مقالات

الحمام العثماني.. إرث إنساني لا يسقط  بالتقادم

خولة طه

باحثة في التراث الإسلامي
عرض مقالات الكاتب

لعبت الحمامات دورا مهما في حياة الشعوب الاجتماعية والثقافية، إذ لم تنحصر مهمتها فقط في جانب النظافة العامة بل كانت في مرحلة تاريخية ما معيارا على رقي المجتمعات، فكلما زاد وعي المجتمع ازداد اهتمامه ومراعاته للمرافق العامة ونشر ثقافتها بين مختلف طبقاته لتكون صفة عامة يتشارك فيها الفقير والغني.

تعود نشأة الحمامات العامة تاريخيا إلى الحضارة الفرعونية عام 3000 ق.م، لما كان من للتطهر من قيمة وقداسة تسود وعي المجتمع المصري فلا بد للحاكم أو الكاهن أو حتى عامة الناس من التطهر قبل دخول المعبد.

إلا أن اليونان والرومان هم من أكسبوا الحمامات تلك المكانة الثقافية حيث باتت كمنتديات ثقافية يتبادل فيها النخبة المجتمعية شيئا من نقاشاتهم الفلسفية والفكرية، فيما عامتهم تتناقل أخبار البلاد الداخلية والخارجية، فكان الرومان أول من وصلوا أنابيب التصريف للحمامات وعمدوا الى توسيع الخزانات التي توفر المياه للاستهلاك اليومي.

تابعنا في فيسبوك

ومع مركزية الطهارة في الحضارة الاسلامية كان لا بد للمسلمين من أن يولوا الحمامات العامة أهمية كبيرة إذ أن الخليفة الاموي عبد الملك بن مروان امتدح أهل الشام قائلا:

تفخرون على الناس بأربع خصال تفخرون بمائكم وهوائكم وفاكهتكم و حماماتكم .

 كما أنهم وجدوا فيها قيمة اقتصادية كبيرة فعمدوا إلى رفع كفاءتها الخدمية من الناحية المعمارية والجمالية، حيث أدركوا أن قيمة الحمامات لا تنحصر في كونها صحية من حيث نشر النظافة وتجنب انتشار الأمراض والآوبئة في المجتمع، بل أيضا حلا عمليا للإشكالية التي واجهت المسلمين مع إنشاء المدن الجديدة بعد الفتوح الاسلامية والتزايد السكاني، حيث لم تكن تتوافر القدرة لبناء الحمامات الخاصة في المنازل لجميع العامة والتي كانت في العهد البيزنطي حكرًا فقط على الأغنياء والسادة في مطلع الأمر.

وقد استغل العثمانيون هذه النقطة أيما استغلال، إذ كان السلاطين والأمراء والباشاوات يعمدون إلى بناء الحمامات في قلب التجمعات السكانية ليحولوا المردود المادي العائد منها إلى صناديق تؤسس لاحقا للإنفاق على بيوت الأيتام والأرامل والفقراء، وكانت هذه السياسة متبعة في شتى أنحاء الدولة العثمانية حيث كانت الحمامات في الأسواق والمساجد نسيجا معماريا مكتملا أركانه للمدن الإسلامية.

إن أول حمام عثماني تم إنشاؤه من قبل أورهان بك في مدينة بورصة عاصمة الدولة العثمانية قبل فتح القسطنطينية، وبعد الفتح الكبير وتحولها لعاصمة الدولة العثمانية ركز السلاطين على بناء الحمامات، فقد كانت على درجة عالية من الروعة والدقة والإتقان سواء في الجانب المعماري الإنشائي أو الفني الزخرفي.

تابعنا في تويتر

وقد اهتم السلاطين و زوجاتهم ورجال الدولة  ذوو المناصب العالية ببناء الحمامات إبان العهد العثماني المزدهر والمستقر سياسيا، حتى بات بكل حي ولا تكاد تجد قرية تخلو من حمام وإن كان صغيرا.

يوجد نوعان من الطرز التي صممت وفقها الحمامات في العهد العثماني:

الأول: الحمامات الصغيرة والتي تكون عبارة عن قاعة كبيرة هي القاعة الدافئة تطغى على ما سواها من الأركان وربما تكون مثمنة الأضلاع أو ذات اثني عشر ضلعا تعلوها قبة محمولة على عقود وأقواس وقد جعلت المقرنصات وسيلة لتأمين الانتقال الآمن من القبة الدائرية الى الجدران المكونة لذلك الشكل الهندسي المضلع سواء المثمن أو الاثني عشري .

وتتفاوت أحجام الحمامات هذه حسب عدة أمور أولاها الأموال المرصودة  لبناءه ومكانة الشخصية الراعية في الدولة وكذلك المكان الذي اختير للبناء فيه.

وأما الطراز الثاني الأكثر انتشارا سواء في العاصمة اسطنبول أو الحواضر في الشام ومصر كدمشق وحلب والقاهرة والاسكندرية، وكذلك جنوب شرق أوروبا الخاضعة للنفوذ العثماني ألا وهو الحمام الذي يمتد على محور عرضي بشكل طولي مكونا من ثلاث قاعات رئيسية متتالية تتصل ببعضها البعض، إما من خلال أبواب بشكل مباشر أو بواسطة ممرات صغيرة وربما يكون هناك أكثر من غرفة مضافة إلا أن هذا النموذج يتكون بشكل أساسي من هذه الأركان الثلاثة :

البراني: عبارة عن باحة مسقوفة بعدد من العقود المتقاطعة التي تتلاقى في قبة تصطف في جوانبها النوافذ الملونة والزجاج ترتفع على رقبة مشكلة مايشبه المنور أو البرج المؤلف من مجموعة نوافذ تجتمع لتكون ختمة القبة, فيما يتخذ البراني شكلا رباعيا تتوسطه بحرة من الرخام الملون وفي مركزها نافورة المياه الباردة لتثير الرطوبة والحيوية في الأجواء.

اقرأ: كنيسة “وستمنستر آبي”.. الكنيسة الخالدة

وأما الأرضية فهي مرصوفة بحجارة مصقولة يتخللها تشكيلات بديعة من الرخام تتضمن أشكالا هندسية تتالى في انتظام وتناظر بديع, الأمر الذي أبدعه الفنان المسلم لنفوره من الفراغ غير متجاوز للأطر التي وضعها الشرع الإسلامي في المضمار الفني على النقيض من اللوحات التصويرية المجسدة التي اعتمدها الفنان البيزنطي في ملء المساحات, فيما تعلو الجدران عادة الأقواس الحجرية التي تستند عليها القبة ويوجد تحت كل قوس مصطبة وهذه المصاطب يخلع عليها الألبسة عند الدخول أو للراحة بعد الاستحمام.

الوسطاني: يفصله عن الجزء الأول الباب الذي يؤدي إلى ممر رفيع حيث تقع في أحد أركانه الجانبية المراحيض، وفي نهايته يوجد البهو ذو المصطبتين الحجريتين وفي الغالب يكون الممشى مبلط برخامات حجرية ملونة يتخللها الأسود ليمر من تحتها الدخان وبقايا الحرارة التي تسخن المياه.

الجواني: وهو القسم الداخلي والركن الأهم في الحمام وأشد الأركان حرارة, يتألف من إيوان أوسط يدعى بيت النار على جانبيه أكثر من إيوان تحتوي على الأجران الكبيرة التي تتدفق إليها المياه الحارة والباردة, يوجد على جانب كل إيوان وفي صدره أبواب ذات أقواس معقودة من الأجر أو الحجر.

كما ويوجد قسم غير كبير مقارنة بالأقسام الثلاث الأخرى، ولكنه مهم جدًا وهو الخزانة أو القمم, أي الجناح الخارجي من الحمام، وهو عبارة عن حجرة سقفها منخفض تنحصر مهمتها الأساسية في المحافظة على درجة الحرارة المرتفعة، وبالتالي عدم السماح بتبريد بخار الماء.

ولطالما عمد المعماري العثماني في تصاميمه إلى مراعاة تأمين الإضاءة نهارا بشبابيك علوية محكمة القفل من الزجاج المعشق، والتي تضفي سحرا آخاذا للمكان مع سقوط الضوء عاكسة الألوان المتمازجة على الأرضيات الرخامية لتتجلى قيم الجمال بالمقومات المعمارية الإسلامية.

وقد تكون الحمامات مفردة في الصباح تخصص للنساء ومساء للرجال كحمام مجمع السليمانية، الذي أشرف على بناءه المعماري سنان 1557م، ومازال حتى اليوم مفتوحا للعامة قيد الاستخدام أو مزدوجة بشكل منفصل يشتركان بالجدار الخلفي حيث يكون مدخل كلا منهما في اتجاه معاكس للآخر حيث للحمام النسائي في المجتمع العثماني أهمية في تجهيز العرائس للزفاف، واجتماع النساء في تبادل المباركات في الولادة واحتفال نهاية النفاس ومختلف المناسبات العائلية.

ومن أهم الحمامات المزدوجة “حمام جمبرلي تاش” الذي بناه المعمار سنان 1584م وكذلك “حمام خاصكي” أكبر الحمامات العثمانية بمساحة 75م، والذي أوقفت وارداته السلطانة حرم زوجة السلطان سليمان القانوني للإنفاق على الفقراء والأيتام.

ولا بد لنا من ذكر أن هناك نوعا من الحمامات غير معروف كثيرا وهو ما يعرف بالحمامات المعدنية، والتي تقام على العيون الكبريتية والتي تعد أهم أغراضها الاستشفاء من بعض الأمراض ولتحقيق توصيات علاجية من قبل معالجين وحكماء يعملون في طبابة الأمراض الجلدية، حيث توجد بعض النماذج منها في اسطنبول وأدرنة إلا أنها من الحمامات الصغيرة من الناحية المعمارية وذات تأثير محدود من الناحية الاقتصادية.

إن الحمام العثماني وعلى الرغم من أنه اليوم لم يعد يحظى بمكانته الاجتماعية القديمة، إلا أنه لايزال يشكل جزءا مهما من التراث الحضاري لتاريخ الدولة العثمانية على اتساع رقعتها، وأن الكثير من الحمامات في مختلف الأرجاء تشكل محطة مهمة لابد من الوقوف عليها لما احتواه المعمار العثماني من أصالة وإبداع فني راسخ حتى يومنا هذا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى