مقالات

الاحتجاج السياسي الثوري.. سبل الترشيد والعقلنة

لورانس شمالي

ناشط وكاتب سوري
عرض مقالات الكاتب

الاحتجاج السياسي الثوري سبل الترشيد والعقلنة
يعد الاحتجاج السياسي نوعا من أنواع الرأي العام، وأحد مظاهره، تلجأ إليه الجماهير في حال عدم وصول مطالبها إلى الصفوة الحاكمة، وقد نصت الدساتير على حق حرية التعبير، وحفظته الأعراف السياسية، ويأخذ الاحتجاج السياسي شكلين في ظهوره، فيأخذ في عنفوانه الشكل الثوري القائم على العنف والفوضى، وشكل الاحتجاج السلمي القائم على تظاهر الجماهير في حيز مكاني، معبرين عن ذاتهم من خلال التظاهر الذي يعد بيانا جماعيا منظما لرأي أو إرادة، يتخذ شكل مسيرة جماعية، تعلن عن أهدافها ومطالبها بحسب ما ترفع من شعارات، وما تصدح به من هتافات.
يعرف الاحتجاج السياسي أنه: إعلان ضد ما يعد غير شرعي وظلما من جهة عامة وفردية، ويمكن أن يتم على أساس فردي أو جماعي، ويأتي الاحتجاج عبر تفاعل الرأي العام، حول قضية بعينها حيث يتمظهر ذلك التفاعل بصيغة مسيرة جماعية ترفض قرارا أو تدعمه، تخلع نظاما سياسيا أو تزكيه، وقد يأخذ الاحتجاج أحد شكليه سليما مرشدا، أو فوضويا عنيفا يؤدي إلى أعمال عنيفة غوغائية.

تابعنا في فيسبوك


ويعبر الاحتجاج السياسي داخل الفضاء الجماهيري عن أزمة النسق السياسي، حيث لم يعد بإمكان خطاب السلطة الحاكمة وأدواتها التنفيذية إقناع الجماهير بالاحتكام إلى المؤسسة السياسية الرسمية، في طرح مطالبهم والاستجابة لها، مما يؤدي حتما إلى لجوء الجماهير وجنوحها إلى التظاهر والاحتجاج.
وقد نظم الوطنيون السوريون وعلى رأسهم الدكتور عبد الرحمن الشهبندر، أول عملية احتجاج سياسي، عرفتها الحياة السياسية في سورية، في صباح يوم الخميس 6 نيسان 1922، حيث تجمهر الأف السوريين، أثناء زيارة لجنة ” كينغ – كراين” لسوريا، منادين بحرية سورية، وسقوط الاحتلال.
ليصبح الاحتجاج السياسي أحد أهم الأدوات لدى السوريين، في مسيرتهم النضالية، وحياتهم السياسية، حيث تلا ذلك الحدث الجديد في الحياة السياسية السورية الكثير من الأعمال الاحتجاجية، كالاحتجاج الذي قام به السوريون، عقب مخرجات مؤتمر سان ريموعام 1920، واحتجاج حرائر دمشق على اعتقال سلطات الانتداب عددا من الوطنيين، ويعد ذلك أول احتجاج نسوي في الحياة السياسية السورية، حيث خرجت سبعون سيدة، من منزل عقيلة الشهبندر، نحو السفارة الأمريكية احتجاجا على ما فعله المستعمرون.
ما فتئ السوريون يعبرون عن مطالبهم السياسية، بكافة الوسائل المتاحة، وقد ظل الاحتجاج السياسي هو الوسيلة والأداة الأقرب، لدى السوريين مع كل فعل سياسي، طيلة فترة النضال ضد المستعمر. إلى أن تلاشت الحياة السياسية، في ظل الحكومات الإنقلابية، وصولا إلى تصحر الحياة السياسية، بعد انقلاب البعث على السلطة عام 1970. ومع اندلاع الثورة السورية في 8 أذار عام 2011، عم الاحتجاج السياسي السلمي أغلب المدن السورية، في مشهد يعيد الذاكرة السياسية إلى نضال الآباء المؤسسين للجمهورية العربية السورية.

الاحتجاج السياسي الثوري ونزاع الجماهير:
غالبا ما يأخذ الاحتجاج السياسي الثوري في أكثر حالاته مظهر العنفوان والفوضى، وهي حالة تتناسب شيئا ما مع نوعية المطالب الثورية، القائمة على التغيير الجذري الكلي، أوالتغيير الإصلاحي، في إطار قواعد النظام القائم. وهو ما تتسم به حركة الاحتجاج السياسي عند السوريين، في الآونة الأخيرة، على وجه الخصوص.
فحركة الاحتجاج السياسي ” لن نصالح “، التي أطلقت ردا على مسار تطبيع أنقرة مع دمشق، واحتجاجات ريف دير الزور الغربي على انتهاكات مجلس دير الزور العسكري، التابع لقسد، وموجة الاحتجاجات الآخيرة، في مدينة الرقة ضد قسد، ولدت بمظهر ثوري عنيف، تخللها أعمال فوضى، رغم شرعية مطالبها.
فهذه الاحتجاجات السياسية الثورية متعددة الروى والفواعل، فعلى الرغم من وحدة الجماهير في الأهداف ومطلبها المركزي، إلا أنها متعددة المشارب والمناهل الإيديولوجية، فهذا التناقض يزيد من صعوبة التحكم بها وترشيدها، فهي احتجاجات عفوية وعامة، يقودها نُزاع الجماهير، الذي حلوا محل النخبة السياسية المترهلة.
أدى ترهل النخبة السياسية، والمعارضة التقليدية، إلى ظهور طبقة سياسية جديدة، بعيدا عن مفهوم الصفوة والنخب، ولدتها الحاجة الثورية، وهي طبقة ” نزاع الجماهير”، التي يمتلها المؤثرون الاجتماعيون، والشباب الثائر، القادرون على تحريك الجماهير الثورية وتنظيمها. وقد ساعد في نشوء هذه الطبقة أسبقية ميادين الاحتجاج على النخبة والمعارضة التقليدية، فالاحتجاج السياسي في الثقافة الثورية السورية حالة متجاوزة للنخبة الثورية، والمعارضة التقليدية.

رسوخ ثقافة الاحتجاج السياسي وآثاره:
إن رسوخ عملية الاحتجاج السياسي في الضمير الجمعي لدى الجماهير، وتحوله من أداة تعبيرية، إلى ثقافة مرادفة لكل فعل سياسي، يحمل إيجابيات وسلبيات، تنعكسان على الحياة السياسية والاجتماعية، فالجانب الإيجابي يتمحور حول نقطتين أساسيتين: أن عملية الاحتجاج السياسي تعتبر مؤشرا، من مؤشرات الدلالة على وجود حالة سياسية نشطة، كما تعتبر أحد أهم أدوات السياسية، التي تقي من نشوء نظام استبدادي تسلطي، قد يفزر ويتوغل على الحياة السياسية في سوريا. ويكمن الجانب السلبي في أنه حالة معتمدة، لدى الجماهير، مع وجود وسائل وبادئل أخرى، عند أي فعل سياسي، كما أن نزوع الجماهير نحو العنف والفوضي في حالة الاحتجاج الثوري، يعود حتما بالضرر على البنية الاجتماعية، والمؤسسات الخدمية، وهو ما يقود إلى التساؤل عن سبل ترشيد وعقلنة حراك الاحتجاجات السياسية؟
إن محاولة ترشيد وعقلنة عملية الحراك الاحتجاجي، تكون على عدة مستويات، وعلى عدة مراحل، من خلال زيادة الوعي السياسي، لدى الجماهير، وتمكينها في المشاركة السياسية، فالجماهير تلجأ إلى الاحتجاج، في حال عدم وصول مطالبها إلى النخبة الحاكمة، مما يعني ذلك ضرورة عدم تمكينها من المشاركة السياسية، وعملية صنع القرار، وتفعيل دور الحوامل السياسية، كالأحزاب السياسية، والنقابات الاجتماعية، ومنظمات المجتمع المدني.

اقرأ: رفضاً للمصالحة مع الأسد وتأكيداً على مبادئ الثورة.. مظاهرات شعبية تعم الشمال السوري


كما أن رسوخ الانتماء لشيء مشترك، في الضمير الجمعي لدى الجماهير، كاعادة بناء الهوية الوطنية الجامعة، ونشر ثقافة المشتركات بين الجماهير، سواء كانت تاريخية أو دينية أو عرقية، يعزز ذلك من الانتماء ويخلق رابطة معنوية بين الجماهير، الأمر الذي يؤدي ضرورة إلى حفاظ الجماهير، على السلوك السلمي، أثناء عملية الاحتجاج، تجاه الدوائر الحكومية، السياسية والخدمية.
أخيراً: بالنظر إلى مقاصد وغايات الاحتجاج، كفعل سياسي مطالبي، للتعبير عن أهداف وغايات الجماهير، حول أمر ما، لن تتوقف الحركة الاحتجاجية، مالم يكن هناك كيان ثوري جديد، على أنقاض أجسام المعارضة والنخب التقليدية المترهلة، يكون حاملا لمطالب الجماهير، مستقلا عن التبعية،تذوب فيه التناقضات العقدية والأيديولوجية.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى