ثقافة وأدب

من يبرود إلى الأرجنتين.. شذرات من حياة السوري “زكي قنصل”

أحمد عبد الحميد|

تعتبرُ قصةُ بائعةِ الكبريت من القصصِ المؤثرةِ عن فتاةٍ ماتت أحلامها في ليلةِ عيد رأس السنة، عانتْ في تلك الليلة قسوةَ البرد والجوع، متأملةً من أحد المارةِ أن يشتري منها علبةَ كبريت واحدة تسدَّ رمقَ جوعَها وصقيعَها.

كبريت كبريت .. كبريت كبريت لا أقسى من ريح تعصفْ ولا أصعب من ثلج يندُفْ
كانت طفلةْ والعود طري
والعلبة لم يبق بها شيء
هدأ الصوتُ وساد الصمتُ وغفت بائعةُ الكبريت غفوتها الأخيرة..

في الأرجنتين على الطرفِ الآخر من هذا العالم، وفي أحد شوارعِ العاصمةِ (بوينس ايرس)، يرتسم
مشهدٌ حقيقي لفتاة خطفت الأضواءَ وهي تبيع الوردَ أمام شابٍ سوري، تقدح في ذهنه أوصافُ المشهدِ بتفاصيله:

رأيتها حيرى في زحمة الأحلامِ تسير كالسكرى في موكب الأيام

الزهر ياعشاق.. حي على الزهر ِ يزهو من الأوراق في ثوبه العَطِر
من يشتري الريحان!! يموج بالعطر
مزركش الألوان … منمنم الثغر
الزهر ياشبان!! من يشتري النسرين؟؟

قصيدة استحضرها ذلك الشاب الجبلي، السوري اليبرودي “زكي قنصل” المولود عام 1916، فظروفُ الشقاء واحدةٌ ويختلفُ الزمان والمكان فقط.
لم يحملِ الوردَ ولم يدُرْ يعرض الكبريتْ، بل حملَ (كشة) يطوفُ به الأجواء.
صندوقٌ مملوءٌ بالخردوات والمستلزمات، مشدوداً على منكبيه الصغيرين بأحزمةٍ عريضة.

بعد هجرته إلى الأرجنتينِ مع أسرته مطوّفين بين عدة بلدان، قبل أن يَحطوا رحالهم بها.

يدرس كتاباً في (كشته) يطالع ويقرأ، وسط هذا العناء أتقن العربية والإسبانية والكشةُ على كتفيه.
بقي سنوات على هذه الحال إلى أن انتقل إلى مساعدةِ أخيه الاكبر (إلياس) في إدارةِ الجريدة السورية اللبنانية، حيث تسلم إلياس رئاسة تحريرها، ومنها إلى التجارة بعد خلافٍ مع صاحبها، إلا أنه لم يفلح بها، وصبّ اهتمامه في الأدب والشعر، فعملَ أخيرا موظفاً في السفارةِ السورية بالارجنتين حتى وفاته، بعد أن جمعته علاقةٌ قوية مع الشاعر عمرأبو ريشة، لدرجة تسمية ابنه (عمر) محبةً بصديقه.

أنجب زكي طفلةً أسماها (سعاد) لكن توفيت في شهرها الثامن فبكاها في ديوانٍ كامل نشره باسمها، وأثّرت وفاتها فيه تأثيرًا مرّا، فرثاها بكلامٍ موجعٍ يدمي القلب:

رفّت رفيفَ الأقحوانِ
وانطفت في عمرها
ماذا جنت حتى تصيّدها
الردى في فجرها
يا ربِّ لا تحبس فؤادي
لحظة عن ذكرها

مهما تعلّقَ المهاجرُ بأرضه لن يشابهَ زكي، فتعلّقُ زكي بيبرود مهدِ طفولتهِ غريبٌ عجيب، يقول:

يبرودُ يا مهد الطفولة والهوى سبحان من سوّاك مرجا أخضرا أنا إن تجاوزت السهى فلأنني حلّقت باسمك واستبقت الأعصرا من مَرمَرونَ، شموخُ قافيتي
ومن أنفاسه العِطرُ الذي منها سرى

عرف عن زكي حبُّه العميق للغة العرب، وغرق في جمالها وسحرِها، رغم أنه لم يحصل على أي مؤهلات علمية، وأَنِف من الرطانة والغموضِ في التعبير.
سمع أحد المتشدقين بتشدقُ في شعره فسخر منه:

ماذا تقول؟ فليس يَفهم
غيرُ ربك ماتقولْ
طلسمت شِعرك فاستوى
فيه المثقف والجهولْ

كما أحبّ زكي السهلَ الممتنع ورفس الحداثة المزيفةَ من ثقل الكلامِ وعدمِ الاتساق وخاصة الألغاز:

خلِّصونا من نكبة الألغازِ
أنا ياقوم شاعرٌ برجوازي

[أي: أتخير ألفاظي وأرتقي بأسلوبي]

لا أحبُّ البيانَ إلا وضيئًا
هل يخاض الظلام من دون كازِ؟

طبلكم في العراق أو في دمشق
أو في رباط ورقُصكم في الحجازِ؟

إن تك الضادُ أمَّكُم، فلماذا
تشترون الكلام من شيرازِ؟!

أنا ياقوم ثوروي، ولكن
حولتني ألغازكم برجوازي!!

لزكي نهفاتٌ كثيرةٌ مضحكة، فللجمال عنده له فلسفةٌ خاصة يرسم قصائدهُ الغراميةُ متوددًا لكل البشراتِ والأجناس والأعراق، القلبٌ موزّعٌ مابين شقراوات أوربية وسمراوات آسيوية وحمراوات شركسية وصفر وسود.

ينشد قصيدةً لاأظنُّ أن زوجته علمت بها، وإلا لشهدتِ الأرجنتين غضبةً عروبيةً تهتك حجابَ الشمسِ،
أولُها شريدًا حافيًا عاريًا تتقاذفه رياحُ البؤسِ والندمِ هنا وهناك:

قالوا تُحب الشّقرَ؟ قلت واشتـهي لو مِتّ في حضن الجمال الأشقرِ

والسّمرَ؟ قلت وكيف لا يُغرينني. وقصائدي من وحي خدٍّ أسـمرِ

والحمر؟ قلت وهبتهنّ حشـاشتي. روحي فدى الورد الندي الأحمرِ

والصّفر؟ قلت قلائــد ذهبيـة تزهو. على صدر الأصيل الأصفرِ

والسّود؟ قلت وكيف أنزعهنّ من. قلبي وهنّ حلاوة العيش الطّـري

لا لـون إلاّ فيه حسْـن ظاهـر للعين متصل بحســنٍ مضمرِ

سبحان من خلق الخمائل متعـة. للناظرين على اختــلاف الأشهرِ

لولا الجمــال لما ترنّم شاعـر. يا قلب سـبّح للجمـال وكَبِّـــرِ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى