أخبار عاجلة

قراءة في واقعنا المعاصر مع الشيخ “محمد قطب” رحمه الله (ج 3)

د. عثمان محمد بخاش

باحث في الفكر الإسلامي والقضايا المعاصرة
عرض مقالات الكاتب


يرصد الشيخ قطب تعاظم “خط الانحراف” من خلال تتبعه للوقائع التي رعاها المحتل الإنجليزي في مصر في المجال السياسي و في المجال الإعلامي وفي المجال التعليمي والثقافي.

القسّيس دنلوب مهندس المناهج التعليمية

ففي التعليم قام الحاكم الإنجليزي كرومر بتعيين القسّيس (المستر دنلوب وهو خريج كلية اللاهوت في معهد الثالوث Trinity College) على رأس وزارة المعارف المصرية “الإسلامية”، وحين يكون القسّيس على رأس السلطة في وزارة التعليم فما الذي يتوقع أن يكون من أمر التعليم؟! فقد جاء دنلوب ليهدم الأزهر ولكن بغير حماقة نابليون الذي ضرب الأزهر بالمدفعية فكان سببا في استثارة المسلمين.  و يروي بعض معارف دنلوب أنه كان شديد الاحتقار للمصريين، ومع أنه أمضى ثلاثين عاما في مصر إلا أنه رفض أن يتعلم كلمة عربية واحدة، كما فضل ألا يكون العاملين معه ممن يتكلمون العربية!

قراءة في واقعنا المعاصر مع الشيخ “محمد قطب” رحمه الله (ج 2))

وهكذا أشرف دنلوب على صياغة المنهاج التعليمية التي تصب في إعلاء شأن المعارف الغربية المستوردة ، وصارت المدارس مطابخا لصياغة عقول الناشئة من الطلاب، وتم فتح الأبواب العريضة في دوائر الدولة لخريجي مناهج المدارس الجديدة، بينما تم تهميش وتقزيم مدرسي اللغة العربية الذين أصبحوا أضحوكة الشارع، بينما أُقصي درس الدين إلى هامش المقررات التعليمية حتى أصبح موضع تندر واستهزاء، كيف لا و الدين يتنافر مع بقية المنهج العلماني المفروض. المنهج العلماني الذي يركز على تزيين الحضارة الغربية ومعارفها، وتمجيد كل ما له صلة بالثقافة الغربية وفنونها وتاريخها، مع طمس التاريخ الإسلامي أو حتى تشويهه وكذلك حصر مسالة الدين وفقا للمفهوم العلماني الغربي بل وبشكل مشوه، بحيث يتخرج الطالب المسلم وقد استقر في قرارة نفسه أن الدين مجرد طقوس لا صلة لها بوقائع الحياة المعاصرة. وصيغ منهج مادة التاريخ بحيث تطمس منجزات الحضارة الإسلامية و فتوحات المسلمين شرقا وغربا، ودخول الأمم والشعوب في دين الله أفواجا عن قناعة وليس تحت الضغط والإكراه، و تم التعتيم على الحركة العلمية الإسلامية التي نشرت نورها في الأرض وتعلمت منها أوروبا حين بدأت نهضتها الحديثة نتيجة احتكاكها بالمسلمين. وهكذا تم إخفاء الصفحة البيضاء في التاريخ الإسلامي و التركيز على الحوداث السوداء لتشويه تاريخ المسلمين وقتل اعتزاز المسلمين به!

تابعنا في تويتر

وهكذا تصبح أوروبا هي الحضارة وهي القيم وهي الديمقراطية  وحقوق الإنسان والتقدم الصناعي العلمي، فلا عجب أن يصبح هم الطالب المسلم تقليد الأوروبيين في كل شيء ، بل والنفور من الصورة المشوهة للإسلام وتاريخه. بينما يتم طمس فظائع الاستعمار الوحشية في كل مكان دنسته أقدام المستعمرين. فتصبح أوروبا هي القمة السامقة الفريدة في تاريخ البشرية وتُلوى أعناق الطلاب ليّا إليها مع الإعجاب المبهور الذي لا يدع للإنسان الفرصة لالتقاط أنفاسه.

وليتأكد دنلوب من ضمان صياغة النشء الجديد من الطلبة قام بإنشاء “مدرسة المعلمين العليا” لتخريج المعلمين الذين سيقومون بتربية النشء الجديد وفقا لمناهج دنلوب التي تعلي من شأن الحضارة الأوروبية وتزدري الحضارة الإسلامية. وبهذا التخطيط الخبيث أحكم دنلوب قبضته الصليبية على الأجيال. فلم تكن المسالة إفساد جيل بعينه  يذهب ويذهب معه فساده، إنما كان الهدف ضمان سريان السم في الأجيال المتعاقبة لكيلا يخرج جيل يفكر في العودة إلى الإسلام.

تابعنا في فيسبوك

ولاستكمال حلقات الدورة التعليمية تم إنشاء الجامعة المصرية (التي أصبحت لاحقا جامعة القاهرة) لتكون منبراً “حرًا” يهاجم منه الدين  والأخلاق والتقاليد مهاجمة شفوية وعملية كلما أمكن، وإن كان بشكل بطيء تدريجي كيلا تستفز الرأي العام. فبينما قامت مدرسة المعلمين الدنلوبية بمهامها في تخريج المدرسين الذين يبثون في الأجيال الناشئة ما بُث فيهم من قبل من نفور من الدين وأهله، وانسلاخ من آدابه وقيمه، وعبودية سافرة أو مقنعة للغرب، فالغرض من الجامعة تخريج “مفكرين أحرارا” لينشروا “حرية الفكر” على مستوى المجتمع كله رجاله ونسائه. مع عناية خاصة بالمرأة وتشجيعها على الخروج من أسر التقاليد وقيود الدين الموهومة.

وينقل الشيخ قطب ما كتبته أمينة السعيد في مذكراتها، وهي إحدى الطالبات الأربعة اللواتي كن أول طالبات دخلن كلية الآداب في الجامعة المصرية، ففي الاختبار الشفوي في آخر العام لمادة اللغة الانجليزية، كانت اللجنة مكونة من أستاذ إنجليزي و أستاذ مصري، فسألها الأستاذ الإنجليزي عن رأيها في الحب! فتلعثمت في باديء الأمر، وغضب الأستاذ المصري حتى احمر وجهه من الغضب وغادر اللجنة ساخطا فقال لها الأستاذ الإنجليزي: لا عليك منه، استمري! فانطلقت في الحديث عن الحب بلا تلعثم و لا حياء!


وقد فرح الناس يومها بمولد الجامعة المصرية فقد سدت  ثغرة كانت موجودة في المجتمع المصري الذي رأى في الجامعة خطوة أخرى تقربه من النموذج الأوروبي، بعد تجمد الأزهر و انصراف الناس عنه نتيجة سياسة  القسّيس دنلوب الماكرة.

ولعل الناس فوجئوا في أول الأمر بالمستشرقين الذين يقدحون في الإسلام، ويشوهون صورته، ويهاجمونه جهرة، أساتذة في كلية الآداب يدرسون أفكارهم للطلاب تحت إشراف طه حسين “عميد الأدب العربي” و رئيس قسم اللغة العربية يومئذ. ومن بينهم المستشرق اليهودي مرجوليوث الذي كان يقول إن محمدا، صلى الله عليه وسلم، مجهول النسب! وهي فرية لم يقلها غيره من المستشرقين!

ولعلهم فوجئوا بطه حسين الذي قال في كتاب “الشعر الجاهلي”: للتوراة و الإنجيل أن يحدثانا عن إبراهيم وإسماعيل، وللقرآن أن يحدثنا عنهما كذلك، ولكن هذا و ذاك  لا يثبت لهما وجودا تاريخيا”! ويرى الشيخ قطب أن حسين اقتبس في كتابه أفكار المستشرق مرجوليوث ، ومنها الزعم بأن الشعر الجاهلي كان أبلغ من القرآن الكريم ولذلك طمس عليه المسلمون وانتحلوا شعرا أقل بلاغة ونسبوه إلى الشعراء الجاهليين ليزعموا بعد ذلك أن القرآن الكريم أبلغ من الشعر الجاهلي. و قد أثار الكتاب ضجة كبيرة يومها وصودر؛ و قبل وفاته بعام أكد طه حسين في حديث صحفي مع محمود عوض في مجلة صباح الخير الذي سأله عن أفكاره في الكتاب فقرر أنه ما زال مؤمنا بكل حرف فيها.

وهكذا أصبحت الجامعة مركزا لتخريج الجيل الجديد من “الرجال  والنساء المتحررين”  الذين أداروا ظهورهم للإسلام وولوا وجوههم شطر الغرب يتشربون حضارته بكل عجرها وبجرها، ويحتقرون، في ذوات أنفسهم، الحضارة الإسلامية وما يمت لها بصلة! 

وسائل الإعلام

قامت الصحافة في مصر بدور خطير لعله أخطر الأدوار، فالصحافة تخاطب المثقفين وأنصاف المثقفين لتصل عبرهم إلى تشكيل مفاهيم الرأي العام من العامة. فلا عجب أن قام النصارى من لبنان بتأسيس ثلاث دور صحفية كبيرة في القاهرة: دار الأهرام لآل تقلا، ودار الهلال لآل زيدان، ودار المقطم لآل صروف؛ واتبعت هذه المؤسسات منهج هدم قيم الإسلام والتشكيك في مفاهيم الإسلام بشكل بطيء متدرج، كيلا تستفز الرأي العام بشكل فج. و في سبيل كسب ثقة الناس فلا بأس من مدح الإسلام بما يرضي عواطف المسلمين في الوقت نفسه الذي يتم اختزال الإسلام في صورة نمطية تقصيه عن قضايا المجتمع والدولة، وتحصره في مناسبات دينية وهذا يؤكد ،في أذهان العامة، مفهوم أن الإسلام لا علاقة له بشؤون الناس والحياة.

ومن المفاهيم التي ضجت وسائل الإعلام بها ردحا من الزمن كان  الدعاية لفكرة “التطور” الداروينية، ومقتضاها أن كل حديث هو خير من كل قديم! ولما كان الإسلام كله قديما قد مضى عليه أكثر من ثلاثة عشر قرنا، فالتطور يقتضي نبذه والأخذ بما جد بعده وهي الحضارة الأوروبية. وفي هذا السياق جاءت دعوة طه حسين في كتابه مستقبل الثقافة في مصر: “فعلينا إذن أن نأخذ الحضارة الغربية بخيرها وشرها، إن كان فيها شر، لا محالة من ذلك”

ولا يخفى ما قام به جورجي زيدان، مؤسس دار الهلال، من كتابة القصص والروايات التاريخية التي صورت المسلمين في أسوأ حالاتهم من اللهو والطرب والجري وراء الشهوات!

هذا بالإضافة الى التركيز على الطعن في الدولة العثمانية، بغية وضع المسلمين أمام خيارين: إما البقاء في ظل الدولة الإسلامية والحكم الإسلامي ومعه التأخر والانحطاط والجمود في كل ميادين الحياة، ومعه الظلم والاستبداد والتسلط، وإما إزالة الدولة الإسلامية والحكم الإسلامي والانفتاح على التقدم والحضارة والرقي  باقتفاء النموذج الغربي في كل ميادين الحياة بعد التحرر من الظلم والتسلط والاستبداد.

ونشطت هذه المنابر الإعلامية نشاطا ملحوظا في الدعاية والترويج لمفاهيم الاختلاط بين الرجال والنساء و تبني “قضية المرأة” ولزوم كسر قيود التقاليد البالية، والدعوة إلى العلاقات الحرة بين الرجال والنساء، بالاضافة إلى تزيين مباهج الحياة الغربية وجعلها هي النموذج الأمثل ليقتدى به. ويذكر الشيخ قطب نماذج من ذلك، كما كتب إحسان قدوس في “روز اليوسف”: “إنني أطالب كل فتاة أن تأخذ صديقها في يدها و تذهب إلى أبيها وتقول له: هذا صديقي”! وكتب أنيس منصور أنه زار إحدى الجامعات الألمانية ورأى الشباب والبنات أزواجاً أزواجاً مستلقين على الحشائش في فناء الجامعة، فقال في نفسه: متى أرى هذا المنظر في جامعة أسيوط، لكي تراه عيون أهل الصعيد و تتعود عليه!

هذا وغيره فضلا عن آلاف بل ملايين الصور العارية و الأغاني العارية و الأفكار العارية والنكت العارية التي تملأ الصحف والمجلات و الإذاعة والسينما والتلفزيون، وفضلا عن التفاهة التي تشيعها في نفوس مشاهديها ومستمعيها، التفاهة التي تجعل النفوس لا تتجه لشيء جاد، فضلا عن أن تتجه لله واليوم الآخر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

القـــــواعـــد الفـقـهـــية (29) القاعدة السادسة والعشرون.. من اسْتَعْجَلَ الشَّيْءَ قَبْلَ أَوَانِهِ عُوقِبَ بِحِرْمَانِهِ -مَنْ اسْتَعْجَلَ الشَّيْءَ قَبْلَ أَوَانِهِ عُوقِبَ بِحِرْمَانِهِ

محمد عبد الحي عوينة كاتب وداعية إسلامي. إندونيسيا. وردت هذه القاعدة بهذا اللفظ …