أخبار عاجلة

حرق المصحف في أوروبا.. حالات عابرة أم أصول تاريخية؟

باسل المحمد

مدير الأخبار – رسالة بوست
عرض مقالات الكاتب

لم تكن جريمة إحراق نسخة من المصحف الشريف في السويد، أمام السفارة التركية، والتي ارتكبها اليميني المتطرّف الدنماركي راسموس بالودان للتنديد بالمفاوضات التي تجريها ستوكهولم مع أنقرة حول الانضمام لحلف شمال الأطلسي، حدثاً عابراً أو حالة استثنائية في تاريخ أوروبا والغرب بشكل عام، لأنه بالعودة إلى التاريخ نجد أن هذا الفعل الإجرامي بدأ منذ عام 1530، عندما ظهرت في البندقية أول نسخة مترجمة لاتينية للمصحف. إذ نجد أنه في العام نفسه أصدر البابا كليمنت السابع مرسوماً بإحراق هذه الطبعة. وصدرت بعد ذلك مباشرة قرارات من محاكم التفتيش الإسبانية تحظر إصدار أي ترجمات لاتينية للقرآن.
بعد ذلك بدأ أحد العاملين في الطباعة آنذاك وهو يوهانز اوبورينوس في مدينة بال بسويسرا في عام 1541 بطباعة ترجمة لاتينية كان قد أنجزها روبرت كيتون في القرن الثانى عشر، ولكن سلطات المدينة صادرت هذه الطبعة بأكملها. هذا بالإضافة إلى مرات أخرى مورست فيها هذه الجريمة من قبل بعض المسيحيين أثناء الحرب الصليبية. وللمفارقة والتأكيد على هذا النهج المعادي والكاره للإسلام بقيت هذه القرارات نافذة المفعول حتى عام 1790.

اقرأ: علج يحرق المصحف بحماية  دولة السويد! من الذي جرّأ هؤلاء على حرق المصحف؟


واستمر الحال في أوروبا على ذلك إلى أن أعلن زعيم الحركة الإصلاحية للكنيسة الكاثوليكية مارتن لوثر معارضته لهذه الإجراءات، وقال إن نشر ترجمة القرآن إلى اللاتينية ومعرفة محتواه «تفيد المسيحية وتمجد المسيح وتلحق الضرر بالمسلمين». وهكذا صدرت هذه الطبعة في عام 1542 وبها مقدمة كتبها مارتن لوثر.

والمتتبع لحالات حرق نسخ من القرآن الكريم في أوروبا يجد أن التاريخ لا يقدم أدلة على أي استنكار لجريمة حرق المصحف في عام 1530 أو لممارسات مماثلة إبان الحروب الصليبية، هذه الحروب التي كان هدفها تدمير العالم الإسلامي والسيطرة عليه بدوافع دينية، وكانت جرائم هذه الحروب أكبر دلالة على هذه الدوافع، فبالإضافة إلى القتل والتمثيل بالمسلمين، ذكرت كتب التاريخ الكثير من حوادث هدم للمساجد وحرق نسخ من القرآن.

تابعنا في فيسبوك

وبعد فترة الحروب الصليبية تراجع هذا الموضوع كثيراً في أوروبا والغرب بشكل عام، إلى أن جاءت هجمات 11 أيلول سبتمبر ، وما أعقبها من غزو أمريكي لأفغانستان، وما رافق ذلك من هجوم مسعور على الإسلام، ووصمه بصفات الإرهاب والسواد، ليأخذ هذا الأمر طابعاً دينياً سياسياً.
ليأتي بعد ذلك العام 2010 حينما أعلن قس أمريكي مغمور يدعى تيري جونز «اليوم العالمي لحرق القرآن» داعيًا إلى حرق نسخ من القرآن في تاريخ هجمات نيويورك بدعوى أن كتاب المسلمين المقدس يدعو للإرهاب والتطرف، وهو ما أدى حينها إلى مظاهرات غاضبة في عدد من الدول الإسلامية، أدت إلى إحجامه عن هذا الفعل الإجرامي.
لكن يبدو أن دعوات ذلك القس المغمور وجدت آذاناً صاغية لدى الجنود الأمريكيين عام 2014 ، إذ قام هؤلاء الجنود بإحراق مصاحف في قاعدة باغرام الشهيرة، وتزامن ذلك مع إحراق محققين أمريكيين لمصاحف في غوانتنامو، وهو ما أدى إلى مظاهرات غاضبة في بلدان إسلامية عديدة، واتخذ الأمر طابعاً سياسياً مع إبداء ساسة من الحزب الجمهوري تأييد الدعوة بالتوازي مع حملات سياسية ضد الرئيس الأسبق باراك أوباما، في ربط بين جذوره من ناحية أبيه الكينيّ المسلم، والعلاقات المتوتّرة مع العالم الإسلامي بعد غزو أفغانستان والعراق.
وخلال العقد الماضي تزايدت حالات حرق القرآن في أوروبا حيث اعتقلت الشرطة البريطانية عام 2014 شابا قام بتمزيق نسخة مترجمة للإنجليزية من القرآن الكريم ووضعها في التواليت ومن ثم حرقها، قبل أن تفرج السلطات عنه بكفالة، بحسب موقع “بيزنس إنسايدر”.
وبعد ذلك بعام، أي في 2015 أحرق رجل دنماركي يبلغ من العمر 42 عاما نسخة من المصحف الشريف في فناء منزله الخلفي ونشر مقطعا مصورا ينقل فعلته.وبعد نحو عامين، وجهت إليه السلطات الدنماركية تهمة التجديف (الكفر) بسبب حرقه نسخة من القرآن، والتي يعاقب عليها القانون بالسجن 4 أشهر كأقصى حد، لكن الادعاء العام قال إنه في حال إدانته بالتهمة الموجهة إليه سيتم تغريمه فقط.
وتكرر الأمر كذلك عدة مرات بين عامي 2019 و2022 في كل من السويد والنروج، دون اتخاذ إجراءات قضائية حازمة تجاه هؤلاء الأشخاص، بدعوى ح”حرية التعبير”. وهذا ما أكده وزير العدل السويدي ليبرر أفعال هذا المتطرف والسماح له بحرق نسخ القرآن، وللأسف بحماية الشرطة في مؤتمر صحافي بقوله نعيش في ديمقراطية فيها حيز واسع جداً لحرية التعبير والإعلام، ونحن نعتز بذلك، ولا توجد لدينا أي نية بتضييق مجال الحريات حتى ولو تم استغلالها من قبل يميني دانماركي للتحريض على الكراهية والشقاق واحداث العنف وهو أمر مؤسف.
إنه من الصعب علينا، أن نفهم كيف باتت حرية التعبير في أوروبا محصورة في حرق القرآن الكريم، والتطاول على الإسلام، وعلى النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، ونشر الرسوم الكرتونية المسيئة في استفزاز ليس موجها لأبناء الجاليات المسلمة فقط، وانما لكل المسلمين في كل بقاع الأرض.

تحديات كبيرة تواجه الأمة الإسلامية، الأمر الذي يحتم على علماء الإسلام ضرورة توحيد الخطاب الإسلامي، لمواجهة حملات الكراهية و العنصرية التي تستهدف عقيدة المسلمين، وقرآنهم الكريم.

تابعنا في تويتر


و في الختام لابد أن نردد التساؤلات التي تدور على ألسنة ملايين المسلمين حول العالم؛ لماذا أصبح المسلم ومقدساته الإسلامية.. عرضة للأذى و الهجوم من كل متطاول و حاقد ؟ وكيف يتم حرق القران الكريم ولا نرى أثرا لذلك في شوارع و عواصم العالم العربي والإسلامي؟
أين هي أمة المليارين من حرق وتدنيس نسخ الذكر الحكيم و معجزة الإسلام الخالدة؟ لماذا حكوماتنا تكتفي ببيانات الشجب و التنديد ؟ لماذا لا يتم اللجوء للعقوبات الاقتصادية و سلاح المقاطعة لمنتجات و سلع و خدمات البلدان المعتدية؟ لماذا بلداننا لا تستغل ثرواتها لبناء أوطان تصلح لعيش جميع أبناءها و تصبح جاذبة لكل؟. المستضعفين و حامية للمظلومين خاصة في ظل صعود اليمين المتطرف في معظم البلدان الغربية ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

صناعة العنف فى مصر.. مسؤولية من؟

محمد عماد صابر برلماني مصري سابق بعد مرور 12 عاما على ذكرى 25 …