أخبار عاجلة

القـــــواعـــد الفـقـهـــية (26) القاعدة الثالثة والعشرون ما حرم أخذه حرم إعطاؤه

محمد عبد الحي عوينة

كاتب وداعية إسلامي. إندونيسيا.
عرض مقالات الكاتب



ما حَرُم أخذه حَرُم إعطاؤه (أشباه السيوطي ص150، أشباه ابن نجيم ص 158).
وفي لفظ: ما حَرُم على الآخذ أخذه حَرُم على المعطي إعطاؤه (المنثور من القواعد الفقهية3 /140).
وفي لفظ: ما حَرُم أخذه حَرُم كلّ شيء منه، وما ضُمِنَت جملته ضمنت أبعاضه.
وهَذِهِ الْقَاعِدَةِ “ما حرم أخذه حرُم إعطاؤه” تتشابه مع عدة قَواعِدَ مثل:
قاعدة: مَا حُرِّمَ فِعْلُهُ. حُرِّمَ طَلَبُهُ. القاعدة السابقة
وقاعدة: ما حرُم استعماله حرُم اتخاذه.الآتية
فهذه القواعد الثلاث متقاربة المعنى وكلها تفيد سد أبواب الحرام أخذاً وإعطاءً وفعلاً وطلباً واستعمالاً واتخاذاً.

معنى الْقَاعِدَة:
أَن الشَّيْء الْمحرم الَّذِي لَا يجوز لأحد أَن يَأْخُذهُ ويستفيد مِنْهُ يحرم عَلَيْهِ أَيْضاً أَن يقدمهُ لغيره وَيُعْطِيه إِيَّاه سَوَاء أَكَانَ على سَبِيل المنحة ابْتِدَاءً أم على سَبِيل الْمُقَابلَة، وَذَلِكَ لِأَن إعطاءه الْغَيْر عندئذ يكون من قبيل الدعْوَة إِلَى الْمحرم أَو الْإِعَانَة والتشجيع عَلَيْهِ، فَيكون الْمُعْطِي شريك الْفَاعِل. وَمن الْمُقَرّر شرعاً أَنه كَمَا لَا يجوز فعل الْحَرَام لَا يجوز الْإِعَانَة والتشجيع عَلَيْهِ. ومن المقرر شرعاً أنه كما لا يجوز فعل الحرام لا يجوز الإعانة والتشجيع عليه، لقوله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) .

تابعنا في فيسبوك

دليل القاعدة:
من القرآن الكريم:
1- قوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَان} [المائدة 2]
1- و قوله تعالى: {وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ} [يس 12]

ومن السنة:
1- عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الخَمْرِ عَشَرَةً: عَاصِرَهَا، وَمُعْتَصِرَهَا، وَشَارِبَهَا، وَحَامِلَهَا، وَالمَحْمُولَةُ إِلَيْهِ، وَسَاقِيَهَا، وَبَائِعَهَا، وَآكِلَ ثَمَنِهَا، وَالمُشْتَرِي لَهَا، وَالمُشْتَرَاةُ لَهُ.
رواه ابن ماجه، والترمذي وقال: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ.
وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ..وهو حديث حسن لغيره.
2- عن ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، يَقُولُ: بَلَغَ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ أَنَّ فُلاَنًا بَاعَ خَمْرًا، فَقَالَ: قَاتَلَ اللَّهُ فُلاَنًا، أَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «قَاتَلَ اللَّهُ اليَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ، فَجَمَلُوهَا فَبَاعُوهَا» رواه البخاري ومسلم.

تابعنا في تويتر

أمثلة وتطبيقات:
1- الربا لا يجوز أخذه ولا إعطاؤه. لقوله صلى الله عليه وسلم، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آكِلَ الرِّبَا، وَمُؤْكِلَهُ، وَكَاتِبَهُ، وَشَاهِدَيْهِ»، وَقَالَ: «هُمْ سَوَاءٌ» رواه الخمسة وصحّحه التّرمذي.

2- الرِّشْوَة لَا تملك بِالْقَبْضِ، ويحرم أخذها، وَيجب ردهَا وَلَو كَانَت بِغَيْر طلب المرتشي. كما يحرم إعطاء الرشوة ولو بطلب المرتشي.

3- أجرة النائحة، لأن النياحة محرمة، كما روت أم عطية رضي الله عنها: «وَنَهَانَا عَنِ النِّيَاحَةِ» صحيح البخاري باب بيعة النساء
وفي صحيح البخاري أيضاً عن أُمِّ عَطِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: «أَخَذَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ البَيْعَةِ أَنْ لاَ نَنُوحَ»
فإذا كانت النياحة حرام فالأجرة عليها حرام، ويحرم أخذ الأجرة على النياحة، كما يحرم إعطاء الأجرة عليها.

4- لا يجوز أخذ مهر البغي (أي الفاجرة) وحلوان الكاهن (أي المنجم ومدعي علم الغيب)، إذْ الْكِهَانَةُ انْقَطَعَتْ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. كما لا يجوز إعطائهم، لانه حرام، لنهيه صلى الله عليه وسلم عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ، وَمَهْرِ البَغِيِّ، وَحُلْوَانِ الكَاهِنِ رواه البخاري وفي سنن أبي داود:لَا يَحِلُّ ثَمَنُ الْكَلْبِ، وَلَا حُلْوَانُ (غمز عيون البصائر في شرح الأشباه والنظائر 1/ 449)

5- وَأُجْرَة الْمُغنِي، والزامر والعازف على الآلات الموسيقية والمطرب، كل ذلك لا يجوز أخذاً ولا إعطاء.

7- أجرة والواشمة، والواشرة، والمتوسطة لعقد النِّكَاح، والمصلح بَين المتخاصمين، وعسب التيس كل ذلك لا يجوز أخذه ولا إعطائه.

8 – لا يجوز دفع صدقة لمن له قوة الكسب، لأنه لا يجوز أخذها، للحديث الذي في سنن أبي داود (2/ 118)
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ، وَلَا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ».

استثناءات من هذه القاعدة:
وَيُسْتَثْنَى من هذه القاعدة صُوَرٌ مِنْهَا:
1- الرِّشْوَةُ لِلْحَاكِمِ، لِيَصِلَ إلَى حَقِّهِ، فيحرم على الآخذ دون المعطي، لأن المعطي يتحمل أخف الضررين، إما ضياع حقه، وإما دفع شيء من المال، وكلاهما ضرر، فيتحمل أخف الضررين.
نعم دفع الرشوة مفسدة، لكن ضياع الحقوق مفسدة أعظم، فيدرء المفسدة الكبرى بتحمل المفسدة الصغرى.

2- لَوْ اسْتَوْلَى غَاصِبٌ عَلَى مَالِ يتيم، فَلِلْوَصِيِّ أَنْ يُعْطِيَ شَيْئًا لِيُخَلِّصَهُ. فيجوز الدفع ويحرم الأخذ، يجوز الدفع لدرء المفسدة الكبرى، واحتمال أخف الضررين.(الأشباه والنظائر للسيوطي ص151، غمز عيون البصائر في شرح الأشباه والنظائر 1/ 449)

3- يجوز الاستقراض بالربا في حال الاضطرار، و مَا يَدْفَعهُ الْمُسْتَقْرض بالربا إِذا كَانَ مُحْتَاجا أو اقترض لضرورة يحرم على الْآخِذ أخذه، وإن جاز للْمُعْطِي إعطاءه للضرورة أو الحاجة. ، وذلك دليل زوال الرحمة والتعاون في قلوب المسلمين، وهذا من باب اختيار أهون الضررين.

4- يجوز إعطاء الكفّار فدية لفَكُّ الْأَسِيرِ وَإِعْطَاءُ شَيْءٍ لِمَنْ يَخَافُ هَجْوُهُ، فلا يحرم عندئذ فِي جَانِبِ الدَّافِعِ، أَمَّا فِي جَانِبِ الْمَدْفُوعِ لَهُ فَحَرَامٌ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

(لا يَأتيهِ البَاطلُ) (5)..السماحة كقيمة عظمى في القرآن الكريم

د. علي محمّد الصلابيّ السماحة أول أوصاف الشريعة، وأكبر مقاصدها، والسماحة: سهولة …