سياسة

جمعة “سورية الحرة”

محمد سعيد سلام

سياسي سوري
عرض مقالات الكاتب

من الأهمية الكبرى والضرورة السياسية القصوى أن يعلم الثوار السوريون أن ثورتهم العظيمة ذات أبعاد استراتيجية تتجاوز المحلي وتتعدى الإقليمي لتستقر في بنية المشغل الدولي وأسس نظامه.

وفي كل مرة يتساءل سوريون بنكهة سياسية بسيطة لماذا يجمع العالم على منع الإرادة السورية من التحقق؟ ولماذا تتضافر جهوده باتجاه العصابة المجرمة والإبقاء عليها؟ تتصدر جهة محلية أو إقليمية أو قرار دولي ليجيبهم وليحذرهم ويقنعمهم أنه لن يتركهم، وسيكون عونا لهم ومنقذا، ولا داعي لأن يتعبوا أنفسهم ويعتمدوا على ذواتهم في تثبيت إرادتهم السياسية، فإنهم لن يقدروا بمفردهم، ويصدقوا ذلك وينساقوا وراءه؛ ثم سرعان ما يكتشفون خطأهم دون أن يستفيدوا من الدرس، ويتكرر المرة تلو المرة .

لا يشك أحدنا بأن الروسي من أكابر مجرميها، وكذلك ملالي طهران وميليشياتهم الطائفية الأشد نتنا وعفنا في العالم، ومع كل الإثخان فينا، ولدرجة غير متصورة لم يستطيعوا إسكاتنا وإجهاض ثورتنا .
وكذلك لم يتمكن مال “أصدقائنا الأوروبيين والخليجيين” رغم كل سيئاته الفادحة من إخراج الثورة عن سياقها بالكلية، فأصحاب الذمة النظيفة منا ليسوا بالعدد القليل .
ولم تنجح المليشيات القومية والراديكالية المدعومة من الأصدقاء المفترضين قبل الأعداء من مصادرة ثورتنا لصالحها بالكامل مع أنها أخذت أجزاء جغرافية مهمة من سوريتنا ومن أشخاصها .

وجاءت أستانة وفعلت فعلتها المشؤومة، ومرت على ثوار كثيرين جدا، وانطلت عليهم الشعارات الإنقاذية الخادعة، والشعارات العاطفية؛ ولا أتكلم هنا عن المعارضة لأنها خارج السياق بكل توجهاتها، وخصوصا اليمينية .

وقبل أن أدخل في اللحظة الفارقة التي بدأت بالتسريبات حول اللقاءات الأمنية بين العصابة والتركي، ومرورا بتصريحات وزير الخارجية، وانتهاءا باللقاء الوزاري في موسكو الإرهابية، ومظاهرات جمعة ٣٠ / ١٢ / ٢٠٢٢ العظيمة؛ أبين جزءا يسيرا من أثر الثورة السورية على مفاصل النظام الدولي، ردا على أصحاب الواقعية الانبطاحية، الذين يتهمون إرادتنا السورية الثورية بأنها طوباوية حالمة، عليها أن تقنع بالإملاءات الإقليمية والدولية في علاقتها مع المجرم، وأن تقبل بشراكة نظامه .
شكلت الثورة السورية إلهاما كبيرا للشعوب في إيران، وحفزتها على مواجهة الملالي فألهبت ثورة ستترك بصمة هائلة على دور الملالي في خدمة النظام الدولي .
وإن أي تغيير في سورية يزيح العصابة سيغير وجه لبنان وتركيبته الطائفية مباشرة، وتداعيات ذلك ماثلة أمامنا منذ سنوات، ودول عربية أخرى لا تختلف عنه في التأثر بسورية وثورتها .
وكذلك خروج بريطانية من الاتحاد الأوروبي وتداعياته، مع ما جرى في أوكرانيا ٢٠١٤ وإزاحة الرئيس المرتبط بروسيا، ثم احتلال القرم، ثم ما حدث في كاتالونيا في إسبانية، ثم الحرب في أوكرانيا وليس معها؛ جميع ذلك وأمثاله مما يستحق البسط والبحث للثورة السورية دور فيه بما هي عليه الآن .

وعليه فإن النظام الدولي بقيادة الولايات المتحدة لم يدخر جهدا لمنع إزاحة العصابة المجرمة، وأسلم الدفة في آخر ما حرر علانية للجانب التركي؛ وإن الخطوات التي يعلنون عنها ستكون أشد خطرا، وأكثر كارثية على الثورة مما قام به الروسي والإيراني والخليجي. فهل يستمرون ؟!
علما أنها ليست في صالحهم تكتيكيا أو استراتيجيا، وليس خافيا أن وضع المسميات الصورية في الواجهة لا يقنع أدنى مطلع، وسيخسرون كثيرا، وسيتحملون وزر ذلك سنوات طويلة؛ ولست في موقع تبيان ذلك لهم، ولم أكن يوما، إنما أرمي به على من له علاقة معهم بغض النظر عن توصيفها، وليذكروا لهم ماذا تعني الجغرافيا السورية وأهلها تاريخيا، وماذا تعني الثورة السورية .

هذا ما نحن السوريين بصدده إن استمروا. ولنا الحق كاملا في الكلام عنه وشرحه ومواجهته، ولا تنفع الثقة الطفولية التي مارسها بسطاء السياسة وأجراؤها وانتهازيوها، ولا تنفع المواربة أو الكلام عن المصالح أو الحديث عن العلاقة الأخوية التاريخية أو المهادنة أو الانتظارية، لأن المسألة حاسمة في التجرؤ على قرارنا الثوري والسيادي داخل بلادنا بكل وضوح، والمخاطرة به بفوقية وتعال ظاهرين .

وإن التظاهر السلمي على أرض سورية وخارجها يضاهي في أهميته التظاهر ضد العصابة في دمشق في الشهر الثالث من ٢٠١١، بل أكثر أهمية، ولا بد من زيادته وضبط شعاراته وإحكامها والاستفادة مما سبق، والمتابعة به على أسس القرار الذاتي المستقل، وأنه بمقدورنا أن نصل إلى ما نريد دون مساعدة أحد .
وإن التقليل من قيمة هذا التظاهر رعونة أو إجارة أو قلة إدراك، وحذار حذار من الاستهانة بأعدائه، والسماح لهم بتفريغه من محتواه، وجعله نزقا أو تفريغ غضب .

وإذ يطالب الثوار من موقع وطني جميع الكيانات العسكرية المرتهنة والسياسية المصنعة والمدنية المشتراة، دون استثناء أحدها ببيان مواقفهم، فإنه عليهم أن يحذروا من إعطائها صفة المؤسسات، أو المراهنة عليها، أو إضفاء الشرعية على إحداها والاغترار بموقفها مهما كان متقدما، وليس في ذلك تناقضا، فهو واجبهم دون استحقاقات قيادية .

وفي الوقت الذي تتم فيه ملاحقة نشطاء التظاهر وحملته فكرا وسلوكا، أو اعتقالهم، أو اغتيالهم في سورية، أو في أي مكان آخر، فإن ذلك يؤكد أن قرارا مبرما قويا قد اتخذ بحق الثورة ولا رجعة فيه، مما يدعونا إلى الإصرار أكثر منهم، والمضي قدما تقديرا لدماء أكثر من مليون شهيد، ومئات آلاف المعتقلين، فإن اعتقلنا أو متنا أحرارا كرماء خير لنا ولشعبنا من أن نعيش أذلاء على موائد اللئام .
وإن دماءنا وظلمة سجوننا ستلاحقهم جميعا حتى تحاكمهم، وتقيم نظامنا السياسي غير المستبد وغير المرتهن، ودولتنا السيادية الأولى في المنطقة .

إن الرائد لا يكذب أهله، ولا يختبئ عند المواقف الصعبة وراء الكلام الملون، ولا يخون دماء شهدائه بالسكوت، ولا يتنكر لمعاناة معتقليه والأرامل والثكالى والأيتام بالتراجع والخوف .
بخ بخ .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى