اقتصاد

علاقة الأزمة الاقتصاديَّة بـ “بيع قناة السُّويس” وعدم تسليم تيران وصنافير

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن

أكاديمي مصري.
عرض مقالات الكاتب


تعيش مصر هذه الآونة فترة في غاية الحرج، مع تفاقُم الأزمة الاقتصاديَّة؛ النَّاتج عن تداعيات الحرب الرُّوسيَّة-الأوكرانيَّة، وارتفاع الدَّين الخارجي بعد الحصول على قرض جديد من صندوق النَّقد الدُّولي بقيمة 3 مليارات دولار. يتوقَّع خبراء اقتصاديون انفراج الأزمة الاقتصاديَّة بعد الشَّيء، بعد حصول البلاد على ما يقرب من 20 مليار دولار، في صورة استثمارات خليجيَّة، أو مقابل بيع بعض أصول الدَّولة، هذا إلى جانب وصول الدُّفعة الأولى من قرض صندوق النَّقد الدُّولي، وقيمتها 347 مليون دولار. غير أنَّ من شروط إتمام صفقة الحصول على ذلك القرض التَّحرير الكامل لسعر صرف الجنيه المصري أمام الدُّولار الأمريكي، وقد مهَّد البنك المركزي المصري لذلك في 22 ديسمبر 2022م برفع قيمة الفائدة في البنوك 3 بالمائة دفعة واحدة؛ وهو ما أسفر عن ارتفاع فوري في أسعار بعض السِّلع.

اقرأ:  الحملة الفرنسية على مصر والشام: تجربة فاشلة لنشر الحداثة أم لفرضها بالقوة؟(4 من 8)

فقد سجَّلت الأسواق ارتفاع أسعار الحديد والأسمنت وموادِّ البناء بنسب تتجاوز أحيانًا 10 بالمائة، هذا إلى جانب ارتفاع أسعار الذُّرة بنحو 5 بالمائة، وأسعار الدَّقيق حوالي 10 بالمائة، مقارنةً بأسعار مطلع ديسمبر الجاري. هذا، وقد قرَّرت وزارة التَّموين والتِّجارة الدَّاخليَّة المصريَّة رفْع أسعار السِّلع التَّموينيَّة بداية من شهر يناير 2023م، بنسب تُقدَّر بـ 20 بالمائة فيما يتعلَّق بأسعار الأرز وزيت الطَّعام والسُّكَّر، وتصل إلى 90 بالمائة بالنِّسبة لسعر الدَّقيق. وفي خضمِّ تلك الأزمة الاقتصاديَّة، وقعت أحداث هامَّة لها تأثيرها الكبير على المشهد السِّياسي في مصر، يأتي على رأسها تعطيل تسليم جزيرتي تيران وصنافير، الواقعتين في البحر الأحمر، إلى المملكة العربيَّة السَّعوديَّة، وسط أقاويل عن نيَّة الحكومة بيع هيئة قناة السُّويس المصريَّة لمستثمرين أجانب، وهو ما أثار اعتراضات شعبيَّة واسعة، برغم استحالة الأمر دستوريًّا.

تابعنا في فيسبوك

تعطيل تسليم تيران وصنافير: السَّبب والمآل

برغم اتِّفاق الحكومة المصريَّة مع السَّعوديَّة على تسلُّم الأخيرة جزيرتي تيران وصنافير، وفق تفاهمات قد تفضي بإعلان المملكة تطبيع علاقاتها مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، كما تريد الإدارة الأمريكيَّة؛ وبرغم موافقة البرلمان المصري في يونيو 2017م على خروج الجزيرتين من السِّيادة المصريَّة، أرجأت الحكومة المصريَّة تنفيذ قرار التَّسليم؛ لأسباب أمنيَّة تتعلَّق بمراقبة القوَّات الدُّوليَّة الجزيرتين من خلال بتركيب كاميرات مراقبة ترصد ما يحدث داخلهما. غير أنَّ موقع أكسيوس الاستخباراتي الأمريكي قد كشف عن أنَّ السَّبب في الحقيقة يرجع إلى وجود خلافات بين الحكومة المصريَّة والإدارة الأمريكيَّة بشأن تقليص الأخيرة المساعدات العسكريَّة إلى مصر، بتخفيضها 130 مليون دولار؛ لأسباب تعلَّق بانتهاك حقوق الإنسان في مصر. وكانت الحكومة المصريَّة قد أرمت مع دولة الاحتلال الإسرائيلي عام 1979م اتِّفاقًا يقضي ببقاء جزيرتي تيران وصنافير منزوعتي السِّلاح وخاضعتين للرِّقابة الدُّوليَّة من خلال نشْر قوَّات متعدِّدة الجنسيَّات تتبع الأمم المتَّحدة، حتَّى أعلنت الحكومة المصريَّة في أبريل 2016م توقيع اتِّفاقيَّة مع السَّعوديَّة تنصُّ على خروج الجزيرتين عن نطاق الحدود المصريَّة، بعد ترسيم الحدود البحريَّة بين البلدين.

أقاويل عن التَّمهيد لبيع قناة السُّويس 

أعلن البرلمان المصري في جلسته الاثنين 19 ديسمبر 2022م عن موافقته مبدئيًّا على مشروع قانون تقدَّمت به الحكومة لإنشاء صندوق مملوك لهيئة قناة السُّويس المصريَّة؛ بهدف تنمية موارد القناة، في ظلِّ الأزمة الاقتصاديَّة الطَّاحنة الَّتي تمرُّ بها البلاد. ووفق ما ورد في مشروع القانون، “سيتمكَّن الصُّندوق الجديد من شراء وبيع وتأجير واستئجار واستغلال الأصول الثَّابتة والمنقولة والانتفاع بها”، نقلًا عن موقع BBC News عربي. أثار مشروع قانون صندوق قناة السُّويس اعتراض بعض النُّوَّاب، ممَّن رأوا أنَّه يمهِّد لبيع القناة، حتَّى أنَّ أحدهم رأى عدم وجود مبرِّر لتأسيس ذلك الصُّندوق، بأنَّ صرَّح في حوار تلفزيوني بقوله “القناة لديها بالفعل 9 شركات تابعة لها تقوم بالاستثمار في مشروعات مختلفة، أمَّا الصُّندوق الجديد فسيكون له مجلس إدارة وجمعيَّة عموميَّة وله الحقُّ في البيع وطرْح الأوراق الماليَّة فسيكون كجهة موازية للقناة”. من جانبه، أكَّد الفريق أسامة ربيع، رئيس هيئة قناة السُّويس، أنَّ ذلك الصُّندوق لا يرمي إلَّا إلى حلِّ الأزمة الاقتصاديَّة، من خلال فتْح سُبُل جديدة للاستثمار، مشيرًا إلى أنَّ بيع القناة مستحيل دستوريًّا، حيث قال في مداخلة هاتفيَّة ببرنامج يُحدث في مصر، على قناة MBC مصر السَّعوديَّة، “لا نملك بيع قناة السويس أو الاقتراض باسمها والدُّستور يحميها”. 

ونتساءل: ما هو مستقبل مصر في ظلِّ الأزمة الاقتصاديَّة الَّتي تنخر في عظامها؟ وما تفسير بيع أصول الدَّولة لأنظمة خليجيَّة طبَّعت، أو كادت تطبِّع، علاقاتها بدولة الاحتلال الإسرائيلي؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى