أخبار عاجلة

كلام عن السحر والسحرة (3 من 5)

أ.د. إبراهيم عوض

كاتب ومفكر مصري.
عرض مقالات الكاتب

في طنطا أيام الاحتفال بمولد السيد البدوي حيث تجري الموبقات التى تتخيلها والتى لا تتخليها، ‏ووسط الزحام والقاذورات فى كل مكان، كنت أشاهد قريبا من المَلْقَى، أى المكان الذى يتجمع فيه معظم ‏المحتفلين وتُضْرَب فيه الصواريخ فى الليلة الكبيرة، كنت أشاهد مع المشاهدين الرجل الذى يقف على منصة عالية ويطلب من شخص ما من ‏الواقفين أمامه متزاحمين أن يخرج بطاقته الشخصية وينظر فيها، وبعد قليل يخبره هو باسمه وعنوان بيته ‏وما إلى هذا مما هو مثبت فى البطاقة. وأتصور أننى كنت أخمن أن هناك من يتلصص على البطاقة فى ‏يد صاحبها ويوصل، بطريقة ما لا نعرفها، ما فيها من معلومات إلى رجل المنصة، أو قد يكون صاحب البطاقة من العاملين مع رجل المنصة، ومن ثم فهو يعرف كل شىء مكتوب فى بطاقته. ولا يمكن أن يكون الأمر ‏غير ذلك. ومع هذا كان الناس يعجبون أشد العجب من هذا الساحر المذهل.‏

اقرأ: كلام عن السحر والسحرة (1 من 5)


ومما ينبغى ذكره هنا أيضا أن بعض زملائى من القرية، وأنا صبى صغير بالأزهر، كانوا يلعبون بعض ‏اللعب السحرية بالكوتشينة. ومنها أن يمسك أحدهم بورق الكوتشينة أمامك بحيث ترى وجه الورقة ‏الأولى، ثم يسألك: هل تريد ورقة ولد أحمر شكله كذا وكذا أو ورقة آس صفتها كَيْت وذَيْت. فتقول ‏له: ماشٍ. فيأخذ الكوتشينة خلف ظهره ثم يخرجها لك دون أن ينظر فيها فترى الورقة التى قال لك إنه ‏سوف يريك إياها. وظللت أتحرق شوقا إلى معرفة السر فى ذلك الأمر حتى كدت أصاب بالهوس ‏فالجنون، وجافانى المنام (منهم لله)، وهم يزدادون قسوة وإصرارا على عدم إطلاعى على الأمر. وأخيرا لان كبيرهم، وأخبرنى بالسر الخطير والسحر العظيم، وهو أن شَدّة الكوتشينة تقسم قسمين: ‏قسما يواجه الشخص الذى تريد أن تبرجل عقله، وقسما يواجهك أنت. وكلما شهرت فى وجهه ‏الكوتشينة كنت ترى من جهتك الورقة الأولى التى تقترح عليه أن تريه إياها، وهو من خيبته الثقيلة لا ‏يفكر فى أن يطلب ورقة من اختياره هو. وكيف يطلب وقد ضاع عقله وانسحر تماما؟ المهم أنه عندما ‏يوافق على ما تقول تأخذ أنت شدة الكوتشينة إلى خلف ظهرك وتضع الورقة التى كانت تواجهك فى ‏أول النصف المواجه له. فهذا لون آخر من ألوان السحر.‏

اقرأ: كلام عن السحر والسحرة (2 من 5)


وثم لون مختلف أخبرنى به أبو أحد أصدقائى سنة 1971م، قال: إن أحد مشايخ ‏الطرق الصوفية كان يبهر مريديه حين يتحلقون حوله بأن ينادى بالقهوة، فتجيئه فى غاية المرارة (كأن الدنيا ‏فى مصر ينقصها المرار. خيبة الله عليه!)، فيمرّرها على الحاضرين الذين يكادون يعبدونه من دون الله، ‏فيجدها كل منهم مرة زاعقة المرارة، ثم يأخذها هو عندئذ ويضعها على فمه القدسى، ويرشف منها ‏رشفة، ثم يعيد تمريرها على الحاضرين، فإذا بها عسل. يا له من ساحر! لكنهم طبعا لم يكونوا يرون ‏ذلك سحرا بل كرامات. الله أكبر، والعزة للعرب، وتحيا مصر. والحكاية وما فيها أن الثعلب المكار الذى لن يُكَسِّبه ربُّنا أبدا ‏يضع فى فمه بعض قطع السكرين التى يدفعها بلسانه حين يرشف رشفته، فتنزل إلى الفنجان، ومتى ما ‏دارت القهوه على البلهاء المتخلفين من أمثالى وجدوها قد استحالت عسلا.
وذهبت إلى بريطانيا فكنت أشاهد فى التلفاز هناك بعض الأعمال السحرية التى تمارس على ‏مسرح عال بعيدا عن النظارة وفى ضوء شاحب. ومن هذه الأعمال نمرة البنت التى ‏يضعونها فى صندوق وقد أخرجت رأسها ويديها من جهة وحرَّكتها وحَيَّتْنا، ومن الجهة الأخرى ‏أخرجت قدميها الفاتنتين ورَقَّصَتْهما لنا وكأن قلوبنا ناقصة ترقيصًا وهَبَلا، ثم يقوم الساحرون بإحضار ‏منشار ينشرون به الصندوق، وطبعا جسم البنت الحلوة الأمورة اللى زى لهطة القشطة قد انقسم نصفين ‏وراحت فى ستين داهية، لكنهم لا يكتفون بهذا، بل يعيدون نصفى الصندوق أحدهما لصق الآخر ‏بدون أن يستخدموا أية مادة للإلصاق. هكذا ينبغى أن يكون السحر، وإلا فلا! ثم يفتحون الصندوق فتقوم بنت الفرطوس ‏تتقافز من قلب الصندوق دون أن يكون قد سال منها نقطة دم واحدة.‏
بطبيعة الحال كنت أعرف أن ما أشاهده خداع فى خداع، لكن لم أكن أستطيع شرح ما يحدث. ‏ولعلى خمنت بعد ذلك أن تكون هناك فتاتان: فتاة فى كل صندوق. فهذه تبرز رأسها ويديها من ‏صندوقها، وتلك تبرز قدميها المتراقصتين، وقد قرفصت كل منهما فى صندوقها بحيث لا تكون أطول ‏من نصف فتاة. أفهمتم أم لا تزالون تظنون أن السحر، بمعنى تغيير طبيعة الأشياء، أمر حقيقى؟ تريدون الجِدّ أم ابن عمه؟ والله لو ظللت أهاتى من هنا إلى يوم القيامة وأشرح وأكتب لَمَا اقتنعتم، اللهم ‏إلا ربما واحدا أو واحدا ونصفا، ثم ما إن يغلق الكتاب حتى ينتكس على رأسه ويعود إلى اعتقاداته ‏القديمة قائلا: دعوكم من هذا الراجل. إنه رجل عقلانى كما قالت طالبة من طالباتى عنى ذات يوم لزميلى. يعنى: عقله فسافيسى.
وبالمناسبة حين كنت أقيم آخر عام لى فى بريطانيا بلندن زرت وزوجتى وابنتى وابنى الصغيران ‏محلا مشهورا فى أكسفورد ستريت متخصصا فى بيع الأدوات السحرية، أى الأدوات التى يمكنك أن ‏تخدع بها الآخرين وتوهمهم أنهم يشاهدون سحرا، ومع كل لعبة كتالوج ‏لشرح كيفية استعمال اللعبة لخداع الآخرين. وهذا السحر غايته التسلية وتمضية الوقت فى تشويق وإثارة دهشة وسرور ليس إلا. كما أننى قبل فترة بسيطة نشرتُ فى صفحتى الفيسبوكية فيديو ‏يشرح كيفية خداع الناس فى هذا المجال وإيهامهم أنهم يشاهدون سحرا مبينا. ومعنى هذا أن ابن الفرطوس صاحب ‏الفيديو ينكر السحر وسوف يذهب إلى النار. لكن خذوا بالكم. هو ليس مسلما، فهو إذن ذاهب إلى ‏النار، ذاهب إلى النار، لكفره بمحمد، ونحن ذاهبون معه لعدم اقتناعنا بما يقوله تنظيفا لأمخاخنا الزنخة ‏ولتفضيلنا الخرافات ودهاليزها المظلمة على نور العلم وهوائه الطلق.‏
طيب، وماذا عن أعمال الربط؟ والجواب عندى أن الذين يعتقدون فيه ويصدقون ما يحكى عنه من الخرافات متخلفون لا يفقهون الحياة ‏وأسرارها ولا يحبون العلم فينسبون كل شىء إلى غير سببه كما كان الجاهليون العرب وغير العرب ‏يعملون. ‏وبدون تضييع الوقت، وكما أحب دائما أن أحسم الأمور بالتجربة والبرهان، وهى ما تُجَنِّن ‏المتخلفين لأنها ستضع حدا للجدل السخيف وتريح الناس، بينما هم لا يريدون راحة بل وجع دماغ ‏وصداعا أبد الدهر، أقول: من حبى للاحتكام للتجربة ‏والبرهان عرضتُ على طالب كبير منتسب عندى بالجامعة فى ثمانينات القرن الماضى كان يؤمن بالربط ‏ويقول إنه يمارسه، عرضت عليه أن يعمل لى عملا، فإذا ما نجح أخبرته بهذا وطلبت منه أن يفكَّنى. وبهذا يمكن أن أبدأ فى ‏التفكير فى صحة هذا الاعتقاد. لماذا قلت: “أبدأ”، ولم أقل: “أغير اعتقادى على الفور”؟ الجواب هو أن ‏التجربة العلمية لا تكتفى بمرة ولا بعشر مرات بل يكررها العالم تكريرا كثيرا حتى تزول من نفسه كل ‏شبهة، ولا تكون التجارب فى اتجاه واحد بل فى الاتجاهين: إيجابا وسلبا.
وفى البداية كرر الطالب أنه ‏يحبنى ويُجِلّنى ولا يرضى أن يؤذينى، وأنا أصر على أن يعمل العمل كما قال، فنحن فى مقام تجربة علمية ‏ولسنا فى مجال هلس وكلام فى الهجايص. وأخيرا لان. أحمدك يا رب! لكنه سألنى عن اسم أمى، ‏فذكرته له. ثم زاد فطلب منديلى، فأخرجت المنديل وسلمته إياه. فأخذه ومضى، وغاب عن المحاضرة ‏التالية، ثم ظهر بعد أسبوعين وأقبل علَى العبد الله، الذى هو فى نظر الأغبياء ينكر المعلوم من الدين بالضرورة، وكأن الربط من ‏أركان الإسلام مع الصلاة والصوم والزكاة والحج والشهادتين، فوجدنى أبتسم وفى عينىَّ معانى التحدى، ‏فما كان منه إلا أن قال: لم أشأ أن أوذى أستاذى الذى أحبه. فأجبته قائلا: بل قل إنك عجزت عن إيذاء أستاذك الذى لا تحبه. وتفسير الأمر عندى أنه لما رآنى أبتسم وأنتظره فى تلمظ فهم أن شيئا لم ‏يحدث لى فتظاهر بأنه لم يعمل لى عملا أصلا…

يتبع ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

جريمة جنديرس والتهرب من المسؤولية

بلدة جنديرس في ريف مدينة عفرين كانت إحدى أكثر المناطق تضرراً من الزلزالين المدمرين اللذين …