أخبار عاجلة

الحملة الفرنسية على مصر والشام: تجربة فاشلة لنشر الحداثة أم لفرضها بالقوة؟(7من 8)


تقهقر قائد الحملة إلى بلاده، برغم نجاح أسلوب القمع وسفك الدماء في بعض جولات الحرب في إسكات الشعب، أو إبطاء ثورتهم. شعر بونابرت بكراهية الشعب له، وبأنَّه مهما فعل فلن يُفلح في مهمَّته؛ فقد كان الحاجز الثقافي-أو الديني، في حقيقة الأمر-أكبر حائل دون وصوله إلى قلوب الجماهير، ولو أبدى احترامًا للإسلام ولرسوله في الظاهر. حتَّى أعضاء الديوان من المشايخ كانوا يتظاهرون أمام قائد الحملة بتأييده، بينما كانوا يتمنون هزيمته أمام الجيش العثماني؛ “فالغضب والكره كانا يسيطران على نفسيَّة الشعب المصري سيطرة بعيدة المدى، عميقة الأثر…والمصريُّون كانوا يجاهرون بعدائهم للفرنسيِّين، وكراهيتهم له، وكانوا ينتظرون الفرص للانتفاض والثورة عليهم” (ص89). ولعلَّ من أهم العوامل الخارجيَّة التي دفعت بونابرت إلى الرحيل عن مصر تسرُّب أخبار هزائمه في بعض معاركه في مصر إلى أوروبا، وقلقه من إمكانيَّة انتقال الثورة إلى البلدان الأوروبيَّة التي احتلَّها فرنسا. رحل بونابرت من مصر سرًّا يوم 18 أغسطس من عام 1799، بعد 13 شهرًا مرَّت على رسو سفينته في ميناء الإسكندريَّة؛ وادَّعى القائد شديد الثقة بقدراته العسكريَّة أنَّه عائد إلى بلاده لبضعة أشهر، على أن يعود بعدها بإمدادات.

اقرأ: الحملة الفرنسية على مصر والشام: تجربة فاشلة لنشر الحداثة أم لفرضها بالقوة؟ (6 من 8)


ازدادت المشكلة بين الشعب وأعضاء الحملة تعقيدًا بعد رحيل بونابرت عن مصر؛ فبرغم قسوته وجبروته في المعارك، فقد كان على الأقل حلو اللسان، وودودًا في حديثه إلى بعض المصريِّين، حتَّى كسب ثقتهم. أمَّا خليفته، الجنرال كليبر، فقد عُرف عنه جموده الشديد، وقسوته المتناهية. كان اندلاع ثورة في مصر في عهد كليبر متوقعًا؛ بسبب الأزمة الاقتصاديَّة الرهيبة التي تعرَّضت لها البلاد، بعد رحيل بونابرت بكلِّ ما في خزينة الدولة، وبعد سلبه أموال الكبراء والأعيان في بداية حملته. وتجدَّدت محاولات الدولة العثمانيَّة انتزاع مصر، التي كانت إحدى ولاياتها، من أيدي الفرنسيِّين؛ فشَنَّت حملة جديدة عالية التجهيز، لكنَّها فشلت من جديد. ومع انتصار الفرنسيِّين من جديد على الجيش العثماني، أدرك كليبر ضرورة عقد اتفاقيَّة صُلح مع الدولة العثمانيَّة والجلاء عن مصر.
وفي مارس من عام 1800 ميلاديَّا، نشبت ثورة جديدة في القاهرة، وكان من أهم دعاء تلك الثورة تسلُّل كتيبة من الجيش العثماني إلى القاهرة، وسعي قائد الكتيبة إلى إثارة مشاعر الجماهير ضدَّ الحملة؛ فاستجاب المصريُّون له، وشنُّوا حملة موسَّعة على الحاميات الفرنسيَّة في القاهرة، ولم تفلح قذائف مدافع الحملة في إرهاب المصريِّين. أصرَّ الشعب على الاستمرار في ثورته حتَّى جلاء المستعمرين؛ فقتلوا رُسُل قائدهم لمَّا جاء لعرض الصُلح، “وأنشئوا معملًا للبارود، ومعملًا لإصلاح الأسلحة والمدافع، ومعملًا لصُنع القنابل وصبِّ المدافع؛ وجمعوا الحديد من المساجد والحوانيت، وبدأ العمَّال يتطوَّعون للعمل في هذه المعامل، وأخذ الأهالي يجمِّعون القنابل الفرنسيَّة التي كانت تسقط عليهم ولا تنفجر ليستعملوها من جديد لضرب الفرنسيِّين” (ص95). أهم ما يميِّز ثورة القاهرة الثانية اجتماع المصريِّين والأتراك العثمانيِّين والمماليك لمحاربة عدوٍّ واحد، هو الحملة ورجالها، وإن تباينت أهدافهم. “فالمصريُّون كانوا يريدون استقلالًا وحريَّة، والأتراك يريدون أن يجعلوا مصر جزءً من دولتهم الكبيرة، وأن يعيدوها إلى حظيرتهم ولاية من ولاياتها، والمماليك يطمعون في أن تعود إليهم السلطة في البلاد كما كانت قبل الحملة الفرنسيَّة” (ص96).

تابعنا في فيسبوك


لم يتراجع كليبر عن مواصلة مهاجمة المصريِّين وإلحاق الخسائر بهم، فأسرف في التخريب والقتل، وأحرق أحياء بأكملها، واستسلم العثمانيُّون والمماليك وانسحبوا، لكنَّ المصريِّين أصرُّوا على استكمال المواجهة، ولو بعد هدنة اضطراريَّة. شنَّ كليبر حملة تأديبيَّة على سكان القاهرة بعد ثورتهم، ففرض عليهم دفع 12 مليون فرنك، بالإضافة إلى تقديم تعويضات عن الأسلحة التالفة للحملة خلال الثورة التي استمرَّت خمسة أسابيع، وإلى فرض غرامات على المشايخ الذين أيَّدوا الثورة. واستمر كليبر في التنكيل بالمصريِّين حتَّى كتَبَ الله نهايته على يد الطالب الأزهري الشامي سليمان الحلبي، الذي دبَّر حيلة مُحكمة لقتل كليبر، انتقامًا من الفرنسيِّين على مجازرهم في الشام. وتسلَّم قيادة الحملة بعد كليبر الجنرال مينو، لكنَّه كان ضعيف الشخصيَّة، وإن استأنف مسيرة النهب والقتل بأسلوب انتقامي. غير أنَّ الحملة قد أنهكتها كثرة المعارك، فاضطرَّ مينو في النهاية إلى سحب قوَّاته الباقية والرحيل عن مصر في سبتمبر من عام 1801 ميلاديًّا.
الحملة الفرنسيَّة في سينما “يحيى شكري”: الوداع يا بونابرت (1985)
يتناول الفيلم مسألة صراع الحضارات، بتسليط الضوء على أهم أسباب الحملة الفرنسيَّة على مصر أواخر القرن الثامن عشر، ولمدَّة ثلاث سنوات، وهو تنوير الشعب المصري وإخراجه من حالة الجمود الفكري. يشهد الفيلم، وفق ما تنشره موسوعة ويكيبيديا الرقميَّة، بتأثير الحضارة الفرعونيَّة على الحضارة الغربيَّة ومنجزاتها التقنيَّة، ويدعو إلى الحوار بين الحضارتين، وليس إلى الحرب الغاشمة. تلفت الأحداث الانتباه إلى وجود علماء ومفكِّرين ضمن أعضاء الحملة، وتمنح أحدهم مساحة كبيرة في الأحداث، أكثر من بونابرت ذاته، الذي يُتَّهم صراحةً باستغلال الحملة العسكريَّة في سبيل تحقيق مجد شخصي، وليس لمجد بلاده، كما يدَّعي.
تدور أحداث الفيلم حول أسرة مصريَّة تعيش في مدينة الإسكندريَّة الساحليَّة، وتتكوَّن من زوجين وثلاثة أبناء من الذكور. تفرُّ تلك الأسرة إلى القاهرة، تجنُّبًا للاجتياح الفرنسي لمصر بدايةً من الإسكندريَّة، حيث رسيت سفن نابليون بونابرت وجيشه الجرَّار. يتَّخذ كل ابن من الأبناء الثلاثة موقفًا مختلفًا من الحملة الفرنسيَّة، وفق خلفيَّته. فالابن الأكبر، بكر، وهو شيخ أزهري، يقرر فورًا التصدِّي لحملة “الكفرة” بالمواجهة العسكريَّة؛ أمَّا الابن الثاني، عليٌّ، فهو يتوخَّى الحذر في المواجهة الحربيَّة، إيمانًا منه بأن التفاهم السلمي أنسب، واعترافًا منه بفضل الفرنسيِّين عليه في تعليمه لغتهم وتعريفه بعلوم جديدة، معتبرًا أنَّهم ليسوا جميعًا مسؤولين عمَّا يفعله جيشهم. في حين يحتار الاين الأصغر، يحيى، بين أيٍّ من طريقي أخويه يسلك، لكنَّه ينضم إلى أخيه عليٍّ، ويدخل معه في صداقته لعالم فرنسي ضمن فريق الحملة لا يهدف إلَّا إلى نشر “العدالة والمساواة والإخاء”.
تبدأ الأحداث بترقُّب وصول الحملة إلى شواطئ الإسكندريَّة، مع تسليط الضوء على حالة التردِّي العلمي لأهل مصر، مقارنة بالتطوُّر التقني لفرنسا. يُمسك المراهق يحيى منظار خطفه من يد فرنسي من أصدقاء علي، في تعجُّب لمدى قدرته على رؤية الأجسام البعيدة.

صورة 1-من فيلم “الوداع يا بونابرت”
يثور الأزهري بكر على علي بسبب ترحيبه الضمني للحملة الفرنسيَّة “الكافرة”، التي يرى فيها الأمل للقضاء على ظُلم المماليك من حكَّام مصر، متَّهمًا الطرفين بالكُفر

صورة 2-من فيلم “الوداع يا بونابرت”
أمَّا عن موقف المماليك، فكان الخنوع والتخاذل.

صورة 3-من فيلم “الوداع يا بونابرت”
في وسط ارتباك الأزهريِّين وعدم تصوُّرهم لكيفيَّة التعامل مع الموقف.

صورة 4-من فيلم “الوداع يا بونابرت”
يصل نابليون بونابرت وجيشه، عازمًا على السيطرة على مصر بالكامل، ليس بالجيش فقط، إنَّما بالعلوم التي تغيِّر من هويَّة الشعب الفكريَّة. ويسلِّط الفيلم الضوء على عجز المصريِّين البدائيِّين-كما يصوِّرهم-عن مواجهة الفرنسيِّين بسبب تفوُّقهم التقني المزامن لتأخُّر وسائل الدفاع المصريَّة

صورة 5-من فيلم “الوداع يا بونابرت”

فالمصريُّون يحاربون بالسكاكين والعصيِّ.

صورة 6-من فيلم “الوداع يا بونابرت”
بينما يستخدم الفرنسيُّون البنادق…

صورة 7-من فيلم “الوداع يا بونابرت”

والمدافع الحديثة.

صورة 8-من فيلم “الوداع يا بونابرت”
أضف إلى ذلك، التفوُّق العددي للفرنسيِّين، الذي يدفع المحاربين المصريِّين إلى الفرار

4 تعليقات

  1. مقال رائع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

ملامح الفكر السياسي المستند إلى الوهابية (5من 9)

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن أكاديمي مصري. جزء 5موقف الإمارة الوهَّابيَّة …