بحوث ودراسات

تحليل تأخُّر المسلمين عن مسيرة الحداثة الغربيَّة من منظور علماني (ج6)

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن

أكاديمي مصري.
عرض مقالات الكاتب

يختتم الكاتب صلاح سالم استعراضه محتويات كتابه بالإشارة إلى أجنحة الصراع الفِكري في العالم العربي هذه الآونة، محددًا ثلاثة تيَّارات، أوَّلها التيَّار العلماني، أو العلماوي، أو الحداثي، المفرط في تقرُّبه إلى الغرب، ورغبته في اتِّباع نهجه، وإيمانه بـ “الاستنارة والعلمنة إلى أبعد مدى”، وهو تيَّار “أكثر تسامحًا وانفتاحًا على الأديان” من غيره، كان سلامة موسى وفرح أنطون خير من مثَّله. أمَّا التيَّار الثاني، فهو التيَّار التوفيقي، الذي تزعَّمه عبَّاس محمود العقَّاد وطه حسين ومحمَّد عبده، من أصحاب الموقف النقدي المعتدل تجاه الغرب، ممن رأوا في الغرب حضارة عظيمة تستحق الإعجاب، برغم سلبيَّاته الكثيرة. كان الغرب في نظر هؤلاء مستنيرًا، لكنَّه مستعمِر مغتصِب في ذات الوقت، فلا بأس في الاستفادة من معرفته، برغم رفض احتلاله.

تابعنا في فيسبوك

بالطبع، تصادم التيَّارات آنفا الذِّكر بالتيَّار الثالث، وهو التيَّار السلفي، “شديد العنف” على نمط الحياة العلماوي، ولم يرَ في الغرب سوى شيطان يتآمر على العقيدة الإسلاميَّة، رافضًا الأخذ من منجزاته، مهما كانت. ونتج العنف الجهادي تجاه غير المسلمين عن هذا الموقف السلفي تجاه الغرب، الذي يؤثر اتِّخاذ موقف “أحادي منقطع عن الآخرين”، على أساس أنَّ الحضارة الإسلاميَّة هي الإسلام، ويبطل كلُّ ما عدا ذلك؛ ومن ثمَّ يرفض التيَّار السلفي “عمل الفلاسفة”، وكافَّة أشكال الحُكم القادمة مع الاستعمار-الحُكم المدني والبرلمان والحكومة التمثيليَّة-ولا يرى حلًّا إلَّا الخلافة، التي يراها الكاتب مرفوضة؛ لأنَّها “رجعيَّة” عن النهج الغربي، القائم على “العلمنة والاستنارة”. يستخدم التيَّار السلفي القوَّة، إذا أتيحت له، في إعادة تشكيل المجتمعات على النهج الذي يراه صحيحة، ويُترجم ذلك في صورة عُنف وتدمير وإرهاب ديني وسياسي. ويختتم الكاتب حديثه بالإشارة إلى إصرار التيَّار السلفي، على حدِّ قوله، على استبعاد دمج الفِكر الديني بالآراء الفلسفيَّة، وهذا ما يسفر عن “العنف الجهادي”، باسم “الفكرة الإسلاميَّة”، النابعة من خيال أتباع هذا التيَّار الديني، وارتباطهم بالعصر الذَّهبي للإسلام ظنيًّا.

يعتقد بعض المفكِّرين أنَّ المسيحيَّة واليهوديَّة مهَّدتا للفكر العلماني؛ بدفعهما إلى فصل الدين عن الدولة، وفصل الإيمان عن التشريع. لم يتخلَّ الغرب عن مفاهيم الكتاب المقدَّس، بعهديه القديم والجديد، وما حدث كان عمليَّة إعادة تشكيل لتلك المفاهيم بما يواكب التحوُّل الاجتماعي الجذري، الذي فرضه التطوُّر التقني. وافقت الكنيسة الكاثوليكيَّة، الحاضن لغالبيَّة مسيحيي العالم، والملَّة الساحقة عددًا في أوروبا في عصري النهضة والتنوير، بدءً من عهد البابا بيوس العاشر (1903-1914)، على الخضوع لتعديلات هامَّة، من بينها، وفق موسوعة ويكيبيديا الرقميَّة:

-اتِّخاذ منهج عقلاني في تناوُل الكتاب المقدَّس، تمثَّل في التعامل المادِّي مع المعجزات التي يتناولها، وإعادة النظر في إمكانيَّة اعتبار الكتاب مرجعًا تاريخيًّا، وبخاصَّة في سرد تاريخ يسوع المسيح. نادى هذا المنهج بتفسير نصوص الكتاب المقدَّس قبل الاطِّلاع على كيفيَّة تدريس مؤسسي الكنيسة مضامينه، ما عارضته الكنيسة الكاثوليكيَّة في البداية، على عكس موقف الكنيستين البروتستانتيَّة والأنغليكانيَّة.

-قبول العلمانيَّة، وغيرها من مفاهيم عصر التنوير. ويُمكن اختصار مفهوم العلمانيَّة بأنَّه يعتقد أنَّ أفضل مسار يُتَّخذ في السياسة والشؤون المدنيَّة الأخرى هو القائم على الفهم المشترك للجماعات والديانات للصحِّ. على هذا الأساس، فُصل الدين عن الدولة، وأصبحت القوانين تُسن وفق القاسم المشترك بين مختلف الآراء الدينيَّة حيال الشؤون الحياتيَّة.

-تأثُّرًا بفكر الفيلسوفين إيمانويل كانت وهنري برجسون، أدخلت الكنيسة الكاثوليكيَّة أفكارًا مستمدَّة من فلسفات أرسطو وأفلاطون (الغائيَّة والغنوصيَّة، أو لتقل القبَّالة)، بعد دمج أفكار تلك الفلسفات بتعاليم الكنيسة. وقد أسفر ذلك عن تمرُّد على السياسات الرسميَّة للكنيسة. وأحدث شكلٍ اتَّخذته تعاليم الحداثة هو أنَّ تعاليم الكنيسة المتوارثة عبر الأجيال يمكنها التطوُّر بمرور الزمن، بدلًا من أن تبقى على حالها، وهذا ما يميِّز دور الحداثة مع الكنيسة، بدفعها إلى التغيُّر، بعد تاريخ من التعنُّت، واعتبار أي عقيدة مخالفة للتعاليم المتوارثة هرطقة. ما كان يحدث هو أن يدَّعي “مهرطق” أنَّه على صواب وباقي أعضاء الكنيسة على خطأ؛ إمَّا لأنَّه تلقَّى وحيًا جديدًا من الربِّ، أو لأنَّه أحسن فهم التعاليم الصحيحة للربِّ، التي كانت قد فُهمت من قبل، ولكن نُسيت بمرور الوقت. والنتيجة كانت إمَّا الانشقاق-بتأسيس طائفة دينيَّة جديدة-أو الحرمان الكنسي-بمعاقبة المهرطق، أملًا في تراجُعه.

-أهم تغيُّر طرأ على الكنيسة الكاثوليكيَّة هو اعترافها الحديث جدًّا نسبيًّا بعقيدة Sola Fide، أو الإيمان وحده، التي تعتبر من دعائم العقيدة البروتستانتيَّة. وبرغم أنَّ مؤسس البروتستانتيَّة، مارتن لوثر، قد جاء بهذه العقيدة منذ نشأته مذهبه مطلع القرن السادس عشر، لم تبدأ الكنيسة الكاثوليكيَّة في التصريح باعتراف بها إلَّا في تسعينات القرن الماضي. تقوم هذه العقيدة على مفهوم تضمَّنته أسفار الأنبياء في العهد القديم، ومن بينها ارميا وحبقوق، يقول أنَّ “التبرير بالإيمان”، أي الخلاص في الآخرة يحتاج الإيمان بربوبيَّة يسوع المسيح، والانصهار روحانيًّا معه. عبَّر البابا بندكت السادس عشر (2005-2013) عن الاعتراف بهذه العقيدة في مقولة مختصرة “تصحُّ عبارة لوثر ((الإيمان وحده))، إن لم تتعارض مع الإيمان بالخير، وبالحب. فالإيمان هو النظر إلى المسيح، التسليم له، والتطابق معه ومع حياته…ويتحدَّث القديس بولس عن إيمان يعمل من خلال الحبِّ (رسالة غلاطية: إصحاح 5، آية 14). على ذلك، تتميَّز عقيدة “الإيمان وحده” في الكاثوليكيَّة، عنها في العقائد الأخرى، باشتراطها التعميد والحصول على البركة الكنسيَّة المقدَّسة، التي يُعتقد في أنَّها تسري في الروح خلال المعموديَّة، وتلك البركة هي الدافع للإحسان وعمل الخير؛ وبعد ذلك، يأتي التحوُّل الكامل، بالتسليم للمسيح؛ وأخيرًا، يأتي الإيمان، متضافرًا مع الإحسان، والأمل في الخلاص.

نشر مركز أورشليم للعلاقات العامَّة، المتخصِّص في إجراء بحوث تهتم بالشأن الإسرائيلي في مجالات الأمن والدبلوماسيَّة الإقليميَّة والقانون الدولي، مقالًا بعنوان How Modernity Changed Judaism-كيف غيَّرت الحداثة اليهوديَّة، نقل فيه آراء الربَّاني ديفيد إلينسون، الرئيس الثامن لكليَّة الاتحاد العبري-المعهد اليهودي للأديان في الولايات المتَّحدة، حول طبيعة تكيُّف المجتمع اليهودي مع مفاهيم الحداثة. وأهم ما كشف عنه المقال:

-خضوع الشعب اليهودي إلى تغيُّرات جذريَّة، على المستويين السياسي والقانوني، وبخاصَّة من منهم يعيشون في الخارج؛ حيث دُفعوا إلى الانفتاح على الغير، وعدم الالتزام بالعيش في تجمُّعات مغلقة.

-اتساع المدارك لدى اليهود، واعتمادهم على نظرة أوسع نطاقًا للعالم عند الحُكم على عقيدتهم، على عكس السابق.

-تغيُّر النظرة إلى مفاهيم متعدِّدة، منها الهويَّة اليهوديَّة، والزواج، والعلاقات النوعيَّة، والحوار بين الديانات، والشموليَّة، والخصوصيَّة.

تناولت صحيفة جيروزاليم بوست في مقال نشرته عبر موقعها الإلكتروني يحمل عنوان JUDAISM AND MODERNITY-اليهوديَّة والحداثة، موقف مختلف الطوائف اليهوديَّة من الحداثة، في محاولة لتوفيق الآراء حول المنهج الحياتي الجديد، الذي فرضته العلوم الحديثة. يشير المقال في جملته الافتتاحيَّة إلى انقسام الطوائف اليهوديَّة بشأن عقيدة حفظ السبت، برغم تغيُّر الأحوال، وهيمنة التقنيات الحديثة على حياتنا، كما جاء في مقال نشره المخرج السينمائي اليهودي الكندي يوني جولدشتاين، الذي قال أنَّ الطائفة اليهوديَّة الأرثوذكسيَّة هي الوحيدة من بين طوائف اليهود التي لم تزل تعارض نقض عقيدة السبت، بالامتناع عن استخدام التقنيات الحديثة يومها. ويأتي ذلك على عكس اليهوديَّة المحافظة واليهوديَّة الإصلاحيَّة، اللتين تشكِّلان معًا كتلة “غير أصوليَّة” من اليهود. ولتفادي الخلط، لا تمتُّ اليهوديَّة الأرثوذكسيَّة للمسيحيَّة الأرثوذكسيَّة بصلة، إلَّا في اشتراكهما في التمسُّك بالأصول الدينيَّة، ورفض الانصياع لمحاولات التحديث. وتجدر الإشارة كذلك إلى أنَّ المذهب السُّنِّي في الإسلام يُطلق عليه Orthodox Islam، وترجمته الحرفيَّة الإسلام الأرثوذكسي، أي الإسلام الراشد القويم، المتمسِّك بالقوالب الأصليَّة للدين.

وتعتبر الطائفة الإصلاحيَّة أكثر الطوائف انفتاحًا على استخدام التقنيات الحديثة، وهي تعبِّر عن تيار يهودي نشأ في القرن الثامن عشر، تزامنًا مع التيار التنويري في الفكر، لينقسم الفكر اليهودي إلى قسمين: أحدهما يتعايش مع الآخرين، وينفتح على الثقافات الأخرى، وقسم آخر عدواني، يتمسَّك بحرفيَّة العهد القديم، ويدعو إلى الانعزال عن الأمم، في انتظار المخلِّص؛ بالطبع، تمثِّل اليهوديَّة الإصلاحيَّة التيار الأول، بينما تمثِّل الأرثوذكسيَّة الثاني. ويعيش غالبيَّة المنتمين إلى التيارين الإصلاحي والمحافظ في اليهوديَّة في الغرب، بينما يعيش التيار المتشدِّد في إسرائيل.

أمَّا عن أهم أسباب نشأة هذه الطائفة اليهوديَّة، المنبثة عن حركة التنوير الأوروبيَّة: الإيمان بأهميَّة مواكبة إيقاع عصر التطوُّر التقني والاستفادة من منجزاته بلا قيود دينيَّة-مثل حفظ السبت-، وارتفاع نسبة معتنقي العلمانيَّة والميل إلى فصل الدين عن الأمور الحياتيَّة، وصعوبة فهم عقيدة المتصوُّفين اليهود (الحسيديم)، الذين حوَّلوا الدين إلى دروشة وإيمان بالخرافات وبالغيبيَّات. جاءت هذه الطائفة التقدُّميَّة، تأثُّرًا بحركة الإصلاح المسيحيَّة، المعروفة بالبروتستانتيَّة، التي ألغت مفهوم الباباويَّة، وأزالت الحاجز بين معتنق العقيدة وربِّه. وجد اليهود في العقيدة الإصلاحيَّة وسيلة جديدة لفهم دينهم، بعد حالة الكراهية تجاه المشنا والتلمود، واحتكار فهمهما على حكماء اليهود، كما جاء على موسوعة ويكيبيديا الرقميَّة. وفي النهاية نتساءل: إذا كان الإسلام يُرمى بالرَّجعيَّة والتَّخلُّف الحضاري، فما تفسير ما تعانيه الدُّول المسلمة الَّتي تحكمها أنظمة علمانيَّة منذ سقوط دولة الخلافة الإسلاميَّة عام 1343ه/1924م من تردٍّ على كافَّة المستويات؟ بصيغة أخرى، لماذا لم تنجح الأنظمة العلمانيَّة في تحقيق الرَّفاهية للشُّعوب، طالما أنَّ العور كان في تطبيق الشَّريعة الإسلاميَّة قبل إتمام مؤامرة إسقاط الخلافة وإنهاء الحُكم بما أنزل الله تعالى؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى