أخبار عاجلة
Fez hats in Antalya, Turkey.

“الطربوش” منعه حسني الزعيم.. وأدى لنزاع سياسي مصري تركي

لماذا الطربوشُ دون سائرِ الملابس؟ رغم أنّ الطربوشَ هو أسوأُ ما يُغطّى به الرأس، فهو كما يقولُ الطنطاوي:
لا يحجبُ شمسًا ولا يدرأُ مطرًا، إن أصابهُ ماءٌ فسدْ وإن  اختصمَ اثنان ضربَ أحدُهما الآخرَ به. وإن قُطعتْ طُرّتُه لا يُمشى به، لا يُطوى؛ يُفسدُه عرقُ الرأسِ فيصبحُ طرفُه كالزفتِ وساخةً..

كلٌّ يَدعي وَصلَ ليلى
فذاك يدعي أن أصلَه فارسي، وذاك يُغلِّظ الأيمانَ أنهُ عثماني، وهذا يرى أنه بلقانيٌّ مستنداً إلى عملةٍ ورقيةٍ هنغاريةٍ قديمةٍ عليها صورةُ أميرٍ يلبسُ طربوشاً. والأصحُ أنه عربيٌّ مغربي.

لكن بيتَ القصيدِ أن هذا الطربوشَ أخذ أبعاداً سياسيةً، فذاك الزعيمُ يمنعُ ارتداءَه ويفرضُ القبعةَ الأوربية،  وذاك يفرضُه ويعتمدهُ زيًّا رسميًّا ويعتبرُ القبعَةَ رمزاً استعمارياً.
مابين هذا وذاك حصلتْ واقعةٌ مشهورةٌ جدًا يومَ العيدِ الوطنيِّ التركيِّ عام 1932،  وخلالَ احتفالٍ رسميٍّ حضرَه شخصياتٌ سياسيةٌ، طلبَ الزعيمُ التركي أتاتورك من السفيرِ المصريِّ أن يخلعَ طربوشَه أمام الحضورِ ما اعتبرتْه مصرُ إهانةً  رسميةً، حيث قررَ الملك فؤاد سحبَ السفيرِ المصري من تركيا، احتجاجاً على الرمزِ الوطنيِّ، وبقي زيًّا رسميًّا حتى جاء عبدُ الناصر وأعلنَ إلغاءهُ بوصفِه رمزًا للملكية..

لكنْ حقيقةً كان يعدُّ الطربوش سيدَ الأزياء الشعبية ِ ومفخرةَ صاحبِه، ويعتبرُ مرتديه من الطبقةِ الغنيةِ أو المثقفةِ، لا وبل يعطي انطباعاً عن موقعِ الشخصِ ومكانتِه العلميةِ أو الاجتماعية.
بدايةً كان يلقبُ من يرتديهِ بالباشا أو البيك أو الأفندي قبل أن يشيعَ اعتمارُه عند عوامِ الناس..

كيف هرب “أحمد شوقي” من الحج واعتذر بقصيدة غنتها “أم كلثوم”؟


من طريفِ ما يروى عن الزعيمِ الوطني السوري “فارس الخوري” أنه مرّ بأحدِ أسواقِ دمشقَ، فرأى طربوشًا يناسبُ رأسهَ “المبجبج”، فأرادَ أن يشتريه إلا أنّ البائعَ طلبَ مبلغًا كبيرًا مستغلًا ندرةَ وجودِ طربوشٍ يستوعبُ رأسَ الخوري.. استغلاهُ الخوري كثيرا وهمّ بالانصراف، فقال له البائع: اسمعْ يا فارس بيك لو دُرتَ الدنيا كلَّها من شرقِها إلى غربِها، ومن شمالهِا لجنوبها لما وجدتَ طربوشًا كهذا يناسبُ رأسَك المبجبج (ما شاء الله).
رد الخوري: اسمعْ يا أخانا.. أنت أيضا ً لو دُرتَ الدنيا كلَّها لن تجدَ رأساً كرأسي يجيءُ طربوشُك عليه حفر وتنزيل..
فأخذه برأسِ ماله.

تابعنا في تويتر

لهذا الطربوشِ مكوجيٌّ خاصٌ يتزاحم الناسُ عليه مثلَ ازدحامهِم عند الحلاقِ في الأعياد، وكان الزعماءُ يتخذون كوّاءً خاصًا بهم، كهاشم الأتاسي الذي له مكوجيٌّ خاصٌ لطربوشِه في أحدِ أزقةِ حمصَ القديمة، يقال له “الحاج عبدالفتاح تربة دار”   ومن مشاهيرِ زعماءِ سوريا الذين لبسوا الطربوش: سعد الله الجابري، الرئيس القوتلي، والرئيس قدسي، ورئيسُ الوزراء خالد العظم، والزعيم فخري البارودي، إلى أن جاءَ “حسني الزعيم” على ظهرِ دبابتِه ليدمّرَ الحياةَ السياسيةَ والاجتماعيةَ في سوريا، فأصدر مرسومًا جمهوريًا على الطريقةِ الأتاتوركية، يمنع اعتمارَ الطربوش خلافًا للتقليدِ المتّبعِ لدى كبارِ سياسيِّ وأعيانِ سوريا آنذاك، لا بل تجاوزَ الأمرُ إلى إصدارِ قانونٍ مضحكٍ يمنعُ ارتداءَ البيجامة في الشارع،
ألغى هذين المرسومين (مرسومَ الطرابيش والبيجامة) الرئيس الأتاسي عند استلامِه دفةَ القيادة،  لكن أديب الشيشكلي بعد انقلابه أعادَ تفعيلَ مرسومِ البيجامة، دون الطربوش ليعيدَ له مكانته.

لمعتمري الطربوش فلسفةٌ حتى في اعتمارِه.  فلارتدائِه دلالاتٌ وقواعدُ عجيبة، فاذا وُضعَ الطربوشُ على الرأسِ مُجنَّحاً قليلاً إلى اليمينِ فهذا يعني أن صاحبَه يهتمُّ بمظهرِه وأناقتِه، وإذا جنحَ إلى اليسارِ قليلًا فيعني ذلك أن صاحبَه عاشقٌ هيمان، وإذا وُضعَ منتصفَ الرأسِ دلَّ ذلك على أن صاحبَه ذو وجاهةٍ ووقارٍ وهيبة، ومن حققَ هذا الشرطَ وجبَ عليه وضعُ وردةِ على عروِ سترتِه، ويفضلُ أن تكونَ حمراءَ اللون، كما يجبُ أن يحملَ بيده أينما ذهبَ وتوجهَ “عصا المارشالية” كالتي كان يحملها السادات الزعيم المصري؛ لتكتملَ بها مقوماتُ الهيبةِ والوجاهةِ.
أما إذا كان الطربوشُ مائلاً إلى الجبينِ  وإلى الأسفلِ قليلًا للوراء فضائقةٌ ماديةٌ وطَفَرٌ يعصفُ بصاحبِه.

ومما تناقلتْه ألسنةُ العامة:
حبيبي أسمرْ ومعدّلْ
وطربوشهْ سوريْ ومجدّلْ
يا ربي تحميْ هالأسمرْ
حتى يعدّلْ طربوشهْ

عارٌ وذِلةٌ وانكسارٌ إذا سقطَ الطربوشُ نتيجةَ خِصام، فإذا اختصمَ اثنان يحاولُ كلُّ واحدٍ منهما إسقاطَ طربوشِ الآخرِ والدوسِ عليه، دلالةً على إلحاقِ العارِ به  وتعييرهِ مدى الحياة..

تابعنا في فيسبوك


في لبنانَ كان الأمرُ مختلفًا نوعًا ما في كيفيةِ وضعِ الطربوش، فقد يُنقلُ الطربوشُ من الشمالِ إلى اليمينِ عند الزواجِ دلالةً على  الدخولِ إلى القفصِ الزوجي، أما تنكيسُ الطربوشِ إلى الأمامِ فعلامةُ حزنِ وانكسارٍ كتنكيسِ الدولةِ أعلامَها بعدَ حدثٍ محزن..

من نهفاتِ ذلك العصرِ أنّ الجهلانَ يُميِّلُ شرّابةَ طربوشِه إلى الأمام، فيُقال عنه: (عقلاتو براس طربوشه) أي: أنه مثال الطيش واللامبالاة. ومن تهكماتهِم:  بتعرف العِلْق منين يبان؟ بتكون شرّابة طربوشو لقدام.
والعِلْق: النفيس من كل شيء..

من نوادرهِم أيضاً:
مكتوبجي في حلب [والمكتوبجي: هو عينٌ على ماتنشره الجرائدُ والمطبوعات]  كان اللي يجمعه بالحلال.. بالحرام يزته بطربوشه..
ضجّوا الأهالي وراحوا شكوه للوالي.
قلن باقي لطربوشو إصبعتين تيتعبى.. الأحسن نبقيه أحسن ما يجي واحد جديد.. ويبلش يعبي طربوشو من أول وجديد..

للطربوشِ أمٌ لا يعرفُها إلا السوريون فما أنْ تذكرَ أمَّ الطربوش حتى تسمعَ تنهيدةً قد تصلُ دمشق، تنهيدةً تتحسرُ على تلك العملةِ النادرةِ من فئةٍ 500 ليرة القديمة، وأمُّ الطربوش نسبةً لصورةِ رأسٍ على وجهِهَا يحملُ ما يشبهُ الطربوش،

هذه الورقةُ العتيدةُ كانت بحرًا لا ساحلَ له، قعقاعُ المعارك، تفكُّ مشنوقًا في تعابيرِ السوريين،  لم تكن تهتزُّ صورتُها إلا أمامَ كراتينِ الموز وعُلَبِ المناديلِ المهربةِ من لبنان في الثمانينيات، يومَ أن قررَ البعثُ إسقاطَ الطربوشِ وأمِّ الطربوش واستبدالَه  برأسٍ آخرَ تعرفونه جيدَا يشبه رأس ال…..
ليخترْ كلُّ واحدٍ منكمْ التشبيهَ الذي يحب…..

أحمد عبد الحميد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

لو أنكَ..

عالية محمد علي شاعرة عراقية لو أنك أبطأت قليلاً خُطاكْوتوقفت لبرهة قبل الحدودوألتفتَّ …