الصورة السَّمعية

     فالمفهوم والصّورة السّمعية هما وجهان لمسألة واحدة، فهما مترابطان بشكل وثيق لا ينفصلان؛ بحيث إن المفهوم يستدعي حضور الصّورة السّمعية، والسّمعية تستدعي حضور المفهوم.

   ومن هذين المنحيين وضع دي سوسير مفهوما آخر سمّاه الدلالة للجمع بين المفهوم( الدال) والصورة السمعية (المدلول)، وحدّد تلك المفاهيم وفق معادلات أفضت إلى ما يعرف اليوم باللّسانيات الحديثة في علاقة مباشرة على التّركيز على مفاهيم أصبحت اليوم قوام الدراسات اللغوية الحديثة، واللسانيات البنيوية وما تطلبه من تأكيد جذري عن المعنى في الوصف والتحليل على اعتباطية العلامة وتأكيد صرامة الإجراءات فيها” (غلفان، مصطفى: ( 2013) اللسانيات البنيوية، منهجيات واتجاهات، ص: 226). وقد وضعها في نطاق ما يعرف بالمفاهيم البنائية، فأطلق مصطلحات: الدّال (signe) والمدلول ( signifiant) والمرجع (reference) والعلامة (signie). وأطلق على

 Signifie               

شجرة signifiant

   وهنا لا بدّ من القول إنّ العلامة اللّغوية (signe linguistique) تتكوّن من عنصرين هما الدال ( شجرة )، والمدلول هو التّصوّر. وهذا ما يمكننا من القول: “إنّ المفهوم يساوي المدلول؛ بمعنى وجود أصوات (شـ جـ ر ة). فالدّال يساوي الصّورة السّمعية للمفردة بكل ما يملكه مستعمل اللّغة من معان متعلقة بهذه الصورة. وهذا ما يجعلنا نقول إنّ المدلول موحّد في جميع اللّغات بخلاف من الدّال؛ لأنّ كلّ لغة لها دالّ خاصّ بها. 

    ومن هنا قسّم دي سوسير الدلالة إلى مجموعة علامات انطلاقا من مبادئ عدّة ؛ منها مبدأ اعتباطية العلامة، والّتي تُختزل في رمز لتعيين العلامة الألسنية أو على الأصح على ما سماه الدّال والرّمز. وهنا فإنّ هذه الصّفة ليست اعتباطيةً بشكل عام أبدًا، و”هو ليس بفارغ، إنّما يوحي بفكرة. فالدّال يتعلّق بالخيار الحرّ للفرد الإنساني الناطق إستنادا إلى المحاكاة الصّوتية. أمّا فيما يخصّ الكلمات المحاكية للصّوت، فإنّها لا تتعدّى التّقليد التّقريبي للصّوت” (دي سوسير: الألسنية العامة، ص:98) في دائرة دراسة اللّغة الواحدة، فقد قدم مستويين صوتيين في لغتين مختلفتين؛ هما: الفرنسيّة واللاتينيّة، وقدّم دراسة للتغيير الدّلالي على مستوى بنية الكلمة.

    أمّا المبدأ الثّاني فينطلق من صفة الدّال كونه متمتعا بالاتساع من جهة، والبعد الواحد من جهة أخرى. فالدوال السمعية” لا تتصرف إلاّ عبر الخط الزّمني، وذلك مقابلة مع الدوال البصرية” (الألسنية العامة، ص: 100).

     وقدّم دي سوسير الدلالة على ثلاثة دوائر متسعة، عدّ فيها البنى اللغوية دلالات صوتية انطلاقا من دلالة الحرف؛ كونه الدّال الأوّل على المركّب اللّغوي أو الإشارة الصّوتية الّتي تحمل بعدا كيانيا للصّوت نفسه، رغم أنّ قيمة الحروف هي سلبية وتفريقية بشكل صرف” (الألسنية العامة، ص:145) ، لذلك كان وجود عدم خلط العلامة بكتابة الحروف أمرًا فاصلاً، بين الصّوت والكتابة نفسها.

     أمّا الدّلالة الثّانيّة، فتتعلّق بالمفردة؛ وهي كيان لغوي صوتي لها معنى خاص مرتبط بالعرف اللّغوي الّذي يحمل دالا ومدلولا في حدّ ذاته في اتجاهين متعاكسين، فإذا ما حصل التّنافر بين العناصر المكوّنة لبنية الكلمة كان التباعد قائمًا. ومن هنا تفقد الدّلالة قيمتها؛ أمّا إذا كانت المماثلة والتّجانس؛ فإنّ تشكل المعنى يكون قائما في انسجام الدّال مع المدلول. وبعبارة أخرى، إنّ قيمة الكلمة ليست ثابتة ولا محدودة، وإنّما تتحدّد بقصدية الدّلالة، أو إمكانية تأويلها أو مماثلتها بكلمات أخرى، ولا يحكم هذه العملية إلاّ العلاقة الإسنادية في إطار التّركيبة ذاتها في اللّغة. فدي سوسير تجاوز اعتباطية اللغة من خلال العلامة المقدرة في كليتها وشموليتها، ورأى أن مفهوم التركيب لا ينطبق على الكلمات وحسب، بل على مجموع “الكلمات والوحدات المعقدة من المقاييس والأصناف كافة الكلمات المركّبة والمشتقّة، أقسام الجمل، الجمل الكاملة” (الألسنية العامة، ص: 150).

    كما رأى أنّ العلاقة الرابطة بين مختلف أجزاء التركيب يجعلنا نعتبر العلاقة الّتي تربط الكلّ بأجزائه علاقة مفهومية تركيبية “فالجملة هي النمط الأفضل للتركيب غير أنّها تنتمي إلى الكلام لا إلى اللّسان” (الألسنية العامة ص:151).

    وعليه؛ فإنّ العلاقة الإسنادية هي دليل عن العبارات العائدة إلى اللّغة؛ وهي عبارات مهيأة وجاهزة وفق دلالات معينة أو أجزاء من الدّلالات. فكلمة (Allons donc) هي عبارة جاءت بصيغة الأمر، لكنّ خصوصيتها الدلالية وتركيبتها الإسنادية تحمل دلالات الجملة التامة وفق تقدير الضمير(نحن) (allons nous) فحذف الضمير( nous) وبقي الفعل (allons verbe a l imperatif). فالفاعل مضمر دلّت عليه لواحق الفعل، محدّدا بحرف (s) الّتي تعني (نحن)، وبالتّالي كانت العلامة الإسنادية هنا علامة اقتضائية، تتحدّد باستعمال الفعل في الزّمن، وبها تستند اللّغة إلى صيغ نظامية في تركيبتها حسب سيّاق الكلام.

    ومن الدّلالات التي تطرّق إليها دي سوسير دلالة اللّواحق والسّوابق مثل (croyable-decroyable-incroyable  ) في اللّغة الإنجليزيّة.

     وهذا ما جعله يعلل نسبة العلامة، ويضرب مثالا “كلمة (vignt) أي عشرين فهي غير معلّلة، في حين أنّ كلمة (dix neuf) معللة بدرجة أخرى، وتوحي بالعبارات التي تركّب منها وبالأحرى التي ترتبط بها هذه الكلمات ( -vignt- dix neuf-soixante) ، فإذا أخذنا وحدة العشرات، فإنّ كلمة (dix neuf) تقدم تعليلا آخر مختلفا عن الرقم عشرين، وكذلك هو الأمر بخصوص (Poirier) شجرة إجاص التي تذكر بالكلمة البسيطة (poir) (الألسنية العامة، ص: 158-159).

    وإذا كان دي سوسير قد ضرب لنا هذه الأمثلة في العلاقة الدلالية، فإنّ هذه الأعداد تبقى مجرد أسماء تحتاج إلى تحديد لفهم دلالاتها؛ أي أنّها لا ترتقي للتركيبة الإسنادية، وبالتالي لا ترتقي إلى مستوى العلامة، وبالتالي، فإنّ دي سوسير لم يعتبرها كذلك إلاّ عندما اختزل مفهوم المعدود؛ لأنّ العدد بمفرده لا يمنحنا الدَّلالة الإسنادية إلاّ من خلال التّركيبة الإسنادية نفسها، بعكس الأسماء الأخرى؛ كشجرة وحصان وبيت، فإنّ الدلالة المعنوية بادية على مستوى اللّفظ والصّورة.

      لذلك أرى أنّ ما قدّمه دي سوسير على الرّغم من أهميته يحتاج إلى إعادة نظر؛ وبخاصة إذا قارنا ذلك بالعلاقة الإسنادية، كما أنّ تعميم دي سوسير للعلاقة الاعتباطية أو ما أسماه الاعتباطيات المطلقة والنسبية كان يحتاج إلى تحديد أكثر دقة، إذا ما أردنا أن نحدد ما قدمه من أعداد وأسماء الأشجار والحيوانات والآلات.  

 رابعا-الصّوت: يعدّ الصوت عند ديسوسير علامة لها” صيغ بسيطة مجردة، وصيغ مركبة” (الألسنية العامة، ص:188)؛ لذلك أخذ شكلا واحدا لكون العلامة من ضمن الأشكال الّتي وجدت عليها أي أنّها تتكوّن من “جزءين هما الدّال والمدلول. وقد حدّد الدّالكونه صورة سمعية مشتقة من بيان صوتي. أمّا بالنّسبة للمدلول فهوالتّصور الذّهني الّذي تثيره الصورة السمعية في ذهن المستمع؛ ومثال ذلك عندما نسمع صوت حيوان ( ذئب)، فإنّ دال العلامة يرسم لك صورة الذئب، و دي سوسير نفسه ربط العلامة بدواخل الإنسان، لأنّ العلامة في حد نفسها ارتبطت بالصّورة بشكل نفسي، وهو الذي عد العلامة شكلا غير مادي للصّورة المنطوقة أي الصّورة الصّوتية، وهو يقصد الأثر السيكولوجي. ” إن صفة  التّطورات الصّوتية، إنّما تردّ إلى اعتباطية العلامة الألسنية التي لا رابط يوثقها بالدلالة” ( الألسنية العامة، ص: 184) . 

      وبهذا تكون العلامة هي تلك الأشياء تسمعها الأذن، والملاحظ هنا أنّ دي سوسير تعامل مع وحدات صوتيّة خالصة بسيطة ليؤكّد أنّ الصّوت ليس بشيء مادي، بل اعتبره حضور الذّات؛ أيّ الانطباع الّذي سيترسخ عند المتلقي إثر سماع الكلمة الّتي تعطيه لوحة كاملة توضّح طرفي العملية الكلامية ( نسرين مشراوي، الصّوت في اللّسانيات الحديثة، مجلة الفصول، أدبية ثقافية، العراق، ص: 27). وقد تعامل دي سوسير مع الأصوات على أنّها دالّة موجودة في أذهان المجتمع، وتبعا لذلك تحوّلت الأصوات اللّغوية التي ينتجها الجهاز النطقي لدى الإنسان إلى علامة فارقة. هذه العلامة ارتكز عليها دي سوسير من منظوره اللساني اللّغوي على أنها منهج صوتي مختصرا إياه في مصطلحين: دال ومدلول أو صوت و فكرة. فالصّوت عنده شيء مادي رغم أنّ هناك دراسات لغويّة أخرى تعدّه سلسلة أصوات ماديّة في الواقع” ( مشواري، نسرين: الصوت في اللسانيات الحديثة، ص:14)، وهذا ما أثاره علماء لاحقون.

    إنّ اعتبار دي سوسير الصّوت موازيا للعلامة كونها صورة مسموعة غير مادية، يجعل للصّوت قابلية التّقسيم وفق دراستين تتعلّق كلّ منهما بالكيان الصّوتي. فالأولى تعالج الصّوت وفق مقتضى التّوصيف الصّرفي، حين تتعلّق الثّانية بالعلامة باعتبارها صورة الكلام المنطوق كمرسلة لغويّة. 

    والملاحظ أنّ دي سوسير أضفى على “الصّورة الصّوتية الذّهنية الصّبغة الاجتماعية الّتي يمارسها الأفراد، فتنتقل من صورة صوتية ذهنية إلى أصوات لغوية حيّة من خلال الكلام” (مشواري نسرين: الصوت في اللسانيات الحديثة، ص:15).   

    وقد تناول مستوى آخر مركّزا على الصوت البشري باعتباره كيانا لفظيًّا موزّعا بين الصّوامت والصّوائت، وعليه، فقد جعل الصّوت قياسًا للتغيّر في البنية الكلامية وتمايزاتها من جهة قياسا للحرف باعتباره دالاًّ في البنية التّركيبة، ومعادلاً للصّوت كما هو في اللّغات الأنجليزية (w) والألمانية ( j ) والفرنسية (y).

   وهنا انتقل إلى إمالة الحرف نحو الصّوت، وأنا أعتقد أنّ الحروف الثّلاثة تتغيّر صوتيًّا بتغيّر المفردة إلى أصوات منفتحة ( u.i ) مقابل صوتي (i) و (u) اللّذين يستعملان كصوتي (u-i). وهذا ما يظهر في كلمة (yeux) الفرنسية والتي يتغير فيها الصّوت للدّلالة على المتغير اللّفظي، إذ يمكننا أن نكتب (Zieu). وهنا حلّت الحروف اللّينة( voyelle ) محلّ الحرف الصّامت (z)، وبالتّالي قدّم دي سوسير الكيان الصّوتي على الكيان اللّغوي من خلال التغيّر الحرفي معتمدا على التّغير الصّوتي في اللّغات الهندوأوروبية. وقد قدّم مثالا صوتيا حسب منطوق اللّغات الّتي تناولها. فالتغيّر الصّوتي مكوّن من مكوّنات البنية الصّوتية في الكلمة الواحدة. فكلمة عربة في اللّغة العربية تلفظ في الألمانية (wagn) (وڤــَـنْ) وفي الفرنسية (wagon) (فَڤـَن) وفي الأنجليزية (wagon) (واڤـِن)، وهكذا يبدو التّغير الصّوتي فاصلا بين لغة ولغة أخرى. وهذا ما يبرز من خلال:

   الصّوت وفق مستوى الكيان: إذا كان الصّوت كما أشرنا سابقاً عند دي سوسير هو كيان لفظي يتحدّد من خلال المنطوق اللغوي باعتباره منطوقاً مفهوماً؛ أي أنّه أداة تواصل ينعكس في إطار صورة سمعيّة مشتقّة من بيان صوتي؛ إذ إنّ ما يسمّى بالكيان الصّوتي هو محدّد من خلال النّبرة أي النّغمة التي يندرج فيها، فيعكس أسلوب المتكلّم وانفعالاته وأدائه التّعبيري. وكلمة كيان هي انعكاس للنّاطق نفسه؛ أي أنّنا أمام معادلة تقوم على الصّوت يساوي مصّوت( الصّوت) ودلالة (تعبير). وغالبا ما اعتبرت التغيرات الصّوتية تكيّفا وشروط الأرض والمناخ، إن بعض اللغات الشمالية تكدس الصوامت، وبعض لغات الجنوب تستخدم الصّوائت بشكل واسع” الألسنية العامة، ص: 180) ، كما أنّ ” التّبدل لا يصيب الكلمات، بل الأصوات.. وما يتبدّل إنّما هو الصّوتيم” (الألسنية العامة، ص:175). وهنا يتابع دي سوسير قوله:” فليس الصنف التّصوتي هو الذي تغيّر، بل الصّوتيم كما يبدو ذلك في بعض شروط محيطية وأخرى نبرية ” (الألسنية العامة، ص: 176) . أمّا التعبير الصوتي، فله تأثير نحوي ” يقوم على الأجزاء المتميزة في الكلمة، والتي كانت تسهم في تثبيت قيمتها حيث تصبح غير قابلة للتحليل. إن الكلمة تصبح كلا لا يتجزأ؛ مثال ذلك في الفرنسية ( Ennemi)  أي عدو من اللاتينية (Amicus-Inimicus) ( الألسنية العامة، ص: 188)، وبالعودة إلى الصوت ككيان خاص بكل عنصر حيّ فإنه معادل دلالي للكيان نفسه.           ” فالتبدل لا يصيب الكلمات بل يصيب الأصوات، وهذا حدث معزول مثله مثل جميع الأحداث التزمنية غير أنّ النتيجة تكمن في تغير جميع الكلمات تغيرا مشابها وذلك عندما يكون الصّوتيم مثار تساؤل”        (الألسنية العامة، ص: 175). وبما أن الصوت يحمل دلالته في ذاته، فصوت الحيوان يدلّ على نوعه، وكما أنّ الحيوانات تستدلّ على بعضها بالأصوات، وكذلك الإنسان يستعمل الصّوت كميزة اختلافية بين النّاس أنفسهم من جهة، وبين الأفراد في إطار تعبيرهم عن ذواتهم.

  الصّوت وفق مستوى العلامة:

    وضع دي سوسير الصّوت في إطار العلامة؛ لأنّه اعدّها أصواتا تسمع بمدارك السّمع، وتعامل مع وحدات صوتية خالصة بسيطة لتؤكّد أنّ الصّوت ليس بشيء حسيّ بقدر ما هو كيان كلامي، بل باعتباره حضوراً للذّات وفق دلالة المرسل.

  وهنا يرى دي سوسير أنّ الظّاهرة الصّوتيّة هي غير محدودة ولا مقسّمة؛ بمعنى أنّها تمسّ أي صنف من “أصناف العلامات من دون تمييز بين اسم وصفة، وبين جذور ولاحقة أو لاحقة وحركة إعرابية” (محاضرات في الألسنية العامة، ص: 185). وهذه المقاربة تمنحنا ما يسمى بالمرجعية الصّوتية أي أنّ العلامة هي تمايزية تفاضلية في الصّوت نفسه؛ ذلك أنّها على مستوى اللّغة تمثل الفارق الصوتي من خلال الأسلوب والحالة التعبيرية والتمايز اللغوي أي اختلاف اللّغات وهي من جهة أخرى(أي العلاقة) مؤشر دلالي يستوجب انتفاء الحاجة الصوتية وفق المعيار الصّوتي للعلامة ذاتها. إذ إنّ دي سوسير في تأسيسه لإبستمولوجيا اللغة عرّفها على أنهّا نظام من العلامات كما أنّه ” أكّد على أنّ اللّغة بكونها عنصرين مهمين يشتركان في تأدية اللّغة لوظيفتها هما الأفكار والأصوات “( نسرين، عشراوي، مجلة صدى الفصول، ص:40). وبما أنّ العلامة متواجدة في المنطوق اللّغوي؛ وهي صورة من العالم الحقيقي، فإنّ مفهومها كما رأى دي سوسير يولد ليحيا من جديد في علامة العلامة؛ وهي اعتباطية قائمة بين الدّال والمدلول في علامة ضروريّة؛ حيث إنّهما ترسخان في الذّهن؛ كون مفهوم المدلول هو الرّوح للصّورة والذّات أيضاً؛ لأنّهما يرتبطان ببعضهما بعض. وهذا ينفتح على اجتماعية اللّغة؛ لأنّ دي سوسير أضفى على الصّورة الصّوتية الذّهنيّة الصّبغة الاجتماعيّة الّتي يمارسها الأفراد، فتنتقل من صورة صوتيّة ذهنيّة إلى أصوات لغويّة حيّة من خلال الكلام.

      – الصّوت وفق مستوى التّعبير: بما أنّ التّعبير هو درجة عالية من الكلام تعادل الفصاحة، فإنّ المؤشر الصّوتي بآلياته التّعبيريّة يتحوّل من مجرّد صوت إلى كيان كلامي؛ واضح الدّلالة خارج من اعتباطية الصّوت. وهذا ما وضّحه دي سوسير في علاقة اللغة نفسها بالمجتمع. فالتّبدل “لا يصيب الكلمات، بل يصيب الأصوات، وما يتبدّل؛ إنّما هو الصّوتيم. وهذا حدث معزول مثله مثل جميع الأحداث التّزمينية، غير أنّ النتيجة تكمن في تغيير جميع الكلمات تغيّرا مشابها، وذلك حيث يكون الصّوتيم مثار تساؤل”(الألسنية العامة، ص: 175).

    ولاحظ دي سوسير التغيّر على مستوى الأصوات الطّويلة والقصيرة التي ولجها التغيّر كما هو الحال لحرف (I-ei-ai) واختفاء بعض الأحرف كما هو الحال (h) في كلمات مثل (Leihen-sehen)، فإنّها تكتب (Leien-Senen) الّتي وردت في الكلمات بالنّطق نفسه في اللغة الألمانية.(الألسنية العامة، ص: 175). وقد وضّح دي سوسير علاقة اللّغة بالمجتمع؛ لأنّ الرّوابط التّواصليّة تنطلق من الآليّة التّعبيريّة الصّوتيّة التي ” تخضع لقوانين التّقليد، لأنّ مبدأ التّغيرات الصّوتية قد يكون نفسيا صرفا” (الألسنية العامة، ص: 184)، وبمقتضى علاقتها نحكم على معياريّة اللّغة في إطار تواصلها وفي صوتها الوظيفي. وإذا لم” تقف الظّواهر الصّوتيّة عند أيّ حدّ، فلا بدّ أن تثير اضطرابًا عقيمًا في الجهاز النّحوي” (الألسنية العامّة، ص: 185). وقد يحدث الإدغام الصّوتي تغيّرا في حالات النّطق، لذلك رأى ” أنّ الجذور والنّهايات الإعرابيّة كانت صوتيّةً “(محاضرات في الألسنية، العامة، ص:189).

     وهذا لا يختلف كثيرا عمّا ورد عند علماء اللّغة العربيّة، عندما قال ابن جنّي “اللّغة أصوات يعبّر بها كلّ قومٍ عن أغراضهم”، فربط الصّوت بالتّعبير، والتّعبير بالمقصد والغرض جليّ، وبالتّالي فإنّ التّعبيريّة الصّوتيّة هي عملية ذهنيّة إبلاغيّة، وفق معادلة ( التّعبير= صوت + تصوّر ذهني). إنّ “فوارق الصّيغة والنّبرة في الزّوج (baro+baronem) هي بالطّبع سابقة للتغيّر الصّوتي… إنّ تطوّر الأصوات يجعل الفوارق موجودة قبله أكثر قوّة، ولا تكون هذه الفوارق أينما وجدت ناجمة عن الأسباب الخارجية كما هو حال الكلمات المستعارة” الألسنية العامة، ص:190).

  – الصّوت وفق مستوى الإشارة: تعدّ الإشارة في تركيبتها الصّوتية مؤشّرا متعلّقا بالدّال كمرجعيّة مفهوميّة، وبالمفهوم كمرجعيّة مشهديّة، إذ لا يمكن حصر الإشارة إلاَّ وفق المستوى الإيمائي والمستوى الذهني. وهنا تصبح  مرجعية الصّوت مرجعية إشاريّة في تحديد المقصد، وتبليغ المرسلة والإشارة الصّوتيّة، و بذلك لا تكون انعكاسا لحالة المتكلم فقط، بل هي انعكاس لتحديد درجة الكلام ومستوى المتكلّم.

    وبما أنّ الإشارة هي مزيج من من الفكرة الذهنيّة والصّوت الحسيّ؛ فإنّ الجانب التّعبيري فيها هو المحدّد لمقصدها ؛ ذلك أنّ (signe) تعادل مفهوما + مقصدا .

    ومن خلال العملية التّوضيحية الّتي تعكس التّعبير الإشاري؛ بحيث تصبح الإشارة معادلاً لرمز في إطار دلالي معلوم عرفيًّا أو علميًّا. وقد تحدّد الصّوت بمستواه الإشاري من خلال الدلالة المسموعة كصوت القطار والسّيارة أو الأسد  والشّاة مثلا، أو العوامل التّعبيريّة كالأصوات اللّغويّة المعروفة عند الإنسان مثل أفعال الأمر والنّداء والانفعال وغيرها، أو العوامل الذّهنيّة كإشارات البدء والتّوقف والتّباعد عند الرّياضيين والجنود وغيرهم ، وهذا ما أشار إليه دي سوسير في غير مقطع، إلاّ أنّه أرجع ذلك إلى وظيفة اللّغة كلّها.

   خامسا- تصاقب الحروف وتصاقب المعاني: من معاني التّصاقب في القاموس:”القرب ومجاورة”      (اللّسان، ج:1، ص: 469)؛ ومن دلالات “صقبناسب وجانس، وقارب”( اللّسان، ص: 470). وقد جاء مفهوم التّصاقب معادلا لاعتباطية العلامة عند دي سوسير. فالدّال هو الحرف أو هو البصمة الصّوتية، والحرف قد يقع على صوت واحد أو صوتين؛ كما أنّ اعتماد اللّغة على حروف لا يحتّم تطابق معنى الحروف مع معنى الكلمة. منها التّأثيل؛ ومنها اللّواحق، والسّوابق، ومنها التّناسب؛ ولكنّ المفردة المعتمدة هي التّأثيل الّتي تختصّ بكلمة من الكلمات. فالتّأثيل في واقع الأمر أضحى عنصرًا متميّزًا في الألسنية التطوريّة، ذلك أنّ ورود كلمة من كلمة أخرى يمنحنا للتّركيبة الحرفية في هذه الكلمة، لأنّ وجود علاقة بين الكلمات هو تفسير آخر لمن قالوا بوجود علاقة بين الصّوت والمعنى. وإذا رجعنا إلى القول:”إنّ اللّغة ظاهرة صوتية لا يمكن الحكم عليها إلا ّإذا كان هذا الصّوت مفهوما للمتلقي اللّغوي، فإنّ الكثير من علماء اللّغة العرب يرون في الصّوت حرفا أو مجموعة أحرف متشكّلة صوتيا وليس هناك من ضرورة أن يكون الحرف ليس بالضرورة موافقا للحرف الثّاني. والقول بالاعتباطية عند دي سوسير لا يُساوي معنى “حر”، فالدّال اعتباطي والمدلول هو الآخر اعتباطي.

    –الحرف وتناسبه للمعنى: في هذا المنحى لا يمكن وضع الحرف إلا إذا كان لبنة وظيفية مهمة في  العناصر المكونة للكلمة ومعرفة التغيرات التي تحدثها هذه الأحرف في تحولها من لغة إلى أخرى. وهنا يستدل دي سوسير بكلمة (Labourer) أيّ حرث أو اشتغل المأخوذة من الفرنسية القديمة (عمل). وهنا تبدل المعنى بشكل عام، وكذلك عند مقارنة (couver) أي حضن المأخوذة من اللاتينية (cubare) أي نام، بحيث إنّ الاختلاف الصّوتي أو التبدل رافقه تبدل حرفي، وبالتالي فإنّ هذا التبدل أنتج كلمة جديدة في تركيبة الكلمة الأولى المتكونة من مقطعين (cou-ver). في حين أن الكلمة اللاتينية تألفت من ثلاثة مقاطع، لكن تصاقب الحروف أدى إلى تصاقب المعاني كل بحسب اللغة التي ورد فيها. ونحن هنا نسجل علاقة اشتقاق نحوي في المثل الأوّل. كما أنّ هناك تطابقات زمنية في الحالة الثانية وهناك علاقة  تزامنية بين الكلمات(محاضرات الألسنية العامة، ص:75). وهذا في حدّ ذاته يظهر أن تصاقب الأحرف يعدّ مؤشرا  قياسيا أساسا في البحث التّأثيلي.  

  – تصاقب المعاني وفق مواصفات الحرف: في تصاقب المعاني وجوب حتمي لانتظام الأحرف، فاللسان هو منطوق كل قوم، لذلك ورد في القرآني ﴿ أنزلناه بلسان عربي مبين ﴾. فاللّسان وفق هذا السيّاق يشمل اللّغة+ الكلام. ومن خلال السياق؛ فإنّ الكلمة شهدت تطورا. وهنا لا بدّ من القول: إنّ هنالك تصاقبا زمنيا في المعنى نفسه. فكلمة (العلم) وردت بمعنى الجبل في الشّعر كما أوردته الخنساء:

         إنّ كعبا لتأتمّ الهداة به    كأنّه علم في رأسه نار” ( ديوان الخنساء، ص: 25)

 والتفسير ما ورد  في المركب الإسنادي ( كعب تأتم الهداة به )  المقابل للمركب الإسنادي الثاني ( كأنه علم) فالمركبين احتويا على صور بلاغية. الأول كناية والثاني تشبيه. وقد وردت المفردة  علم بمعنى السيد المبرّز في شيء ما، فنقول هذا علم في اللغة أو الشّريعة أو غيرها، ثم تطورت دلالة هذه المفردة؛ لتطلق على هذه القطعة من القماش التي تحمل رمزا معينا للبلد كإحالة إلى التعريف به حتّى صار لكل دولة علم.

      وهذا التّطور في المفهوم منحنا تأويلاً خاصّا لتغيير المعاني بتغيّر الدلالة وفق سياق تصاعدي بين التّزامن  والتّزمن، ليقع الالتباس عن القاعدة التّطوّرية للسّياق اللّغوي؛ بحيث إنّ الكيان اللّغوي للمفردة يندرج في إطار ما يسمّى بالبعد المعرفي الآني؛ لأنّ أي عملية فكرية لمعرفة تصاقب المعنى للمفردة غالبا ما تكون منحصرة في الإطار الزّمني؛ أي دراسته وفق التّطور اللّغوي ” وعندما نعرف” أيّ معنى وأيّ دور يجب إسنادهما إلى كلّ جزء من السلسلة، فعندئذ نرى وضوح المعنى من خلال التّطور الدّلالي. إنّ اللّغة هنا تبدو مجموعة من العلامات المحدّدة مسبقًا؛ والتي تكفي دراسة دلالتها وأحكامها وفق معناها” (الألسنية العامة، ص: 126).

     إنّ طريقة التّجديد في المعنى تأخذ شرعيتها من العرف اللّغوي نفسه الّذي يحدّ الانزياحات التّزامنية للكلمة، فيمنحها معنى آخر مختلفًا عن المعاني القاموسيّة.

    وهذا ما يحتاج إلى منهج علمي يمكن تسميته علم التّزامن اللّغوي، كون هذا التّطور الدّلالي لا يتطوّر إلاّ من خلال التّعاقب الزّمني، وهنا نلاحظ الثّبات للمعنى في بداية تشكله والتّطور الدلالي الّذي حصل فيه رغم ثبات الرّسم الكتّابي.

  سادسا-  القيّاس عند دي سوسير: تعدّ المقاييس المنافذ المنفتحة على الألفاظ، ولولاها لضاقت” اللغة على الناطق بها، “فيقع في نقيصة العِيِّ والفهاهة، ويكثر من الإشارات التي تخرج به عن حسن السّمت والرّزانة، ويرتكب التّشابيه؛ محاولاً بها إفادة أصل المعنى، لا كما يستعملها اليوم حلية للمنطق ومظهراً من مظاهر البلاغة”(1) . وقد ظهرت النّزعة إلى القياس بشدّة عند بعض النّحاة مثل أبي علي الفارسي القائل: “لأنّ أخطئ في خمسين مسألة ممّا به الرواية أحبُّ إليّ من أن أخطئ في مسألة واحدة قياسية””(2).
    وقد تناول النّحاة مفهوم القياس فقد عرّفه ابن الانباري بقوله: ” هو حمل فرع على أصل وإجراء حكم الأصل على الفرع ( ابن الأنباري”(3)، وعرّفه في موضع آخر أيضاً، فقال: “هو حمل غير المنقول على المنقول إذا كان في معناه”(4) . ولكن القياس عند دي سوسير قائم على جملة حسابات رياضية، فالشكل الجديد عنده يقاس على شكل آخر وجد موضعا له في اللّغة وفقا لقواعد القياس. وقد صاغ العمليّة القياسيّة في معادلة رياضيّة بتمثيل لقياس الكلمة اللاتينية (honor) التي حدث فيها تغيير في اللاحقة (R ) التي كانت (S) . فالكلمتان الأجنبيتان الآتيتان تبرزان مدى التغير الحاصل على مستوى التّبدّل الحرفي فيهما Õrătorem : Õrator=honorem× honor” (languistique generale .p: 197)، ولكن هذا لا ينطبق على كل القياسات اللغوية ففي اللغة العربية؛ مثلا نجد: جمع نصيحة = س = نصائح، وجمع فريدة = س= فرائد، غير أن هذه القاعدة لا تنطبق على كلّ الحالات القياسية؛ كما هو الحال في كلمة (سبيّة) فجمعها سبايا و(جميلة) جمعها جميلات.  

     فالقياس الّذي انطلق منه دي سوسير وركّز عليه هو قياس الظّواهر الصّوتية الّتي تتّسم بإرخاء الرّوابط الّتي توحّد بين الكلمات، وهو الّذي نظر في كيفية دخول التّجديد اللّغوي من خلال القياس  والتّجديدات القياسيّة من خلال أعراض التّغيرات التفسيريّة، وهو مبدأ للتّجديد والمحافظة.

    والقياس هنا؛ يوازي تأثير هذه التحوّلات، ويظهر جميع التّغيرات الطّبيعية كمظهر الكلمات الخارجي التي ليست من الطبيعة الصوتية. فنظرياتالقياس وتطبيقها بين نحاة العرب، وبين رائد المدرسة الوصفية “فرديناند دي سوسير” تعدّ هي أساس مدارس علم اللّغة الغربية”(1).( ماسيري، داكوري: (2012) القياس بين اللّغة العربية ودي سوسير، ص:32.) وقد نظر دي سوسير نفسه إلى القياس على أنّه “البرهان الدافع بوجود عنصر تشكيلي كوحدة دلالية في فترة ما… والقياس يعمل على وحدات جديدة من فترة إلى أخرى، ففي الفرنسيّة الحديثة تحلل ( somnolent) أي ناعس (somnol-ent)  كما أنّها اسم فاعل ودليلنا في ذلك هو وجود فعل (somnoler) أي نعس؛ غير أن اللاتينية كانت تقطع (somno-lentus) أي ناعس مثل (succu-lentus) أي لذيذ”(الألسنية العامة، ص: 207). والقياس هنا يظهر “تأثير في إبدال أشكال قديمة غير منتظمة بأخرى أكثر انتظاما ومركّبة من عناصر حيّة” ا(لألسنية العامة ص:207) .

      وقد اعتمد القياس الظّاهرة الصّوتية كما اعتمد التّناوبات الّتي تختلف في هذه الظّاهرة؛ إذ إنّ الآليّة اللّغوية غدت غامضة جدًّا؛ بحيث تتفاوت من خلال التّغيير الصّوتي في الأشكال الجامعة للكلمة والقياس في الأساس هو تحديد مادي لمسألة محسوسة أو معنوية. وبما أنّ دي سوسير قد وضع القياس كأساس مرجعيّ للحكم على الظواهر اللّغوية وهو آلية من آليات بحثه اللّغوي شأنه في ذلك شأن ابن جنّي؛ وهو الذي يحتاج إلى” نماذج تمثّل معطيات منظمة؛ كون القياس نفسه إنّما هو شكل جعل على صورة شكل آخر أو أشكال أخرى، وذلك بحسب قاعدة معينة “( الألسنية العامة، ص: 197).

    والقياس عند دي سوسير هو آليّة عمل لغوي بامتياز؛ بحيث راعى الأشكال ،وأعاد انتظامها، ووازى التّعبير الصّوتي المتنوّع، كما راعى الانتظام؛ وهو ينزع إلى طرائق التشكيل والإعراب. و”نستطيع تصنيف الكلمات بحسب قدرتها النسبية على توليد كلمات أخرى وقابليتها للتحليل إلى حدّ ما، إنّ كانت الكلمات البسيطة هي- تحديدا-غير مولّدة (magasin-arbre-racine) (مخزن – شجرة – جذر) وكلمة (magasinier) أي صاحب مخزن لم تأتِ من كلمة (magasin)، بل هي مشكّلة كما هي على نمط 

(prosonnier) (prison ) ( سجين– سجن) وكذلك، فإنّ كلمة (emmagasiner) أي خزّن مدينة في وجودها إلى القياس (encadrer.emmailloter)؛ أي قمط و أطّر.( الألسنية العامة، ص: 202) .

       هذه النقاط المهمة جعلت النّحويين المحدثين يتجاوزون النّظرة القديمة للقياس (Honor) ليمنحوه مكانته الحقيقية المعتمدة على التّغيرات الصّوتية وما يرافقها من تبدّلات من خلال عوامل تطوّر اللّغات.

    وإذا ما نظرنا إلى أشكال اللّغة نستشفّ من ذلك قياس قواعدها على نظام قياسيّ موروث؛ بحيث إنّ القياس الواقعي يتطلّب الأنموذج الشّرعي الموروث والمنافس اللّغوي والشّخصيّة الجمعيّة الّتي تكوّن الأشكال الّتي خلقت هذا المنافس، ولا يمكن أنّ يتمّ القياس إلاّ بوجود أصل لغوي يشكل حالة منتظمة تتوافق وحالات أخرى تمثّل ظاهرة لغويّة؛ كأن نقيس فعل اللّفيف المفروق المعتلّ (وفى) لنستخرج منه القاعدة، عندئذ نقول: إنّ القياس يستوجب حروف العلّة ليبقى هناك حرف واحد صحيح على غرار الأفعال (عِ: فعل من وعى/ فِ: فعل أمر من وفى…).

   وقد رأى دي سوسير أنّ القياس أصل الخلق اللّغوي، لأنّه باختصار ينطلق من نظام نحوي يفترض إدراكًا وشعورًا وترابط الأشكال فيما بينها. وقد ضرب لنا دي سوسير مثلا في القياس الضّروري والانتقال الصّوتي من (S) الواقعة بين صائتين إلى(R) من اللاتينية (honosem =honorem) إنّنا لا نرى مقارنة بأشكال أخرى، ولا معنى الكلمة. فالشكل الحرفي (honosem) هو الذي انتقل إلى (honorem )، وعلى نقيض ذلك ولبيان التّمايز بين لفظتيّ(honos-honor). وهنا يجب أن نتذكّر صيغا أخرى كما تدلّ على ذلك صيغة حساب النّسبة الرّابعة (honorem= orator:oratorem) (الألسنية العامة، ص: 201).

وهذا التفسير لا يمكن فهمه إلاّ وفق العملية التّركيبيّة التي تكون فيها العلاقة الإسنادية واضحة؛ أي معياريّة في وحدة القياس، فإذا تناولنا التركيبة القياسية من هذا الجانب الإسنادي نرى أنّ التركيبة اللّغوية تتألف من كلمات منتظمة، ولا يجوز أن يقاس الانتظام بشكل خارج عن القياس اللّغوي؛ فإذا ما دخل تجديد قياسي في اللغة أصبحت المسألة اللّغوية تتطلّب رؤية قياسية جديدة انطلاقا من المعطى اللّغوي الجديد نفسه كما قال دي سوسير” إنّ كلّ هذه التّحديدات هي منظّمة تماما، وتقاس بالطريقة ذاتها تلك التي أقرّتها اللّغة ” (محاضرات في الألسنية العامة، ص: 205). وبما أنّ اللّغة كيان متطوّر، فإنّ هذا التّطوّر ينطلق من المستجدّات الصّوتية، إذ أنّ التعبير الصّوتي هو العامل الأكثر أهمية وواقعية. والكلمة ليست وحيدة “ولا منفردة فما لصق بالمفردة هو القادر على تقليص نسق عناصر الصّوت إلى وحدة لغويّة “(محاضرات في الألسنية العامة ص:206). والتّحليل هنا يُبنى على مجموعة مقارنات تتناول لغات من أصل واحد (اللّغة الهندو أوروبية) ذلك أنّ أثر القياس يتمثّل في إبدال أشكال قديمة غير منتظمة بأخرى أكثر انتظامًا”(الألسنية العامة، ص: 107).

وبما أنّ دي سوسير يرى أنّ القياس مبدأ تجديد ومحافظة، فإنّ ذلك ينطبق من معْطيين لغويين: الأوّل مكتوب متوارث انتظم وفق قواعد العلاقة الإسنادية، والثّاني صوتي ارتكز إلى المعطى الحالي، بحيث إنّه راعى المتغيّرات الصّوتية للكلمة الواحدة بين جيل وجيل، ولغة ولغة، فتناول الكلمة اللاتينية (agunt) كما هي تقريبا (قبل التّاريخ)؛ إذ كانت تقال (agunti)، وبقيت كذلك حتى مطلع العصر الرّوماني”(الألسنية العامة ص:109)، إلاّ أنّ الأجيال أعطتها بعدًا صوتيًّا آخر كحالة تجديد حيث تأطّرت كلمة( agunt) في منظومة متضامنة مع الأشكال مثل ( Dicuntو Legunt) ( الألسنية العامة، ص:109).

    وقد قام دي سوسير بإجراء مقاربات لغويّة في عملية قياسيّة في دراساته للّغة، لكنّ ما يهمّنا نحن في عملية القياس هذه هو المسألة الإسنادية، فإذا كان دي سوسير قد تناول تطوّر المفردة متعقّبا الاختلاف الصوتي، فإنّ الاسناد الّذي وضعه كاحتمال هو إسناد هذا التّطور الصّوتي المتقلّب إلى كلمة أخرى، للغة، وبالتالي فإنّ فعل الكينونة مثلا(Etre) في الفرنسية هو (est) وفي الأنجليزية (is-be) وفي الفارسية ( آست)، وبما أنّ الفارسية هي أقدم هذه اللّغات؛ فإنّها حافظت على الاحتفاظ بالحروف الثّلاثة، في حين حذف نطق (S) من الفرنسية وحذف حرف(T) من الأنجليزية. وهنا نلاحظ التّغير الدّلالي الصّوتي. وبهذا القياس بين اللغات الثلاث نجد مرتكزا للدّلالة على التّغتيرات الصّوتية التي تغيّرت مع الزّمن، لتصبح لغة مستقلّة بذاتها تمنح المتلقي فارقا مختلفا من لغة إلى أخرى؛ بحسب الآليّة القياسيّة للمتغيرات الصّوتية. وهذا ما أشار إليه دي سوسير في حين عدّه ابن جنّي من باب القياس السّماعي الّذي لا يخضع لقاعدة معينّة.

   وقد أضاف دي سوسير علم أصول الكلمات أو التّأثيل الشّعبي كما أسماه؛ هو “علم يبحث عن العلاقات التي تربط كلمة بوحدة قديمة جدا تعدّ هي الأصل”(Longman Dictionary of Modern English (E/A))”. يكون التأثيل في دراسة الأصل التاريخي للكلمات، ويعتمد في ذلك على تتبّع تطور الكلمة من خلال الوثائق والمخطوطات”(Thorndike Dictionary (En/Ar))، وهو فرع من فروع اللّسانيات يدرّس أصل الكلمات، ونهج تطوّرها”(الجليل، حلاّم:الأثير والدّخيل في معاجمنا العربية،ص:25)، ومقارنة المتشابه منها في لغات تنتمي لعائلة لغوية واحدة”(الألسنية العامة، ص: 211). وهذا ما منح للقياس اتساعا في بناء المعلومة اللّغويّة، وتأكيد الفرضيات المطروحة.

 وفي المحصلة قدّم دي سوسير في محاضراته اللّغوية في الألسنية العامة سبقا مهمّا؛ فتح به أبواب عديدة أمام الدّرس اللّغوي ما جعله فاتحة مهمّة أمام العلوم اللّسانية الأخرى. 


(*)    أستاذ جامعي  ومحاضر في العديد من الجامعات  منها جامعة أريس  الأمريكية  وكلية الدعوة والجامعة الإسلامية في بيروت.

(*)   اتضحت آراء دي سوسير من خلال المحاضرات التي أعطاها لتلامذته ومن ثم جمعت في كتابه المعروف عن طريق بعض تلاميذته.

(*) (La derivationUn mot dérivé est formé par l’adjonction d’un ou plusieurs affixes (préfixes ou suffixes, soudés) à un morphème lexical appelé base ; la base ultime, minimale est appelée radical. Rappel : préfixe au début, suffixe à la fin )

(1)    حسين، محمد خضر: (1380 هـ 1960) دراسات في اللغة العربية وتاريخها ، المكتب الإسلامي للطباعة والنشر، دمشق، ص:25.

(2)  ابن الأنباري، محمد بن القاسم:الإغراب في جدل الإعراب، المرجع نفسه، ص45.

(3)  ابن الأنباري، محمد بن القاسم:( 328هـ) الإغراب في جدل الإعراب، المحقق: سعيد الأفغاني( 1391هـ -1971م) دار الفكر، دمشق ، ص: 93.

(4)    ابن جني: الخصائص، ج:2، ص:88.

(1)   ماسيري، داكوري: ( 2012) القياس بين اللّغة العربية ودي سوسير، مجلة جامعة المدينة العالمية المحكمة، العدد الثاني. ص:32.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. البحث في غاية الأهمية ، إذا أنه يطرق موضوعا متميزا في البحث اللغوي بين عالمين كبيرين هما ابن جني ودوسوسير ذلك أن لكل واحد منهما بصمته في البحث اللغوي فابن تعامل مع اللغة بشكل مبكر وأبقى لنا كتاب الخصائص في حين أن دوسوسير ترك كما ثمينا من المحاصرات جمعه في كتاب في محاضرات في الألسنسة العامة وقد جاء كتابه ثورة لغوية بامنياز كان المفصل الذي فتح الباب على مصرعين لعلوم اللغة الحديثة.

    الباحثة اليامنة الكثيري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى