تقارير

مصير المصالحة السَّعوديَّة الإيرانيَّة بعد أزمة حقل الدُّرَّة

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن

أكاديمي مصري.
عرض مقالات الكاتب

منذ إبرامها في مارس الماضي بوساطة صينيَّة، يعرب كثيرٌ من المراقبين عن شكوكهم حيال استمرار مصالحة المملكة العربيَّة السَّعوديَّة والجمهوريَّة الإسلاميَّة الإيرانيَّة؛ ليس فقط لأنَّ الخلاف بين الطَّرفين يرجع إلى العقيدة الدِّينيَّة الَّتي قام عليها نظام ملالي الرَّافضة في إيران مطلع عام 1979م، إنَّما كذلك لعدم وجود أيِّ إشارة إلى استعداد نظام الملالي التَّخلِّي عن مشروعه التَّوسُّعي في المنطقة العربيَّة، بما يشمل منطقة الخليج العربي. وقد نشَرت مجلَّة فورين بوليسي الأمريكيَّة في 12 يونيو الماضي، تحت عنوان التَّقارب السَّعودي الإيراني يفشل في خفض التَّصعيد، أثار كاتبه مسألة استمرار الأعمال العدائيَّة الإيرانيَّة في سوريا والعراق واليمن، سواءً بإمداد الميليشيَّات المسلَّحة الموالية لنظام الملالي بالسِّلاح، أو بنقل المخدِّرات، أو باحتجاز سفن النَّفط الخليجيَّة أثناء مرورها في خليج عُمان.

تابعنا في تويتر

ومن المفارقات الدَّاعية للتَّساؤل استمرار مفاوضات تطبيع العلاقات بين السَّعوديَّة ودول الاحتلال الإسرائيلي، برغم ما يشاع عن وجود عداء بين الأخيرة ونظام الملالي في إيران، وإن اقتصر ذلك العداء على تبادُل التَّهديدات والحرب الكلاميَّة. وقد تطوَّرت مفاوضات التَّطبيع حتَّى أشيع أنَّ السَّعوديَّة صارت على استعداد للتَّخلِّي عن أهمِّ شرط حال دون إبرام صفقة التَّطبيع منذ سنوات، وهو تأسيس دولة فلسطينيَّة على حدود 5 يونيو 1967م، في مقابل حصول المملكة النَّفطيَّة على برنامج نووي لأغراض سلميَّة، ورفْع مستوى تسلُّحها بما يضاهي تسلُّح دولة الاحتلال. وإلى جانب ما سبق تحديده من أسباب قد تعجِّل بنهاية المصالحة السَّعوديَّة الإيرانيَّة، فهناك أزمة جديدة طفت على السَّطح مؤخَّرًا قد تعيد التَّوتُّر إلى الطَّرفين، وهو ادِّعاء إيران أحقيَّتها في حقل الدُّرَّة للغاز الطَّبيعي، الواقع ضمن الحدود البحريَّة للسَّعوديَّة والكويت، لتعيد بذلك فتْح ملفٍّ شائك يعود إلى ستِّينات القرن الماضي، وهو ما يثير التَّكهُّنات حول إمكانيَّة عودة الصِّراع إلى منطقة الخليج العربي على النَّفط، بما يفتح جبهة جديدة في حرب عالميَّة ثالثة تعيد تشكيل النِّظام العالمي القائم.

اقرأ: رداً على طعنه بالصحابة.. الشيخ العراقي “الدلوي” يصف نوري المالكي بـ “الكلب” 

أزمة حقل الدُّرَّة…جذروها وتطوُّرها عبر العقود الماضية

كما ترصد صحيفة الرَّأي الكويتيَّة، تعود أزمة حقل الدُّرَّة للغاز الطَّبيعي، وهو حقل غاز مشترك في المنطقة المغمورة بين المملكة العربيَّة السَّعوديَّة والكويت، إلى ستِّينات القرن الماضي، حيث ادَّعت كلٌّ من الكويت وإيران أحقيَّتها في التَّنقيب في ذلك الحقل، ومنحت كلٌّ منهما امتيازًا للتَّنقيب لشركة مختلفة، فينما تعاونت الكويت مع شركة شل البريطانيَّة، منحت إيران الامتياز لشركة النَّفط البريطانيَّة-الإيرانيَّة، أو بريتيش بتروليوم (بي بي)، كما عُرفت لاحقًا. فشلت مساعي الكويت ترسيم الحدود البحريَّة مع إيران، حيث رفضت الأخيرة عام 2003م عرض الكويت اللجوء إلى هيئة تحكيم دوليَّة عند فشل المفاوضات الثُّنائيَّة. وتكمن المشكلة في إصرار الجانب الإيراني على ترسيم الحدود من الجزر الإيرانيَّة وحتَّى البرِّ الكويتي، بينما يصرُّ الجانب الكويتي على ترسيم الحدود من الجزر الإيرانيَّة إلى الجزر الكويتيَّة، بموجب قانون البحار.

وفي 21 مارس 2022م، وقَّع وزير النَّفط الكويتي السَّابق، محمد الفارس، ونظيره السَّعودي، الأمير عبد العزيز بن سلمان بن عبد العزيز، اتِّفاقًا لتطوير حقل الدُّرَّة للاستفادة من موارده من الغاز الطَّبيعي، وهو ما اعتبرته إيران حينها غير قانوني. وتجدَّد الصِّراع الخليجي الإيراني على ذلك الحقل المغمور الأسبوع الماضي، حينما صرَّح وزير النَّفط الإيراني، جواد أوجي، بأنَّ بلاده ستشرع في التَّنقيب في الحقل، الَّذي تطلق عليه أراش، وهو ما أغرى وزير النَّفط الكويتي الحالي، سعد البراك، بالتَّعليق على التَّنقيب في الحقل في مقابلة مع قناة الإخباريَّة السَّعوديَّة، بقوله إنَّ “هذا حق حصري للكويت والسَّعوديَّة في حقل الدُّرَّة ومن لديه ادعاء فعليه أن يبدأ بترسيم الحدود وإن كان له حق سيأخذه وفقا لقواعد القانون الدُّولي”. وأضاف البراك، مشيرًا إلى إيران، “الطَّرف الآخر لديه ادِّعاءات ليست مبنيَّة على أساس من ترسيم واضح للحدود البحريَّة”.

تابعنا في فيسبوك

تصريح بايدن عن تطبيع السَّعوديَّة وإسرائيل يثير التَّكهنات

في مقابلة مع شبكة CNN الإخباريَّة الأمريكيَّة قبل أيَّام، علَّق الرَّئيس الأمريكي، جو بايدن، على مفاوضات تطبيع العلاقات بين السَّعوديَّة ودولة الاحتلال الإسرائيلي، قائلًا إنَّ الطَّريق لذلك لم يزل طويلًا، حيث صرَّح نصًّا “بصراحة تامة، لا أعتقد أنَّ لديهم (يقصد السَّعوديين) مشكلة كبيرة مع إسرائيل. وما إذا كنَّا سنوفِّر وسيلة تمكِّنهم من الحصول على طاقة نوويَّة مدنيَّة أو أن يكونوا ضامنين لأمنهم.. أعتقد أنَّ هذا بعيدٌ قليلاً”. أتى تصريح بايدن بالتَّزامن مع لقاء مبعوث البيت الأبيض، عاموس هوشستين، برئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، ومناقشتهما آخر مستجدَّات مفاوضات التَّطبيع، الَّتي تشمل حصول المملكة على برنامج نووي يُستخدم لأغراض سلميَّة. 

ومن المفارقات أنَّ وزير النَّفط السَّعودي، الأمير عبد العزيز بن سلمان بن عبد العزيز، ونظيرته الفرنسيَّة، آنياس بانييه روناشيه، أعلنا إبرام اتِّفاق يستهدف “تعزيز كفاءة الطَّاقة، وتعزيز التَّعاون في مجال الطَّاقة النَّوويَّة، ضمن إطار عمل سلمي وآمن، وإدارة النُّفايات الإشعاعيَّة والتَّطبيقات النَّوويَّة، وتطوير القدرات البشريَّة”. وأضافت وزيرة النَّفط الفرنسيَّة أنَّ بلادها تنافس دولًا أخرى لتطوير مفاعل نووي سعودي فائق القوَّة، وتأمل في أن تحصل على الثِّقة السَّعوديَّة في ذلك الصَّدد. ونتساءل: هل يعني التَّعاون السَّعودي الفرنسي في مجال الطَّاقة النَّوويَّة الوفاء بأحد شروط المملكة لإتمام التَّطبيع؟ وهل يُجدِّد التَّقارب السَّعودي الإسرائيلي حينها الصِّراع مع إيران في منطقة الخليج العربي؟ 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى