ثقافة وأدب

الثقافة الفريضة الغائبة

د. محمود خليل

أكاديمي ومفكر مصري
عرض مقالات الكاتب


على الرغم من أن هذا الكتاب،عبارة عن مجموعة مقالات وأبحاث متفرقة، تتناول الشأن الثقافي صناعة وبضاعة ، وتراثا ومعاصرة ،و نماذج وشخوصاً،وميادين وأجواء.
إلاّ أنه جاء كاختبارات الصدق والثبات،التي يقوم بها دارسو الدراسات العليا ،للتأكد من سلامة وصحة النتائج الأولية للبحوث ،وصدقية العينات الممثلة لمجتمع البحث ،والمحققة لفروضه ،و المجيبة عن تساؤلاته واستفساراته.
ذلك لأن الكاتب الشاعر المفكر الأكاديمي المرموق دكتور أسامة أبو طالب ،أحد أبرز مثقفي الصف الأول بكل موسوعية واقتدار ،وأحد أقطاب أكاديمية الفنون درساً وبحثاً وتطبيقاً ٠٠علمياً وإبداعياً٠٠ لذا … فإنه يستخرج من جرابه وينفق مما عنده .
ولم يكن غريباً هذا العنوان الصادم للكتاب ..(الثقافة … الفريضة الغائبة ).. إذ جعل من الثقافة فريضة واجبة ،..و الفريضة : هي التي يثاب فاعلها ويعاقب،تاركها على المستوى الفردي والجماعي .
لذا فإن هذا العنوان المغاير، يُعد مدخلا أساسا لهذا الحقل الملغوم ، قبل أن ترتطم رؤوسنا بحائط الوهم.
وأكاد أُبصر العلامة الدكتور أسامة أبوطالب ممسكاً بكل قوة (بالمحراث البلدي) رائحاً غادياً … طولاً وعرضاً،في حقل الثقافة المصرية الذي أجدب عشبه ،وصوّح مراعاه … عسي أن يسفر هذا الحرس والتقليب ،عن تربة تمسك شيئا من الماء ،أو تنبت شيئاً من الزرع .
ولم ينسَ الدكتور أسامة أبو طالب أن يبدأ شرح هذه الفريضة ،وتبيانها لغة واصطلاحا ،بحديث حميم مع القارئ … لتحضيره لحالة التحضر التي ينشدها، لانتشاله من حالة الشطح والنطح التي تكلست بها التربة الفقيرة التي يحياها ،في (صراع التقاط الأمتعة) لعل ذلك الإنسان المضيع ،يدرك موطأ قدم يلتقط فيها أنفاسه، وسط دوامات الطلاسم ،وأعاصير الضياع ،التي تحلجل بالمنطقة جميعا ،وتزلزلها بدءا من نكبة 1967م ، ٠٠والتي كانت النتيجة الحتمية لتغليب (الدولة / النظام) على المجتمع، وتغييبه عن المشهد قهرا وجبرا … ثم الإنكفاءه البائسة على نصر أكتوبر العظيم 1973م ، وتطويقه لتنشئة وتخليق دولة الانفتاح ، والتخديم الدائم عليها … تمهيداً للسقوط الكبير بكل مستوياته و تنويعاته.
لذا فإن المكون الثقافي الذي لم يستطع أن يغير أو يتغير… وكذلك المجتمع الذي يواصل حالة الدوران بالسَّكْره حول الفكرة ،لن يسترد عافيته قط ،إلا باستعادة صحته الذاتية ،وإقامة الرأس، وإزالة بؤر العفن، وقرح الفراش ،بالإنتقال من الأوهام والأحلام إلى التصديق والتطبيق … علمياً بتصحيح الوعي … وواقعياً بتغيير السلوك … بعيدا عن العاطفة الوطنية الزاعقة ، أو السنتمنتالية sentimental الفجة .
وفي براعة وحسن توصيف وتكييف ،يتنقل المثقف الشاعر المسرحي الكبير الدكتور أسامة أبو طالب من مصر الحاضنة كبلد مفتاح لكل شأن كبير ،إلى الدور الدبلوماسي للثقافة ومدى خطورته وفاعليته ، مناديا بأهمية (دبلوماسية الثقافة ) ٠٠ وكيف كان الغرب غازياً غاويا في بلادنا ، من خلال فيالق الاستشراق ، وقناصل الفرانكفونية عبر هذه الأداة الدبلوماسية الناعمة
ثم يؤسس الدكتور أسامة لقاعدية الإرث التليد لثقافتنا ، ودوره في تهيئة المواطن الواعي ،وتثقيفه وتزويده لأهم مكونات المطبخ (السيسيو ثقافي)٠٠ فرعونيا وقبطيا و إسلاميا٠٠ وصولاً إلى طبخة المنجز العصري ، الذي يأوي إلى ركن شديد ،ويستوعب المتقبل بكل جدارة واستحقاق ، ودور الأدب والمسرح والسينما، والصحيفة والكتاب، والميديا الحديثة، في هذا المسار ، ومدي خطورتها في زرع وتثمير ثقافة التسامح ، والمعاصرة المشتركة ٠٠ناعياً على أعداء الوهم والوهم المضاد ،من ضحايا نظرية التبييت والمؤامرة
ثم يتناول في لياقة ولباقة عالية إشكالية الإبداع والدين ، باعتباره أحد فرسان هذا الميدان علمياً وإبداعياً ،في مشوار تفكيكي بارع لمستخلصات عطاء محمد عبده وطه حسين ورسوم جروتسكيه، وتراجيديا سوفوكليس ، وتناول الكتاب المقدس لحوار المريميات الثلاث ، إلى جانب مسرح عبد الرحمن الشرقاوي ، إلى منجز شيلر ، إلى تناول هذه القضية في القرآن والسنة على فرشة واسعة ورحابة غير محدودة
وعلى النسق السابق يتناول الكوميديا المرة القائمة، للثنائية المعضلة (نحن والغرب) والأحداث المتواصلة و الناجمة عن 11 سبتمبر ٠٠والتي مازالت تتغول تتوحش في المنطقة برا وبحرا وجوا
ثم يستكمل الدكتور أسامة هذا المشوار الثقافي بحل عقدة )الإرهاب والفن) من خلال الفهم الصحيح للدين الذي يرفض الإفراط والتفريط في كل شيء ،ثم يختتم كتابه بهذا الفصل التذكاري الشائق الحزين (لعشاء الشاعر الأخير ) ٠٠مفصحا عن بعض ذكرياته الخاصة مع الشاعر الراحل الكبير صلاح عبد الصبور ،موضوع دراسته للماجستير ،باعتباره أحد آخر من تكلموا معه هاتفيا ، وكان علي موعد معه، بانتظار رده في الصباح الذي حمل إليه نبأ الرحيل في ١٩٨٠/٨/١٤م عن ٥٠ عاما مودعا إياه بإحدى أجمل قصائد التي يختتمها بقوله:
تمت أغنية الشاعر
فاندق الجنجر في الظهر٠٠وقر
مابين الكتفين الطعنة
نظر إليهم،٠٠
قالوا:قتلتك الكلمات٠٠
تساءل من يحملها بعدي؟
“ياأهل مدينتنا انفجروا أو موتوا،رعب أكبر من هذا سوف يجيئ”
سكتوا٠٠انتظروا٠٠حتى جاء الرعب،فماةانفجروا او ماتوا ٠٠
لكن الشاعر مات
فهل تحيي الموتى الكلمات؟
الكتاب نشر مؤخرا عن دار (إشراقة ) بالقاهرة،ويقع في ٢٢٨صفحة من القطع المتوسط،ويحمل وصفة متكاملة لمعاجلة الشأن الثقافي الشائن المعاصر

د.أسامة أبو طالب


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى