دين ودنيا

ملحوظة منهجية في مسائل الخلاف

د. محمد عياش الكبيسي

أكاديمي عراقي
عرض مقالات الكاتب


لا يقلقني أبداً اختلاف طلبة العلم في المسائل محل الاجتهاد، وإنما يقلقني حينما يدخل بينهم من لا يعرف أصول الخلاف وأسبابه وما ينبني عليه.
سأذكر هنا نموذجا واحدا؛ معلوم أن مسائل العبادات مسائل وقفية، ولكن ما معنى (العبادات) وما معنى كونها (وقفية)؟
العبادات من حيث الأصل: كل عمل يتقرب به إلى الله، ويستحق صاحبه الثواب، فرضاً أو نافلة، بل وترك الحرام والمكروه عبادة أيضًا، لكن (العبادات الوقفية) ليس هذا معناها، فالتعليم مثلا والدعوة والجهاد كلها عبادات بلا شك، لكنها ليست وقفية، لماذا؟
فكّر معي؛ المجتهد الذي لا يرى اليوم الوقوف عند النص في قوله تعالى (وإعدوا لهم ما استطعتم من قوّة ومن رباط الخيل) بل يوجب مثلاً إعداد الدبّابات مكان الخيول، فهل هذا الاجتهاد مقبول شرعًا؟ أو هو مخالف للنص؟
لماذا قبل هذا الاجتهاد مع أنه مخالف لظاهر النص، وفي مسألة هي عبادة فالجهاد ذروة سنام الإسلام؟
بينما لو اجتهد مثلاً في تحويل شهر الصوم إلى شهر آخر نرفضه مهما كانت المبررات؟


الجواب باختصار؛ إن أحكام الجهاد كلها معقولة المعنى، معقولة الغاية، بينما اختيار رمضان للصوم وتحديد عدد الركعات للصلاة وأشواط الطواف للحج هذه (أمور تعبدية) غير معقولة الغاية، وليست هي جزءا من متطلبات الحياة المعتادة. من ثم افترق أمرها عن تلك.
وهنا تظهر أولى المشاكل في التفريق بين (الحكم الشرعي التعبدي) و(الحكم الشرعي غير التعبدي). وهذه بحد ذاتها تحتاج إلى دراسة معمّقة، وليس هنا محل دراستها.
مع أن أصل (العبادة) يشمل النوعين ويدخل فيه كل عمل يلحقه ثواب، لا فرق بين الصلاة وبر الوالدين والدعوة إلى الله والجهاد في سبيل الله والتربية والتعليم ..الخ.
لكن العلماء فرّقوا بين (معقول الغاية ) مثل إعداد الخيول وإن ورد به النص، في حالة كون الخيول لا تؤدي غايتها اليوم لذلك استساغ الناس الاجتهاد في الوسائل العصرية البديلة.

أما في الصلاة والصوم ومناسك الحج، فالظاهر أنها تختلف عن الجهاد والتعليم ونحوهما، فنحن لا ندرك الغاية من أعداد الركعات، ولا أشواط الطواف، ولا رمي الجمرات، وهكذا، ومن ثم لا نستطيع أن نقول؛ هل تحققت غايتها أو لا، ولذلك لا ترى خلافا معتبرا بين المسلمين في وجوب التوقف عند النص.
بقيت عندنا مسائل عبادية أخرى هي بين بين، فمثلا الزكاة، هي عبادة نعم وتشبه الصلاة في كثير من النواحي التعبدية، لكن فيها جانب آخر (معقول الغاية)؛ وهو التكافل وتحقيق مصلحة الفقراء، ولذلك ترى عامة الفقهاء ينظرون في الجانبين، فيتوقفون في كثير من أحكامها على مورد النص، بينما يجتهدون في الجانب الثاني، كما ورد اجتهاد الصحابة في ترغيب الناس بتقويم زكاة الإبل والبقر والغنم بالقماش ونحوه لأنه أيسر بالنقل، مع أن النص وارد بزكاة الغنم من الغنم وليس القماش.

نأتي إلى (صدقة الفطر) والظاهر أن فيها الجانبين، فهي (أمر تعبدي) مخصوص برمضان، لكنه في الوقت ذاته (معقول الغاية) لسد حاجة الفقراء وإظهار قدر من التكافل والتراحم خاصة في العيد، ولذلك تجد بعض الفقهاء اجتهد في تحقيق هذا الجانب، فسيدنا معاوية رضي الله عنه لما رأى الناس يرغبون بالحنطة بدلا من الشعير، والحنطة كانت غالية، اجتهد في تخيير الناس بين (صاع الشعير ) الذي ورد في نصوص كثيرة أو (نصف صاع من الحنطة)، لأنه رأى أن قيمة صاع الشعير = نصف صاع من الحنطة، وتقبل هذا الرأي كثير من الناس في زمانه خاصة أهل الشام، بينما خالفه سيدنا أبو سعيد الخدري رضي الله عنه متمسكًا بالصاع كما ورد.

وبعض الفقهاء ناقش جزئية أخرى؛ ماذا لو أن ما ورد بالنص لم يعد طعاماً معتاداً للناس؟ ففي بغداد مثلاً لا يعرفون (الأقط) ولا يعدّونه قوتاً، لذلك نقرأ عن محمد بن الحسن (من الحنفية)؛ أن الأقط لا يجزّأ! رغم أن أهل الحجاز كانوا يتصدقون به، أقصد صدقة الفطر، وعليه فإذا كان الشعير مثلاً لا يعد اليوم طعاماً معتاداً لكثير من البلاد، هل يجوز منعه وإبداله بالرز أو العدس مثلا؟ الظاهر وفق هذه القاعدة؛ نعم.

تابعنا في فيسبوك

نلاحظ هنا أن الاجتهاد في (العبادة معقولة المعنى والغاية) قد قاد إلى استبدال غير المنصوص بالمنصوص، تماما مثل استبدال الدبابات بالخيول، فليتأمل.

الشيخ القرضاوي -رحمه الله- طرح إشكالية أخرى، قال: إن مدينة مثل القاهرة ماذا يفعل فقراؤها بالحنطة فضلاً عن الشعير؟.. أين يطحنونها؟.. وكيف يأكلونها؟.. وهو هنا لا يريد أن يجوّز القيمة فقط، وإنما يريد أن يلزم الناس بالقيمة، سواء بقيمة النقد أو بالقيمة من طعام أسهل للأكل كالرز ونحوه، وقد رأيت الشيخ عبد الله المطلق وهو أحد أعلام الفقه في المملكة يميل إلى هذا الرأي لاعتبارات مقاربة.
منشأ الخلاف إذاً بين الفقهاء هو؛ هل تعد زكاة الفطر بكل مسائلها (عبادة وقفية) لا علاقة لها بتغيّر الأحوال والأذواق فيجوز لك أن تعطي الفقير صاعاً من شعير أو أقط في أي بلد كان وليفعل به ما شاء؟.. أو أنك ملزم بتحرّي مقاصد الشرع وتحاول التوفيق بين (النص) من جهة وبين (المقصود من النص) من جهة أخرى؟

اقرأ: ناظر الملاحدة ودافع عن الإسلام.. وفاة عَلَم الأزهر “إبراهيم الخولي”


في نظري أن هذا الخلاف داخل في باب (الاجتهاد المشروع) بضوابطه وأصوله ومقاصده، لكن الذي لا يدخل في المشروع، بل هو إثم مؤكد ما يلي:
١- أن يخوض في هذه المسائل الفقهية الدقيقة من لا يعلم عن الفقه شيئاً، وإنما يدفعه مجرد التعصّب لشيخه أو جماعته.
٢- احتقار المقابل والتشهير به، وسوء الظن به، وتجويز غيبته ونميمته.
٣- التعدّي على أعلام الأمة واتهامهم بالجهل أو تعمد مخالفة السنة، فالاجتهاد في تحقيق مقصد النص وغايته هو جزء من الإيمان بالنص وقدسيته وليس خارجًا عنه.

أؤكد أخيرًا أنه لا يهمني أن تأخذ بهذا الرأي أو ذاك، وإنما يهمني أن تدرك منهجية التعامل مع مثل هذه المسائل،
فلا تظلموا أنفسكم ولا تظلموا إخوانكم، ولا تضيّعوا صيامكم وقيامكم بهذه الآثام، فإن الأمر فيه سعة، ولو أردت الاستشهاد بعشرات المسائل مما اختلف فيه الصحابة والتابعون والأئمة المعتبرون في أغلب أبواب الفقه بما فيها أبواب العبادات لأمكنني ذلك، ويكفي مثلا تقليب صفحات من (فقه سعيد بن المسيب) لشيخنا الفقيه المجتهد هاشم جميل -حفظه الله ورعاه- وحفظكم أنتم إخواني وأخواتي وتقبل صيامكم وقيامكم .
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى