أخبار عاجلة

المقالات اللطيفة في تراجم من كان خليفة ..(129) الدولة العثمانية ١١- سليم الثاني ابن سليمان القانوني ابن سليم الأول



محمد عبد الحي عوينة

كاتب وداعية إسلامي. إندونيسيا.
عرض مقالات الكاتب

ولد في 24 رَجَب سنة 930 = 28 مايو سنة 1524م
تولي السّلطنة بعد موت وَالِده سنة 974هـ، وعمره 44 سنة
مات فِي27 شعبان أو 8 رَمَضَان عَام 982هـ.
وعمره 52 أو 53 سنة
وَمُدَّة سلطنته 8 سِنِين و 5 أشهر، وقيل: 9 سنين

اقرأ: المقالات اللطيفة في تراجم من كان خليفة (127) الدولة العثمانية 10- السُّلْطَان الْغَازِي سُلَيْمَان خَان الأول القانوني

اسمه ونسبه:
سليم خَان الثَّانِي ابن سليمان القانوني ابن سليم الأول ابن بايزيد الثاني ابن محمد الفاتح- السُّلْطَان الْغَازِي سليم (تاريخ الدولة العلية العثمانية ص253، البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع 1/ 267(

مولده:
ولد السُّلْطَان سليم الثَّانِي سنة تسع وعشربن وَتِسْعمِائَة (929هـ) (البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع 1/ 267، نزهة الأنظار في عجائب التواريخ والأخبار 2/ 58)
وقيل: ولد فِي 6 رَجَب سنة 930 هـ = 10 مايو 1533 م (تاريخ الدولة العلية العثمانية ص253) وقيل: في 24 رَجَب سنة 930 = 28 مايو سنة 1524م (تاريخ الدولة العلية العثمانية ص207)
وَأمه روكسلان الروسية (تاريخ الدولة العلية العثمانية ص253)

تابعنا في فيسبوك

صفاته وسماته الشخصية:
وَكَانَ شجاعاً كَرِيمًا مهاباً كثير الْإِحْسَان من قبل أَن يجلس على سَرِير الْملك وَبعده. (سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي 4/ 108)
وقد سَار على نمط وَالِده فِي الْعدْل والإنصاف. (سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي 4/ 107)
وكان مجاهداً في سبيل الله، محبّاً للعلم وأهله، (نزهة الأنظار في عجائب التواريخ والأخبار 2/ 58)
وَكَانَ من طَاعَة وَالِده السُّلْطَان سُلَيْمَان بِمحل لَا يُمكن عَنهُ التَّعْبِير، بِحَيْثُ يُرَاجِعهُ فِي الْجَلِيل والحقير، ويصبر فِي رِضَاهُ على مضض الدَّهْر، وكل مَا يبلغهُ من حَاسِد ونمَّام عَن وَالِده بالانتقاص والإعراض عَنهُ، وَالْإِشَارَة بالسلطنة إِلَى غَيره من إخْوَته بالإعطاء، وتمهيد أَحْوَال السلطنة لغيره لَا يمنعهُ ذَلِك من أَنْوَاع الْبر لوالده بالْقَوْل وَالْفِعْل، وَلَا يحملهُ على العقوق، وَهُوَ على غَايَة من الصَّبْر وَتحمل الْجفَاء وَالتَّصْرِيح بالتفويض إِلَى رب السَّمَاء، فَكَانَت طَاعَته لوَالِديهِ مُوجبَة لإنعام الله بِالْملكِ عَلَيْهِ فانقرضت إخْوَته وَأَعْقَابهمْ ووالدته فِي حَيَاة وَالِده، فَلَمَّا مَاتَ وَالِده شرفه الله بِالْملكِ على حَالَة هينة لم تقع لأحد من أهل هَذَا الْبَيْت أبداً. (سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي 4/ 108)

تابعنا في تويتر

وَقيل: لم يكن السُّلْطَان سليم الثاني متصفاً بِمَا يؤهله للْقِيَام بِحِفْظ فتوحات أبيه فضلاً عَن إضافة شَيْء إليها، وَلَوْلَا وجود الْوَزير الطَّوِيل مُحَمَّد باشا صقللي المدرب على الأعمال الحربية والسياسية للَحِقَ الدولة الفشل، لَكِن حسن سياسة هَذَا الْوَزير، وَعظم اسْم الدولة ومهابتها فِي قُلُوب أعدائها حَفظتهَا من السُّقُوط مرّة وَاحِدَة، فتم الصُّلْح بَينهَا وَبَين النمسا بمعاهدة تاريخها 17 فبراير سنة 1568 (تاريخ الدولة العلية العثمانية ص253)

حكى الأسحاقي في تاريخه، أنه لما تولى السلطان سليم الثاني ابن السلطان سليمان القانوني، كان لوالده مصاحب يدعى شمسي باشا العجمي، ولا يخفى ما بين آل عثمان والعجم من العداوة المحكمة الأساس، فأقر السلطان سليم شمسي باشا العجمي مصاحباً على ما كان عليه أيام والده، وكان شمسي باشا المذكور له مداخل عجيبة، وحيل غريبة، يلقيها في قالب مرضٍ، ومصاحبة يسحر بها العقول، فقصد أن يدخل شيئا منكراً يكون سبباً لخلخلة دولة آل عثمان، وهو قبول الرشاوي من أرباب الولاة والعمال، فلما تمكن من مصاحبة السلطان قال له على سبيل العرض: عبدكم فلان المعزول من منصب كذا، وليس بيده منصب الآن، قصده من فيض إنعامكم عليه المنصب الفلاني ويدفع إلى الخزينة كذا وكذا، فلما سمع السلطان سليم ما أبداه شمسي باشا علم أنها مكيدة منه، وقصده إدخال السوء بيت آل عثمان،

فتغير مزاجه وقال له: يا رافضي تريد أن تدخل الرشوة بيت السلطنة حتى يكون ذلك سبباً لأزالتها، وأمر بقتله فتلطف به وقال له: يا باشا لا تعجل هذه وصية والدك لي فإنه قال لي أن السلطان سليم صغير السن وربما يكون عنده ميل للدنيا، فاعرض عليه هذا الأمر فإن جنح إليه فامنعه بلطف فإن أمتنع فقل له هذه وصية والدك فدم عليها، ودعا له بالثبات وخلص من القتل. (تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار 1/ 38)

بيعته وسلطنته:
سليم الثاني من ٩٧٤ إلى ٩٨٢ هجريا
بُويِعَ السُّلْطَان سليم الثَّانِي ابْن سُلَيْمَان خَان القانوني ابن سليم الأول بعد موت وَالِده (تاريخ الدولة العلية العثمانية ص253، البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع 1/ 267، سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي 4/ 107، نزهة الأنظار في عجائب التواريخ والأخبار 2/ 58)

وعمره يوم تولي السّلطنة أربع وأربعون سنة. (نزهة الأنظار في عجائب التواريخ والأخبار 2/ 58)
وَجلسَ على سَرِير السلطنة فِي سنة أَربع وَسبعين وَتِسْعمِائَة (974هـ) (تاريخ الدولة العلية العثمانية ص253، البدر الطالع 1/ 26، سمط النجوم العوالي 4/ 107)
فقد وصل إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة فِي 9 ربيع أول سنة 974هـ = 24 سبتمبر سنة 1566م. (تاريخ الدولة العلية العثمانية ص253)
وبويع يوم الإثنين لتسع مضين من شهر ربيع الآخر سنة 974هـ بالقسطنطينية (نزهة الأنظار في عجائب التواريخ والأخبار 2/ 58)
وَبعد ذلك سَار على عجل إِلَى مَدِينَة سكدوار للاحتفال بارجاع جثة وَالِد المرحوم إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة فقابله خَارج الْمَدِينَة سفراء فرنسا والبندقية القادمين لتهنئته بِالْملكِ. (تاريخ الدولة العلية العثمانية ص253)

وَلما وصل مَدِينَة صوفيا فِي 6 اكتوبر أرسل الرُّسُل إِلَى كَافَّة الممالك الخارجية والولايات الداخلية يُخْبِرهُمْ بِمَوْت أبيه وتوليته على عرش آل عُثْمَان، وَمِنْهَا قصد مَدِينَة بلغراد وَمكث فِيهَا حَتَّى أتى الْوَزير مُحَمَّد باشا صقللي بجثة وَالِده، وَذَلِكَ أن الْوَزير مُحَمَّد باشا لم يعلن بوفاة السُّلْطَان سُلَيْمَان إلا فِي أثناء عودته من مَدِينَة سكدوار إِلَى بلغراد، بل أوهم الْجند أن السُّلْطَان مَرِيض وَلَا يُمكن لَأحَدَّ مُقَابلَته، وَلما أعلن مَوته إِلَى الْجنُود بعد مَوته بِنَحْوِ خمسين يَوْمًا لبست الجيوش عَلَيْهِ الْحداد، وَسَارُوا إِلَى بلغراد حَيْثُ كَانَ سليم الثَّانِي فِي انتظارهم، فطلبت الْجنُود مِنْهُ ان يوزع عَلَيْهِم العطايا الْمُعْتَادَة فأبى ثمَّ أذعن لطلباتهم لإظهارهم الْعِصْيَان والتمرد، وَعدم إطاعتهم أوامر ضباطهم وامتهانهم لَهُم بِحُضُور السُّلْطَان. (تاريخ الدولة العلية العثمانية ص253)

وفاته:
ودام سُلْطَانه إِلَى أَن مَاتَ على سَرِيره فِي ثامن شهر رَمَضَان الْمُعظم فِي عَام اثْنَيْنِ وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة (982هـ / 1574م) (سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي 4/ 108، نزهة الأنظار في عجائب التواريخ والأخبار 2/ 62 ، قصة الحضارة 30/ 146) وقيل: توفّي فِي 27 شعْبَان سنة 982هـ = 12 دسمبر سنة 1574م. (تاريخ الدولة العلية العثمانية ص258) وَقيل: سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة (983هـ) (البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع 1/ 267(
كَانَت مُدَّة سلطنته ثَمَانِي سِنِين و 5 اشهر (تاريخ الدولة العلية العثمانية ص258) وَقيل: ثَمَان سِنِين (سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي 4/ 109) وقيل: تسع سنين (نزهة الأنظار في عجائب التواريخ والأخبار 2/ 58)
وعمره اثْنَيْنِ وَخَمْسُونَ سنة قمرية (تاريخ الدولة العلية العثمانية ص258) وقيل: ثَلَاث وَخَمْسُونَ سنة (سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي 4/ 108)

ودفن قرب أيا صوفيا. (نزهة الأنظار في عجائب التواريخ والأخبار 2/ 62)
وَتُوفِّي عَن سِتَّة أولاد وهم: مُرَاد وَمُحَمّد وَسليمَان ومصطفى وجهانكير وَعبد الله وَثَلَاث بَنَات تولى بعده ابْنه السُّلْطَان مُرَاد الثَّالِث. (تاريخ الدولة العلية العثمانية ص258)
وتولّى السّلطنة بعد السّلطان سليم ولده السّلطان مراد خان سنة إثنين وثمانين وتسعمائة ومدّة سلطنته واحد وعشرون سنة. (نزهة الأنظار في عجائب التواريخ والأخبار 2/ 62)

أعماله وأهم الأحداث في أيامه:
لَمَّا جلس السُّلْطَان سليم الثَّانِي على سَرِير السلطنة بَادر فِي قيام شرائع الدّين فَبنى جَامعاً عَظِيماً بِأَرْبَع منائر كَامِلَة الإرتفاع بأدرنة، ومدرسة عَظِيمَة للْعلم بِعُمُومِهِ، ومدرسة مفخمة برسم الْقرَاءَات، وَهُوَ أول من عمر ذَلِك الْمحل، وَعمر عمَارَة برسم الطَّعَام للخاص وَالْعَام بِمَدِينَة قونية. (سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي 4/ 107)
وَعَمَّر خانات للمسافرين فِيهَا كِفَايَة النازلين بهَا مَعَ دوابهم من الطَّعَام وَالشرَاب. (سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي 4/ 107)

وَمن خيراته ابْتِدَاء عمَارَة الْمَسْجِد الْحَرَام سنة ثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة (980هـ) قبل وَفَاته بِسنتَيْنِ، وَإِن كَانَ تَمامهَا إِنَّمَا كَانَ فِي دولة وَلَده الْآتِي بعده السُّلْطَان مُرَاد بن سليم كَمَا سَيَأْتِي (سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي 4/ 108)
وَمن أعظم حَسَنَاته عمَارَة الْعين التي بدار الْخلَافَة الْعُظْمَى قسطنطينية الْكُبْرَى، والتي أجْرَاها السُّلْطَان سُلَيْمَان من مسيرَة سِتَّة أَيَّام أنْفق على ذَلِك من الْأَمْوَال مَا لَا يمكن حصره، فِي أَوَاخِر دولة السُّلْطَان سُلَيْمَان، وتمامها فِي أول دولة السلطان سليم الثاني (سمط النجوم العوالي 4/ 95، 4/ 108)

وَله خيرات كَثِيرَة بالحرمين الشريفين من الْأَجْزَاء القرآنية والنقود والحبوب الْمرتبَة كل عَام أُسْوَة أسلافه. (سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي 4/ 108)
وَأَنْشَأَ بَلْدَة كَامِلَة تعرف بقره نكار وَكَانَت خربة جَمِيعهَا، فَحصل بهَا غاية النَّفْع للْمُسلمين سِيمَا الْمُسَافِرين لِأَنَّهَا كَانَت معقلاً لقطاع الطَّرِيق الكسجية. (سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي 4/ 107)

العلاقات الخارجية:
التصالح مع النمسا:
صالْح السّلطان سليم النمسا بمعاهدة في 17 فبراير سنة 1568م، ومن شُرُوطهَا حفظ النمسا أملاكها فِي بِلَاد المجر، وَدفعهَا الْجِزْيَة السنوية المقررة بالعهود السَّابِقَة، واعترافها بتبعية أمراء ترانسلفانيا والفلاخ والبغدان إِلَى الدولة الْعثمانية، (تاريخ الدولة العلية العثمانية ص254)
وتجددت أيضا الْهُدْنَة مَعَ ملك بولونيا باعتراف الْبَاب العالي بالتحالف الَّذِي حصل مَا بَين ملك بولونيا وأمير البغدان. (تاريخ الدولة العلية العثمانية ص254)

امتيازات فرنسا:
وَكَذَلِكَ جددت مَعَ شارل التَّاسِع ملك فرنسا فِي سنة 1569 الاتفاقيات الَّتِي تمت بَين الدولتين فِي عصر السُّلْطَان سُلَيْمَان، وأَيَّد السُّلْطَان سليم الامتيازات القنصلية وَزَاد عَلَيْهَا امتيازات أخرى أهمها معافاة كل فرنساوي من دفع الْخراج الشخصي، وأن يكون للقناصل الْحق فِي الْبَحْث عَمَّن يكون عِنْد العثمانيين من الفرنساويين فِي حَالَة الرّقّ وإطلاق سراحهم، والبحث عَمَّن أخذهم بِصفة رَقِيق لمجازاته، وأن يرد السُّلْطَان كَافَّة الأشياء الَّتِي تأخذها قراصنة الْبَحْر من المراكب الفرنساوية ومعاقبة الآخذ لَهَا، وأن تكون المراكب العثمانية ملزمة بمساعدة مَا يرتطم من السفن الفرنساوية على شواطئ الدولة، وبحفظ مَا بهَا من الرِّجَال وَالْمَتَاع، وأن يكون لفرنسا كل الامتيازات الممنوحة لجمهورية البنادقة. (تاريخ الدولة العلية العثمانية ص254)

ولزيادة تَوْثِيق عرى الِاتِّحَاد بَين الدولة وفرنسا، وَزِيَادَة نُفُوذ اتحادهما اتّفقت الدولتين على ترشيح هنري دي فالوا أخي ملك فرنسا لعرش بولونيا ليَكُون لَهُم ظهيراً ضد النمسا من جِهَة والروسيا من أخرى وَقد تمّ ذَلِك فعلا وَصَارَت بولونيا تَحت حماية الدولة الْعلية حماية فعلية وإن لم تكن اسمية وَبِذَلِك صَارَت فرنسا ملكة التِّجَارَة فِي الْبَحْر الابيض الْمُتَوَسّط وَجَمِيع الْبِلَاد التابعة للدولة. (تاريخ الدولة العلية العثمانية ص254)

وأُرْسِلت تَحت ظلّ هَذِه المعاهدات عدَّة إرساليات دينية كاثوليكية إِلَى كَافَّة بِلَاد الدولة الْمَوْجُودَة بهَا مسيحيون، خُصُوصاً فِي بِلَاد الشَّام، لتعليم أولادهم وتربيتهم على محبَّة فرنسا، وَكَانَت هَذِه الامتيازات الْمُوجبَة لضعف الدولة بِسَبَب تدخل القناصل فِي الإجراءآت الداخلية، بِدَعْوَى رفع الْمَظَالِم عَن المسيحيين واتخاذها لَهَا سَبِيلاً لامتداد نفوذها بَين رعايا الدولة المسيحيين، وأهم نتائج هَذَا التدخل وأضَرَّه مَآلًا وأوخمه عَاقِبَة، اسْتِعْمَال هَذِه الإرساليات الدِّينِيَّة فِي حفظ جنسية ولغة كل شعب مسيحي، حَتَّى إِذا ضعفت الدولة أمكن هَذِه الشعوب الِاسْتِقْلَال بمساعدة الدول المسيحية، أوْ الانضمام إِلَى إحدى هاته الدول، كَمَا شوهد ذَلِك فِيما بعد. (تاريخ الدولة العلية العثمانية ص255)

حروبه وفتوحاته:
بِلَاد الْيمن
وَمن أعمال الْوَزير مُحَمَّد باشا صقللي أن أرسل جَيْشًا عَظِيماً إِلَى بِلَاد الْيمن فِي سنة 976 = 1569م تَحت قيادة عُثْمَان باشا الَّذِي عين عَاملاً عَلَيْهَا لقمع ثورة أهاليها الَّذين عصوا الدولة اتبَاعاً لأمر سلطانهم الشريف مُطَهَّر بن شرف الدّين يحيى، فانتصر عُثْمَان باشا عَلَيْهِم بمساعدة سِنَان باشا وَالِي مصر، وَدخلت الجيوش المظفرة بِمَدِينَة صنعاء بعد أن فتحت جَمِيع القلاع، وَفِي أوائل السّنة التالية اعْترف الشريف مُطهّر بسيادة الْبَاب العالي على بِلَاده. (تاريخ الدولة العلية العثمانية ص255)

وَاقعَة ليبانت البحرية
وَفِي هَذِه الأثناء غزت المراكب العثمانية جَزِيرَة كريد وظُنْته وَغَيرهَا بِدُونِ أن تفتحها، واحتلت مَدَائِن دلنسنيو وانتيباري على الْبَحْر الادرياتيكي، وَلما رأت البندقية تغلب العثمانيين عَلَيْهَا وَفتح كثير من بلادها استعانت بأسبانيا والبابا، وَتمّ بَينهم الِاتِّفَاق على محاربة الدولة بحرًا خوفًا من امتداد سلطتها على بِلَاد إيطاليا، فَجمعُوا مراكبهم وَجعلُوا دون جوان ابْن شارلكان سِفَاحًا من إحدى خليلاته اميراً عَلَيْهَا، فسارت سفن المسيحين إِلَى شواطئ الدولة، وَكَانَت تِلْكَ الدونانمة (الأسطول) المختلطة مؤلفة من 70 سفينة اسبانيولية و 140 من سفن البنادقة و 12 للبابا و 9 من سفن رهبنة مالطه، وقابلت هَذِه الدونانمة الْعِمَارَة العثمانية مؤلفة من 300 سفينة فِي 17 جُمَادَى الاولى سنة 979هـ = 7 اكتوبر سنة 1571 بِالْقربِ من ليبنة واشتبك بَينهم

الْقِتَال مُدَّة ثَلَاث سَاعَات مُتَوَالِيَة، انْتهى الامر بعْدهَا بانتصار الدونانمة المسيحية فاخذت 130 سفينة عثمانية وأُحرقت، وأُغرقت 94، وغنمت 300 مدفعا و 30 ألف أسيراً، وَهَذِه أول وَاقعَة حصلت بَين الدولة من جِهَة، وأكثر من دولتين مسيحيتين من جِهَة أخرى، واشتراك البابا فِيهَا يدل على أن المحرك لهَذِهِ التألبات ضد الدولة الإسلامية الوحيدة هُوَ الدّين، كَمَا أيَّدته الْحَوَادِث والحروب فِيمَا بعد لَا السياسة كَمَا يدعونَ. (تاريخ الدولة العلية العثمانية ص257)
وَكَانَ لهَذَا الْفَوْز رنة فَرح فِي قُلُوب المسيحيين اجْمَعْ حَتَّى أن البابا خطب فِي كَنِيسَة ماري بطرس بروما وشكر دون جوان على انتصاره على السفن الإسلامية، وَذَلِكَ مِمَّا لايجعل عِنْد الْمطَالع أقل رِيبَة أوْ شكّ فِي أن المسالة مسالة دينية لَا سياسية، كَمَا ادَّعَاهُ ويدعيه الأوروبيون، ويغتر بِهِ السذج الْغَيْر المطلعين. (تاريخ الدولة العلية العثمانية ص257)

وَلما وصل خبر هَذِه الْحَادِثَة إِلَى الأستانة هاج الْمُسلمُونَ على المسيحيين وهموا بقتل الْمُرْسلين الكاثوليك، لَوْلَا تدارك الْوَزير مُحَمَّد باشا صقللي الأمر، بَان حجز هَؤُلَاءِ الْمُرْسلين تَحت الْحِفْظ حَتَّى تعود السكينَة إِلَى ربوعها، وَقد أخرجهم بِنَاء على الحاح سفير فرنسا وَلم تقعد هَذِه الْحَادِثَة المشؤمة همة هَذَا الْوَزير بل انتهز فرْصَة الشتَاء وَعدم إمكان اسْتِمْرَار الْحَرْب لتشييد (أسطول) دونانمة أخرى وبذل النَّفس والنفيس فِي تجهيزها، وتسليحها حَتَّى إِذا أقبل صيف سنة 1572م، كَانَ قد تمّ استعداد 250 سفينة جَدِيدَة، (تاريخ الدولة العلية العثمانية ص258)

فتح حلق الوادي بمدينة تونس:
لما قصد دون جوان مَدِينَة تونس فِي أواخر سنة 1572 واحتلها بِدُونِ مقاومة لارتحال من كَانَ بهَا من العثمانيين عِنْد قدوم السفن الأسبانيولية، وتحققهم من أَن الدفاع لَا يجدي نفعاً، لقلَّة عَددهمْ بِالنِّسْبَةِ للأسبانيول فاحتلها دون جوان وأعاد إليها سلطانها مولَايَ حسن الَّذِي التجأ اليهم عِنْد دخول العثمانيين لبلاده، لَكِن لم يلبث إلا نَحْو 8 أشهر لاسترجاعها ثَانِيَة إِلَى أملاك الدولة بِمَعْرِفَة سِنَان باشا فِي اغسطس سنة 1575م (تاريخ الدولة العلية العثمانية ص258، نزهة الأنظار في عجائب التواريخ والأخبار 2/ 59)

بِلَاد البغدان:
وَفِي جِهَة بِلَاد البغدان انتصر العثمانيون بعد موقعة هائلة اهرقت فِيهَا الدِّمَاء كالسيول المنهمرة فِي 9 يونيو سنة 1574 على الأمير إيوونيا الَّذِي تمرد على الدولة طلباً للاستقلال وصلب جَزَاء عصيانه عبرة لغيره. (تاريخ الدولة العلية العثمانية ص258)

فتح جزيرة قبرس:
بالسين المهملة. قال في القاموس في باب السّين: قبرس جزيرة عظيمة للرّوم توفّت بها أمّ حرام بنت ملحان اهـ‍. وهي من البحر الشامي كبيرة القطر، مقدارها مسيرة ستة عشر يوما، وبها قرى ومزارع وأشجار كثيرة ومواشٍ، وفيها معدن الزّاج القبرسي، ومنها يجلب إلى سائر الأقطار، وبها ثلاث مدن، ومن قبرس إلى طرابلس الشام مجريان في البحر، وبينها وبين ساحل مصر خمسة أيام، وإنّما سميت بهذا الإسم أخذا من إسم وثن هناك يسمى قابرس كان يعظّمه الكفّار، ويعظّمون لأجله هذه الجزيرة، وأهل قبرس موصوفون بالغنى واليسار، وبها معادن الصفر، ويجمع منها اللاّذن الحسن الرائحة الّذي يغلب العود في طيبه إذا جمع من فوق شجره خاصة فيحمل إلى سلطان القسطنطينيّة لأفضليته، وما تساقط منه على وجه الأرض يباع للناس. (نزهة الأنظار في عجائب التواريخ والأخبار 2/ 59)
وكانت أمّ حرام بنت ملحان الصّحابية – رضي الله تعالى عنها – شهدت غزوة قبرس فتوفّيت بها، فأهل قبرس يتبرّكون بقبرها، ويقولون: هو قبر المرأة الصّالحة، كانت سألت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حين سمعته يقول: «يركب ثبج هذا البحر أناس من أمّتي ملوكا على الأسرّة»، الدّعاء أن يجعلها منهم، فدعا لها، وهو حديث معروف أخرجه رجال الصّحيح. (نزهة الأنظار في عجائب التواريخ والأخبار 2/ 59)

وكان معاوية – رضي الله تعالى عنه – غزاها وصالح أهلها على جزية سبعة آلاف دينار فنقضوا عليه، فغزاهم ثانية فقتل وسبى كثيراً منهم، روي أنّه لما فتحت مدائن قبرس، واشتغل المسلمون بقسم السّبي بينهم بكى أبو الدّرداء – رضي الله تعالى عنه – وتنحّى عنهم ثم احتبى بحمائل سيفه ودموعه على خدّيه فقال له أحد الحاضرين: أتبكي في يوم أعزّ الله فيه الإسلام وأهله، وأذلّ الكفر وأهله؟ فضرب على منكبيه وقال: ويحك ما أهون الخلق على الله إذا تركوا أمره، فبينما هي قوّة ظاهرة، وسطوة قاهرة لهم على النّاس، إذا تركوا أمره فصاروا أذلّة، وصار حالهم على ما ترى من السّبي والإهانة. (نزهة الأنظار في عجائب التواريخ والأخبار 2/ 60)

وقال أبو عبد الله محمّد بن عبد النّور في كتابه الرّوض المعطار في خبر الأقطار: انتهى خراج أهل قبرس الّذي يؤدّونه إلى المسلمين بعد المائتين من الهجرة إلى أربعة آلاف ألف وسبعمائة ألف وسبعة وأربعين ألفا (4747000)اه‍. ثم إنّهم هادنوا في الدّولة العثمانية بأداء ما كان مقرّراً عليهم غير أنّهم أخذوا في المكر والخداع وإظهار الطّاعة وإخفاء الغدر، فيقطعون الطّريق في البحر على المسلمين. (نزهة الأنظار في عجائب التواريخ والأخبار 2/ 60)
حتّى إذا أخذوا سفينة من المسلمين قتلوا جميع من كان فيها وغرّقوها في البحر لإخفاء ما فعلوه، ويؤوون قطّاع الطّريق من النّصارى ويساعدونهم على المسلمين إلى أن كثر أذاهم وعمّ ضررهم، فاستفتى السّلطان سليم خان المفتي العلاّمة أبا السّعود العمادي – رحمه الله تعالى – فأفتاه بأنّهم غدروا ونقضوا العهد، وأن قتالهم جائز بسبب ما ارتكبوا من الغدر والخيانة.(نزهة الأنظار في عجائب التواريخ والأخبار 2/ 61)

وَجَزِيرَة قبرص كَانَت تَابِعَة للبندقية، فجيّش عليهم السّلطان سليم الثاني جيشاً كثيفاً وارسلت إليها المراكب الحربية فِي سنة 978هـ = 1570م تَحت إمرة بيالي باشا تحمل مائَة ألف جندي يَقُودهَا مصطفى باشا اللالا الَّذِي كَانَت لَهُ الْيَد الطُّولى فِي عصيان وَقتل بايزيد اخي السُّلْطَان سليم. (تاريخ الدولة العلية العثمانية ص255، نزهة الأنظار في عجائب التواريخ والأخبار 2/ 61)

فساروا إلى أن بلغوا جزيرة قبرس، ففرّق الجند على حصونها وقد تحصّن بها الكفّار، وأحكموا خنادقها، وكان من أحكم الحصون المشيّدة بها ثلاثة عامرة، وهي في غاية الإرتفاع مشحونة بالسّلاح والأبطال واللّئام والقوت ومن دونهم خنادق غويطة عريضة محمية بالمدافع الكبار ترمي من يقرب منها (نزهة الأنظار في عجائب التواريخ والأخبار 2/ 61)
فرست السفن أمام مَدِينَة ليمازون لفقوسه كَذَا ذكرهَا القرماني فِي أول أغسطس، وَفتحت فِي 8 ربيع الآخر سنة 978 9 سبتمبر سنة 1570 (تاريخ الدولة العلية العثمانية ص256)
ثمَّ وضع الْحصار أمام مَدِينَة فماجوست ماغوسه كَذَا ذكرهَا القرماني ولاقتراب فصل الشتَاء أمهل فتحهَا إِلَى أوائل الرّبيع وابتدأت أعمال الْحصار ثَانِيًا فِي ابريل سنة 1571م، وَفتحت فِي 10 ربيع الاول سنة 979 = 2 اغسطس من السّنة الْمَذْكُورَة (تاريخ الدولة العلية العثمانية ص256)

أما الثّالث وهو المسمّى ماغوسا، فأحاطت العساكر بتلك القلعة، وفيها سلطانهم محصور فناوشوهم القتال برمي المدافع العظيمة باللّيل والنهار حتّى حطّمت دورهم وقصورهم، فاضطرّ إلى طلب الأمان، فشرط عليه الوزير إطلاق من عنده من أسارى المسلمين، ويحضر بين يديه، فوافق على ذلك ورضي به، فلمّا قدم الأسارى أخبروا أنه خان بعد إنعقاد الأمان، فقتل جماعة من الأسارى صبراً خفية على المسلمين، فلمّا علم الوزير ذلك طالبه بالحضور بين يديه، فحضر فأهانه غاية الإهانة بسبب ما ارتكبه من الخيانة، وأمر بضرب عنقه، وأخذ أمواله وذخائره، وقتل من أراد وأسّر وأطلق من أراد، فصارت قبرس من ذَلِك الْعَهْد دار الإسلام، ومن جملة الممالك العثمانية، إِلَى ان احتلها الانكليز بكيفية غَرِيبَة سنة 1878. (تاريخ الدولة العلية العثمانية ص256، نزهة الأنظار في عجائب التواريخ والأخبار 2/ 61)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

(لا يَأتيهِ البَاطلُ) (6)..من صور الإعجاز العلمي في القرآن الكريم.. آية الشمس والقمر

د. علي محمّد الصلابيّ قال تعالى:” هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ …