بحوث ودراسات

الحملة الفرنسية على مصر والشام: تجربة فاشلة لنشر الحداثة أم لفرضها بالقوة؟ (6 من 8)

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن

أكاديمي مصري.
عرض مقالات الكاتب


حملة استعماريَّة لاستنزاف الخيرات وسلب الحريَّات
يقدِّم الكاتب، المقدِّم محمَّد فَرَج، وهو ضابط في الجيش المصري، في كتابه النضال الشعبي ضد الحملة الفرنسيَّة (1962)، رؤية مختلفة عن الحملة الفرنسيَّة تتناسب مع حالة السخط على الاستعمار الغربي، بعد رحيل القوَّات البريطانيَّة عن مصر، وانتهاء احتلال تجاوَز 70 سنةً. يعيب الكاتب على الكتابات السابقة عن الحملة تعمُّدها الإغفال عن جانب استبسال الشعب المصري في مواجهة الحملة، معتمدًا في ذلك على تأريخ الجبرتي للحملة، والذي يعتبره مقدِّم الكتاب “المرجع الأصيل الوحيد لنضال شعبنا” ضد الحملة (ص3). بالطبع، ليس تأريخ الجبرتي للحملة المرجع الوحيد، خاصَّة مع ميله الواضح للجانب العثماني على حساب الفرنسي، واستخدامه ألفاظًا عثمانيَّة يصعب فهمها اليوم، بالإضافة إلى تقديم المحتوى التاريخي في إطار السياق الذي كُتب فيه وبمفرداته، مما يصعِّب على قارئ اليوم فهْم المحتوى بأكمله. أراد الضابط محمَّد فرج تقديم رؤية معاصرة للحملة الفرنسيَّة، وحقيقة أهدافها، ومعاناة الشعب المصري على يد جنود الحملة، من تعذيب وقتل ومصادرة أموال وحرْق دور. يكتب فرج هذا الكتاب ليخلِّد بطولة أبناء مصر في مواجهة الاستعمار الغربي، الذي رآه مقدِّمة لحملة أشدُّ فتكًا أصابت مصر أواخر القرن التاسع عشر، وانتهت بعد كفاح شعبي مضنٍ كبَّد مصر الكثير.
يتحدَّى الكتاب تناوُل جوان كول في كتابه مصر نابليون (2007) لتجاوُب بعض المصريِّين مع بونابرت، وتفهُّمهم لطبيعة هدفه الإصلاحي، حيث يذكر فَرَج في مقدِّمة كتابه “كان الفرنسيُّون في مصر فوق بركان ثائر، لم يهدأ يومًا، ولم يخبُ لحظة؛ وهو ما عجَّل بطردهم وعودتهم من حيث أتوا، يجرُّون أذيال العار والهزيمة، على الرغم من أنَّهم كانوا في ذلك الوقت في أوج مجدهم الحربي” (ص4). يستعرض الكتاب أحداث ما بعد خروج الحملة من مصر، مشيرًا إلى تعيين الألباني محمَّد علي واليًا على مصر، ليكون أوَّل من شغل ذلك المنصب بمطالبة شعبية؛ بسبب نجاحه في التقرُّب إلى أهم رجال الرأي والحلِّ والعقد في ذلك الحين، حتَّى اقتنعوا أنَّه الأجدر بحمل مسؤوليَّة الحُكم، بعد انتشار الظلم على يد المماليك. لم يكن مؤيِّدو محمَّد علي يعرفون أنَّه سيصبح صورة جديدة للاستبداد والظلم؛ فقد انكبَّ على رعاية مصالحه الشخصيَّة، وتكوين مملكة وراثيَّة. وواصل أحفاد محمَّد علي نهجه في التركيز على المصالح الفرديَّة، وإهمال مطالب الشعب؛ فانتشر المرض والجهل، وحدث تردٍّ اقتصادي هائل.

اقرأ: الحملة الفرنسية على مصر والشام: تجربة فاشلة لنشر الحداثة أم لفرضها بالقوة؟ (5 من 8)


ما أن أرسَت سفن الحملة الفرنسيَّة في الإسكندريَّة بداية يوليو من عام 1798 ميلاديًّا، حتَّى انتفضت جموع الشعب في وجه الاحتلال، وبخاصَّة عندما فرَّ الحُكَّام المماليك بعد مواجهة فاشلة مع جيش بونابرت، الذي فهم منذ اليوم الأوَّل أنَّ القوَّة العسكريَّة لن تفلح مع الشعب المصري؛ فآثر استخدام القوَّة الناعمة، من خلال محاولات التودُّد إلى أفراد الشعب. عمل بونابرت على إعادة تنظيم المجتمع المصري، وتحسين أوضاعه، والقضاء على أسباب التردِّي؛ ليثبت للجميع أنَّه لم يأتِ للاحتلال، إنَّما لتحسين الأوضاع الداخليَّة في مصر. ومع ذلك، لم يصدِّق المصريُّون وعود بونابرت؛ “لأنَّهم أدركوا بنظرتهم العميقة إلى وقائع التاريخ وأحداثه، أنَّ نابليون اتَّخذ ذات السلاح مع غير مصر من الأمم التي غزاها. وأنَّه لم يبر بوعده لأمَّة من الأمم التي فتحها، وأنَّه استغلَّ جميع البلاد التي استسلمت لها جحافله استغلالًا بعيد المدى يخدم مصالحه وأغراضه” (ص28). على ذلك، رفض المصريُّون الخضوع لمشروع بونابرت الخبيث للسيطرة على الأمم، وتغيير واقعها وتشكيل مستقبلها، بوعود رنَّانة لن يفي بها.
عرف المصريُّون بقدوم الحملة الفرنسيَّة، لمَّا أراد القائد البحري البريطاني نيلسون الإرساء على ميناء الإسكندريَّة لردِّ الأسطول الفرنسي فور وصوله. غير أنَّ السيِّد محمَّد كريِّم رفض ذلك، معتقدًا أنَّ فيه خديعة لاحتلال مصر. بدأت حالة من الاستنفار، وحُشدت الجماهير، وجُمع السلاح، وأقيمت الدفاعات، وحُصِّنت الأسوار. أسفرت المواجهة الأولى بين الجماهير وجنود الحملة عن إصابة بعض كبار القادة، ومقتل بعضهم، واستماتت الجماهير في الدفاع إلى درجة شهد بها قادة الحملة أنفسهم.

تابعنا في فيسبوك


أمَّا عن أهم أسباب نشأة مشاعر الكراهية تجاه أعضاء الحملة، فيأتي على رأسها فرض الضرائب، ولعلَّ ذلك كان أكبر خطأ وقعت فيه الحملة؛ حيث لم يكن الشعب وقتها تنقصه تلك الضرائب، في الوقت الذي عانى فيه الفلَّاحون-غالبيَّة أفراد الشعب، من الحرمان من حقِّهم في التمتُّع بما زرعته أيديهم. دون النظر في أحوال المصريِّين قبل إرهاقهم بمزيد من النفقات، أكثر ما عني به الفرنسيُّون هو جمع نفقات الحملة من دماء الشعب. الأهم من ذلك أنَّ الحملة أنشأت مكاتب في مديريَّات مصر جميعها لتسجيل عمليَّات بيع وشراء العقارات، ففرضت رسومًا غير مسبوقة على التسجيل، وتوعَّدت بسحب ملكيَّة أيِّ عقار لم يُسجَّل خلال 30 يومًا لصالح الحملة. وامتدَّ تحصيل الضرائب إلى فرض ضرائب على أصحاب الحرف والصناعات. لم يكتفِ جنود الاحتلال بتلك الضرائب، فانطلقوا في حملات تخريبيَّة للسلب والنهب والتعدِّي على المسالمين، ما اعترف به بعض قادة الحملة أنفسهم. أشعلت تلك الأسباب الثورة في نفوس المصريِّين، ثم جاء إعدام السيِّد محمَّد كريِّم ليقضي على ما بقي من صبر وتحمُّل لدى أبناء الشعب؛ فاشتعلت ثورة عارمة في أنحاء البلاد، شاركت فيها جميع طوائف الشعب.
تفنَّن أعضاء الحملة الفرنسيَّة في نهب أموال المصريِّين، فصادروا الممتلكات، وفرضوا الغرامات لأسباب غير مشروعة، بل وفُرضت على النساء ضرائب مقابل البقاء في بيوتهنَّ. وصل الأمر إلى مصادرة بعض المساجد والبيوت بحجَّة احتياج الحملة إليها في تحصين المدن. ويقول الكاتب أنَّ أسباب اشتعال الثورة على الحملة الفرنسيَّة في القاهرة من بينها “المظالم التي تعرَّض لها الأهالي، وذيوع القتل والهدم والتخريب والإرهاب في جميع أنحاء البلاد، مما أثار النفوس على الفرنسيِّين، وزاد في حنق الناس عليهم، وأشعل الثورة في نفوسهم”، هذا إلى جانب “حوادث القتل في المديريَّات المختلفة، وحوادث حفظ الرهائن واعتقالهم، وحوادث الهدم التي تعدَّدت في أكثر من قرية ومدينة” (ص64).
بدأ هجوم الأهالي على أماكن تجمُّع الفرنسيِّين، وبدأ عمليات هجوم استُخدم فيها السلاح والعصي، ولم يُستثنَ أحدٌ من الهجوم، من جنرالات وضبَّاط وجنود. حُشد في الجامع الأزهر وحده 15 ألفًا من الثوَّار، وتعالت أصوات السخط، فردَّ الفرنسيُّون بأحط الوسائل وأشدِّها غدرًا، مستخدمين إلقاء القنابل وإطلاق النار بكثافة، ومستغلين افتقار الشعب إلى السلاح والتدريب العسكري، وخذلان الحكَّام. لم يتوقَّف الأمر عند القتل والتعذيب، بل تعدَّاه إلى مهاجمة بيوت المواطنين ونهبها، بحجَّة البحث عن السلاح؛ “وتعدَّدت المظالم، واستبيحت الحرمات، وسُجن الأبرياء، وذاق الناس الأذى والهوان ألونًا وأنواعًا”، هذا إلى جانب إعدام الناس في القلعة بلا تهمة ولا محاكمة (ص70).
تدخَّل كبار علماء الأزهر لإقناع بونابرت بالتوقُّف عن حملة القمع الشديد، التي شنَّها للردِّ على ثورة الجماهير، فطلب بونابرت من المشايخ تهدئة الجماهير، وإقناعهم بضرورة العدول عن الثورة، والعودة إلى بيوتهم وأعمالهم؛ وقال العلماء في البيان “عليكم ألَّا تحرِّكوا الفتن، ولا تطيعوا أمر المفسدين، ولا تسمعوا كلام المنفاقين، ولا تتَّبعوا الأشرار، ولا تكونوا من الخاسرين سفهاء العقول الذين لا يقرؤون العواقب؛ لأجل أن تحفظوا أوطانكم، وتطمئنوا على عيالكم وأديانكم…” (ص75).
تحرَّك بونابرت إلى الشام لاحتلالها بعد مصر، وارتكب فيها مجزرة تقشعرُّ منها الأبدان، وقد خلَّد التاريخ تقتيله أهل يافا، ومن وُجد فيها من العثمانيِّين، وكانت سياسته “إنَّ الذي يعاديني أو يخاصمني لا يجد له ملجأ مخلصًا منِّي في هذا العالم”. أمَّا عن موقفه من المصريِّين الذين انتقلوا إليها، مؤثِرين الهجرة من مصر بعد احتلالها إيَّاها، والذين كان من بينهم السيِّد عُمر مكرم-العالم الأزهري والزعيم الوطني-فقد عمل نابليون على التودُّد إليهم، وطلب منهم معاونته في محاربة العثمانيِّين إلى جانبه، فأبوا وآثروا العودة إلى مصر، في إشارة جديدة على بُغض المصريِّين التعاون معه ضدِّ إخوتهم المسلمين.


تجدَّدت الثورة بعد رحيل بونابرت إلى الشام، وبصحبته عددٌّ كبير من أفراد جيشه، وإن بقيت مشكلة تفوُّق الفرنسيِّين من حيث المعدَّات والذخائر. أمَّا عن ثورة انتفاضة الجماهير من جديد فهو سلب جنود الحملة الماشية وحمير والجمال من المزارعين في قرى الوجه البحري، مدَّعين حاجة الحملة إليها. تولَّى أمير الحج التركي مصطفى بك مهمَّة زعامة الثورة على الفرنسيِّين في الشرقيَّة، بعد أن تخلَّف عن مرافقة بونابرت إلى الشام، وحُلَّت مشكلة الذخائر والأسلحة الحديثة لمَّا تمكَّن أفراد الشعب المصري من مهاجمة سفن كانت في طريقها إلى الشام لإمداد بونابرت وجيشه هناك. وظلَّت الثورة تنتقل من مديريَّة إلى أخرى، حتَّى عاد بونابرت ذاته من الشام في يونيو من عام 1799 ميلاديًّا، بعد فشل حملته هناك. وتزامَن ذلك مع بداية تدفُّق الجنود العثمانيِّين إلى مصر لمؤازرة الشعب، بمعاونة بريطانيا، عدوِّ فرنسا الألدِّ حينها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى