أخبار عاجلة
عشوائيَّات خلف أبراج نايل سيتي لعائلة ساويرس

بداية الفتنة الطّائفيَّة وحقيقة اضطهاد المسيحيين في مصر (2 من 12)

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن

أكاديمي مصري.
عرض مقالات الكاتب

يتطرَّق عمارة إلى مسألة مخطَّط تقسيم مصر بمزيد من التَّفصيل، مشيرًا إلى ما جرت تسميته بـ “وثيقة كيفونيم”، نسبة إلى مجلَّة “كيفونيم”، أو اتّجاهات، الإسرائيليَّة، وهي المجلَّة الرَّسميَّة النَّاطقة باسم المنظَّمة الصُّهيونيَّة العالميَّة، الَّتي نشرتها في 13 يونيو 1982م. حرَّر تلك الوثيقة صحافي إسرائيلي يُدعى عوديد ينون، وقد طرحها في مؤتمر للمنظَّمة الصُّهيونيَّة تحت عنوان “دائرة الإعلام الخاصَّة بالمنظَّمة الصُّهيونيَّة”. ترجم الوثيقة أحد دعاة السَّلام اليهود لا يعتنق الفكر الصُّهيوني، وقد نالت اهتمامًا عربيًّا واسعًا؛ نظرًا لما تكشف عنه من مخطَّطات تدميريَّة للمنطقة، خاصَّةً بعد أن تحقَّق بعض ما تنبَّأت به تلك الوثيقة مع الغزو الأمريكي للعراق عام 2003م. لا يختلف المخطَّط الصُّهيوني الَّذي تكشف عنه “وثيقة كيفونيم” عن مخطَّط برنارد لويس من حيث السَّعي إلى تفتيت العالم الإسلامي إلى دويلات على أساس ديني وعرقي، لكنَّه يزيد عليه في احتوائه على مبادئ تساعد في تنفيذ المخطَّط، ويأتي على رأسها: إسقاط الأنظمة غير الموالية لليهود من خلال إفساح المجال أمام الحركات اليساريَّة، ولعلَّ في إسقاط نظام الإخوان في مصر في 3 يوليو 2013م خير مثال؛ والتَّشجيع على الانحلال الأخلاقي وإفساد الأجيال الجديدة من خلال نشْر الإباحيَّة والفسوق؛ وتكريس الهيمنة الاقتصاديَّة الغربيَّة على العالم الإسلامي؛ وإشاعة الفوضى في العالم الإسلامي على أيدي حركات تحررُّيَّة علمانيَّة تنادي بنشر قيم الدّيمقراطيَّة والحريَّة والمساواة والإخاء؛ وتولية زعامات جديدة على الدُّول الإسلاميَّة توالي اليهود، وتكون تلك الزَّعامات من ضعاف الشَّخصيَّة الَّذين يجري تلميعهم إعلاميًّا ويسهل التَّحكُّم فيهم من حلف السّتار بما يخدم مصالح اليهود؛ والتَّرويج لأفكار دينيَّة تنافي الشَّريعة الإسلاميَّة، إمَّا بالدَّعوة إلى الإلحاد والانخراط في الماديَّة، أو بنشر مبدأ التَّعدُّديَّة الدّينيَّة واتّفاق كافَّة الدّيانات في جوهرها، ولعلَّ في الدَّعوة إلى ما يُسمَّى اليوم ’’الدّين الإبراهيمي‘‘، أو ’’الإبراهيميَّة‘‘ خير نموذج للتَّعدُّديَّة الدّينيَّة الَّتي دعا إليها المخطَّط. ومن الملفت أنَّ تلك المبادئ، الَّتي تضمنَّتها “وثيقة كيفونيم” منذ حوالي 4 عقود، قد نُفّذت جميعها على أتمّ وجه.

تابعنا في فيسبوك

أمَّا بالنّسبة لما يخصُّ مصر في مخطَّط “وثيقة كيفونيم”، فالمخطَّط يؤكّد على ضرورة استمرار حالة التَّردّي الاقتصادي الَّتي يعاني من جرَّائها غالبيَّة أفراد الشَّعب المصري، الَّذين يواجهون البطالة وشحَّ الموارد، ملفتًا إلى أنَّ “الدَّولة في حالة دائمة من الإفلاس بدون المساعدات الخارجيَّة الأمريكيَّة الَّتي خُصّصت لها بعد اتفاقيَّة السَّلام”، وإلى أنَّ “بخلاف الجيش فليس هناك أي قطاع يتمتع بقدر من الانضباط والفعَّاليَّة”. يدعو المخطَّط صراحةً إلى تقسيم مصر إلى دويلات، خاصَّةً بعد أن فقدت نفوذها الإقليمي المستقل عن الإرادة الصُّهيونيَّة وصارت بمثابة “جثَّة هامدة” في أعقاب هزيمتها أمام إسرائيل عامي 1956م و1967م؛ لأنَّ “مصر المفكَّكة والمقسَّمة إلى عناصر سياديَّة متعدّدة، على عكس ما هي عليه الآن، سوف لا تشكل أي تهديد لإسرائيل، بل ستكون ضمانًا للزَّمن والسَّلام لفترة طويلة”. ويعتبِر عمارة أنَّ إعلان بعض أقباط المهجر عن دولة قبطيَّة في ألمانيا هو بمثابة بالون اختبار لمعرفة ردّ فعل المسلمين، مشيرًا إلى الدَّعوة إلى إحياء اللغة القبطيَّة من بين مقوّمات الإعداد للدَّولة القبطيَّة المزعومة؛ ولم يجد الأنبا غريغوريوس، أسقف عام الدّراسات اللاهوتية والثَّقافة القبطيَّة، حرجًا في التَّصريح بأنَّ “المستعمر الدَّخيل”، ولا يمكن أن يكون المقصود به غير الفاتحين المسلمين، كان وراء إهمال تلك اللغة بهدف تمزيق وَحدة “الشَّعب المسيحي”، وفقًا لما صحيفة وطني القبطيَّة في 30 يوليو 2000م.

سعد الدّين إبراهيم في حديث مصوَّر مع صحيفة اليوم السَّابع-10 سبتمبر 2013م

يتَّضح من تصريح الأنبا غريغوريوس عن المسلمين الأوائل أنَّ نشْر المشاعر السَّلبيَّة تجاه المسلمين من أهمّ عوامل تفتيت الوَحدة الوطنيَّة، تنفيذًا لمخطَّط التَّقسيم الصُّهيوني. وقد أصبح تخويف المسيحيين من الصَّحوة الإسلاميَّة من وسائل إثارة العداء تجاه المسلمين، بينما لم تُثر المخاوف من الصَّحوة الدّينيَّة لمعتنقي غير الإسلام. ومن بين حيل الغرب لإثارة الفتنة المؤدّية إلى الفوضى اللازمة لتنفيذ مخطَّط تقسيم البلاد تأسيس مراكز بحثيَّة يديرها “غلاة العلمانيين” و “سواقط الماركسيين”، ممَّن يتزعَّمون الدّفاع عن حقوق الأقليَّة المسيحيَّة في مصر، ويتعمَّدون تسمية مسيحيي مصر بـ “الأقباط”، في محاولة لإثبات أنَّ المسيحيين هم أهل مصر الحقيقيين، وأنَّ المسلمين هم فريق من الدَّخلاء استعمروا مصر بالقوَّة، تمامًا مثل الرُّومان الكاثوليك (صـ22). ويضرب عمارة المثل في ذلك بمركز ابن خلدون، الَّذي أسَّسه المفكّر العلماني سعد الدّين إبراهيم، أستاذ علم الاجتماع السّياسي بالجامعة الأمريكيَّة بالقاهرة والمحاضر في عدد من أكبر الجامعات بالولايات المتَّحدة الأمريكيَّة. كما يوضح عمارة، لا يجد الأكاديمي غربي الهوى حرجًا في الدَّعوة إلى تكوين “كيانات فيدراليَّة” تحقّق “تعدُّديَّة سياسيَّة” تشمل العالم العربي بأكمله؛ والسبب هو أنَّ “المجتمعات الَّتي تتَّسم بالتَّعدُّديَّة الاثنيَّة في الوقت الحالي، ينبغي أن تكون متعدّدة من النَّاحية السّياسيَّة أيضًا”، وفق ما أورده في كتابه التَّعدُّديَّة الاثنيَّة في العالم العربي (1995م، صـ21). وقد دأب إبراهيم على التَّصريح بأنَّ “الأقباط” يعانون من العجز عن “المشاركة في الحياة العامَّة في مصر”، مطالبًا بأن يكون لهم دور في المشهد السّياسي المصري، بعد الإطاحة بنظام محمَّد مرسي في 3 يوليو من عام 2013م، كما صرَّح لصحيفة اليوم السَّابع المصريَّة في 10 سبتمبر من العام ذاته. طالب إبراهيم خلال الحديث ذاته بالتَّعويض المعنوي والمادّي للمسيحيين، من خلال بناء الكنائس وتزويدها بالحراسة، وبخاصَّة في الصَّعيد، مؤيّدًا ما تردَّد عن أنَّ “الأقباط دفعوا الثَّمن الأكبر خلال حُكم الإخوان”.

تابعنا في تويتر

وتأكيدًا على معاناة المسيحيين في الدُّول ذات الأغلبيَّة المسلمة، أصدر الكونجرس الأمريكي عام 1998م قانون “الاضطهاد الدّيني”، الَّذي بموجبه تُعاقب الدُّول الَّتي تعاني الأقليَّات الدّينيَّة فيها من التَّمييز بسبب الانتماء الدّيني؛ وكأنَّما تُفرض على الدُّول المسلمة وصاية غربيَّة تبرّر التَّدخُّل في الشُّؤون الدَّاخليَّة لتلك الدُّول بحجَّة الدّفاع عن الأقليَّات. وللإيضاح، فتلك الوصاية الغربيَّة ليست مفروضة من قِبل الإنسان الغربي، إنَّما “المشروع الغربي، الَّذي يعلن أنَّ الإسلام هو العدو الَّذي حلَّ محلّ إمبراطوريَّة الشَّر الشُّيوعيَّة، والَّذي يريد عولمة نموذجه الحضاري-من القيم إلى الاقتصاد-بتهميش النَّماذج الحضاريَّة غير الغربيَّة”، كما يشير عمارة (صـ23). والمفارقة الَّتي تسترعي الانتباه هي أنَّ الغرب لا يعترف بالملَّة الأرثوذكسيَّة الَّتي يدين بها غالبيَّة مسيحيي مصر والعالم العربي؛ بل ولا يرتبط الغرب أساسًا بالمسيحيَّة الشَّرقيَّة، الَّتي تنتمي إليها الأرثوذكسيَّة. فالملَّة المسيحيَّة أكثر شيوعًا في الغرب هي البروتستانتيَّة، أو الصُّهيونيَّة المسيحيَّة؛ ممَّا يعني أنَّ اللعب على وتر اضطهاد المسيحيين في الشَّرق الإسلامي هو مجرَّد ورقة ضغْط يستخدمها المشروع الإمبريالي للصُّهيونيَّة العالميَّة، سعيًا إلى تنفيذ مخطَّط التَّقسيم. ومن الواجب التَّذكير به هو أنَّ مصر في تاريخها لم يحكمها حاكم مسيحي من أبنائها، وأنَّ الدَّولة الإسلاميَّة الَّتي تأسَّست على أرض مصر عام 20 هجريًّا/641م لم تحل محلّ دولة مسيحيَّة مصريَّة، إنَّما حرَّرت مصر والمسيحيين من أبنائها من بطْش الرُّومان، الَّذين اختلفوا عن مسيحيي مصر في العقيدة واستنزفوا ثروات بلادهم. وإذا كانت الشَّريعة الإسلاميَّة فُرضت على مصر، فقد كانت أكثر رفقًا ولينًا من قانون جستنيان، وهو مجموعة قوانين فرضها الإمبراطور البيزنطي جستنيان الأوَّل (527-565م) عنوةً، وقد أحرق ذلك الإمبراطور ذاته في مدينة الإسكندريَّة وحدها 200 ألفًا من مسيحيي مصر في ليلة واحدة، ليفرَّ كثيرون منهم إلى الصَّحاري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

نظرية الصراع الاجتماعي المعاصرة عند “رالف داهرندورف”

د. حسام الدين فياض الأستاذ المساعد في النظرية الاجتماعية المعاصرة قسم علم الاجتماع- جامعة ماردين …