أخبار عاجلة

“خيمة عن خيمة تفرق”.. عن الخيام الفلسطينية ومخيمات شمال سوريا

أحمد عبد الحميد|

“خيمة عن خيمة تفرق”.. هذه عبارة أطلقتها “أم سعد” في قصة غسان كنفاني القصيرة التي حملت الاسم نفسه، لتفرّق بين خيام اللاجئين الفلسطينيين المليئة بالذل والفقر وبين خيام (الفدائيين) في ميادين المقاومة الفلسطينية في ذلك الوقت الذي كتبت فيه القصة:

  • “صمتتْ لحظة، ثم أدارت وواجهتني: أتعتقد أنه سينبسط لو ذهبتُ فزرته؟ (تقصد أم سعد ابنها سعد الفدائي)
    أستطيع أن أوفر أجرة الطريق، وأذهب يومين إلى هناك.
  • وتذكرتْ شيئاً، فأكملت: أتدري؟ أن الأطفال ذل! لو لم يكن لدي هذان الطفلان للحقت به. أي (بـ سعد الذي التحق بالفدائيين).. لسكنت معه هناك..
    – تريدين أن تسكني خيام؟
    – خيمة عن خيمة تفرق!

إلى جانب خيام اللاجئين، كانت هناك خيام في الداخل الفلسطيني تسمى بخيام الفدائيين.
هذه الخيام كانت تنطلق منها العمليات العسكرية ضد الصهاينة. وكانت تعتبر خزان العمل الفلسطيني المقاوم. حيث شكلت تلك الخيام هاجسا يطارد الاحتلال الذي يحلم بالتخلص منها كيفما كان، فأصبحت رمزا وطنيا فلسطينيًا.

أبقى عند كنفاني الأديب الفلسطيني..
في أول لقاء بين ناجي العلي أشهر رسام كاريكاتيري فلسطيني وغسان كنفاني الأديب الفلسطيني يسأل كنفاني العلي عن لوحة رسمها تجسد خيمة على شكل هرم..

_ ناجي.. شو اللي خلاك ترسم الخيمة على شكل هرم؟
شو علاقة الخيمة بالهرم؟
_ رد ناجي: بأن هناك علاقات وليس علاقة.
أولا إحنا الفلسطينيين بنتميز بالخيمة زي ما المصريين بيتميزوا بالهرم.
صح حكيك.. هز كنفاني رأسه بقبول..
ثم ختم ناجي وعيناه تلمعان بوهج:
العلاقة الأخيرة هي العلاقة بين حجر الهرم المصري وقماش الخيمة الفلسطينية.
لم يفهم كنفاني قصد ناجي
فسأله بصوت خفي.
_ شو يعني؟.. مش فاهم؟
_ فرد عليه بثقة: ما بيرجّع فلسطين غير هالحجر. وصفَق قبضة يده اليمنى ببطن راحته اليسرى ثم انحنى والتقط حجرا، وقال بجد وهو يشد عضلات وجهه ويقطب جبينه: ما بيطلع هالحجر إلا من هالخيمة.. لا من قصور ولا من علالي.. وسلامة تسلّمك.

لكن عودوا معي إلى ما قبل نكسة ألف وتسعمئة وسبعة وستين.. إلى شيخ شباب الشام “فخري بك البارودي” يوم أن كان في صفوف الجيش العربي عام ١٩١٦.. يصف خيمة أقام بها عندما كان مفروزا لقيادة الجنود الذين أصيبوا بالجرب أثناء الحرب، وهو سليل أسرة إقطاعية يعيش القصور يعني (اطلب تعطى):

وخيمتي شبه كوخ فيه أمتعتي
أكياسٌ ملأى فمن سود إلى صفر هذا به عدسي هذا به بصلي
هذا به برغلي هذا به بُرِّي
أما طعامي فلا سمن ولا عسل سوى النواشف من كعك ومن تمر أما غسيلي فتعفيش أعفشه
مع الأُشنان وتخبيطٌ على الصخر

لاحظوا كيف رسم البارودي نصف صورة لمخيماتنا السورية، ولو أنها لا تقارن مع الألم والجوع والمرض والفقر.. فعلى الأقل البارودي حصّل البرغل والنواشف..

الآن يامن يقرأ.. اركب معي وتنقّل بين مخيمات الشمال السوري من عفرين إلى إدلب. لن ترى إلا أجسادنا طرية في عز الصقيع يغوصون بالوحل بأقدام مبللة.. يتقاطرون عناء ومشقة..تتقاذفهم المنظمات وتلعب برغيف خبزهم.

هذه الخيمة السورية ستبقى شاهدة على المأساة، لكن بالمقابل هناك فرق ما بين خيمة استحضرت الفرصة لتتحرر وتعود إلى بيوتها وقراها وخيمة ماتزال تستحضر الرحمة والشفقة.
إذا أردتم نتيجة الخيمة الأولى فما عليكم إلا أن تعوا قول كنفاني فقد قاله للخيام الفلسطينية التي تشبه خيامكم الآن:
ثوروا فلن تخسروا سوى القيد والخيمة..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

لو أنكَ..

عالية محمد علي شاعرة عراقية لو أنك أبطأت قليلاً خُطاكْوتوقفت لبرهة قبل الحدودوألتفتَّ …