دين ودنيا

المختصر الحاوي لأهم أفكار كتاب السياسة الشرعية للشيخ القرضاوي الحلقة (6) والأخيرة (تقييم وملحوظات)


عدنان أبو هليل

عضو هيئة علماء فلسطين
عرض مقالات الكاتب

أن يتخذ ” الاتحاد العام لعلماء المسلمين ” الذي يضم عشرات الآلاف من علماء كل المشارب والطوائف الشيخ القرضاوي – رحمه الله – إماما يُرئّسونه عليهم ويرتضونه لإمامتهم ، ومرشدا لأمتهم ، لا يتصور ذلك إلا لما جمع من علم وخبرات ، وما امتاز به من عدالة وقوة مواقفية واستقامة سلوكية ، وسعة الفهم ، والثقة بالمنهاج ؛ ذلك يجعل ما يكتبه الشيخ أو يقوله موضع قيمة واهتمام ؛ ما دفعني للقيام بهذا الجهد – التلخيصي – في هذا الوقت بالذات حيث صار يُختلف على ما حقه الاتفاق أو يتفق على ما يسعه الاختلاف في العمل السياسي

اقرأ: المختصر الحاوي لأهم أفكار كتاب السياسة الشرعية للشيخ القرضاوي (5من 6)

رجعت للكتاب فأعدت قراءته بروح الاحترام ؛ فوجدت سعة النظر ، وعمق الفهم ، واحترام النص ، وعيش الواقع ، وجسارة الطرح ، وصحة التنزيل ، والتجسير بين الموروث والحديث ، فدعوت الله تعالى أن يجزيه الخير الكثير ، وأن يجعل علمه وكتابه شفاعة له يوم لا تجزي نفس عن نفس شيئا .

ورغم ذلك فإني قد أخذت على الكتاب مآخذ ثلاثة ، هي لا تقلل من شأن ما احتواه من التحقيق والطرح ، ولكن الأمانة العلمية تفرض أن أسطرها ، وأرى أنها ستوسع رؤية الباحثين والمهتمين ، وإليك التفصيل : 

المأخذ الأول : أن الشيخ أسمى كتابه ( السياسة الشرعية في ضوء نصوص الشريعة ومقاصدها ) وهو عنوان – كما نرى – لا يستثني بابا من أبواب السياسة الشرعية ، وبهذا المحدد كان يفترض أن يتناول كل متعلقاته من موضوعات السياسة والعمل الحكومي ؛ ولو بتناول اختصاري ؛ ومن ذلك مثلا : تقاسم سلطة ولي الأمر في النظم الحديثة ، السياسة القضائية في الإسلام  ، الرقابة الشرعية على الحكم والحاكمين ، اتجاهات القومية والليبرالية والعلمانية والحزبية .. في ميزان الإسلام ، مناهج الإصلاح السياسي المعاصرة ، المنهج الحركي في السيرة النبوية ، دور المواطن العادي في الإصلاح والتغيير السياسي ، العلاقة مع المنظمات الدولية في ميزان الإسلام .. إلخ ) . 

تابعنا في فيسبوك

المأخذ الثاني : أنه لم يفرد فصلا للحركات الإسلامية ، باعتبارها تقوم بعمل دعوي وسياسي في الآن نفسه ، فصلا يجمع بين التأصيل ونظر الواقع ؛ فما بين الحركات والتنظيمات الإسلامية الدعوية خلاف يتخطى أحيانا الوسائل إلى الغايات والولاءات ، كما أن التجارب تختلف من ظرف لظرف حسب التحديات والسموحات والحظورات ومعادلات القوة والضعف ، كذا يختلف العاملون في حقل الدعوة والإصلاح والتغيير ؛ فمنهم الأمنياتي الخيالي ، ومنهم المتزمت ، ومنهم من يريد الوسطية فنحو للتسيب ، ومنهم من صوابه أكثر من خطئه ، ومنهم ينحو للانعزال ، ومنهم ومنهم ، ولا يمكن تجاهل كل ذلك في كتاب في السياسة الشرعية يكتبه نطاس خبير مؤصل كالقرضاوي له اعتباره كمؤلف ، واعتبار كمرشد للحراك الإسلامي ، وكل ذلك لجعل التنوع تكامليا لا تناقضيا ، ومنع استغلاله في إفساد ذات البين . 

المأخذ الثالث : وجدت قلم الشيح وهو يكتب بعض أفكاره ، مسكونا بحرص واضح على مفارقة فريقين أو اتجاهين تعرض لهما ؛ من يتسمون بالسلفيين ، الذين أسماهم ( أهل الظاهر ) ، ثم البراجماتيين الحداثيين ، الذين أسماهم ( المعطلة الجدد ) الذين يسقطون قداسة النص لصالح أوهام توهموها أو غزو فكري انسجموا معه .

هذه المفارقة جعلته أحيانا يخالف المنطق الوسطي الذي اعتمده لنفسه ، فوجدته أحيانا يضغط بثقل غير موزون على أحد الفريقين ، المشكلة الحقيقية هي عندما ينجم عن هذا الضغط رفض لما حقه القَبول ؛ وعندما تتحول بوصلة تحديد الوسطية من وسطية فهم النص وتحديد المصلحة ، إلى وسطية التموضع بين الفريقين ، دون الالتفات لما فيهما من الصواب أو الخطأ ، ودون إعمال الفرز الدقيق في تقرير مواضع التلاقي والتعارض .

الأمثلة على كثيرة على رفضه ما كان حقه القبول ، ولكني أكتفي بمثال واحد اختصارا ، وهو يوضح حرص الشيخ على اتجاه لا أراه مقطوعا بصحته :

استدل المعطلون النصوص بأن عمر رضي الله عنه منع إعطاء المؤلفة قلوبهم سهمهم من الزكاة ؛ قالوا : وهذا تعطيل لنص قطعي يعطي هذه الفئة سهما في الزكاة .

  • رد الشيخ وجاء رده رحمه الله : أن الذي حدث هو أن الإسلام قد عز ، ولم تعد حاجة لتأليف القلوب على الإسلام ، فانتفى بذلك وجود هذه الفئة ، وانعدم بذلك محل السهم ( الجهة ) ، وأن ذلك مثيل لحالة عدم وجود فئة العاملين على الزكاة ، أو عدم وجود فئة الفقراء ؛ فإن الزكاة لا تذهب لهاتين الفئتين لعدم وجودهما وليس لتعطيل النص بحقهم .
  • وأقول : بل إن الفئة موجودة في كل زمان ، إلا أن عمر ومستشاريه رضي الله عنهم ، قدّروا أن الأمة لم تعد تحتاج لهم ، فقرر إيقاف السهم ، وعليه فالاعتبار قد ذهب نحو تقدير مصلحة الحاجة لتأليفهم من عدمها ، وتبع ذلك تقدير استحقاق هذه الفئة الموجودة فعليا أو عدم استحقاقها ، وهذا بالضبط هو عين تعطيل النص القطعي في مقابل المصلحة المقدرة .

وأقول ختاما :
كنت أتوقع من الشيخ – وهو الممتاز بالمرونة والموضوعية وفقه المقاصدية ونظر الكليات واعتبار الجزئيات – أن لا يتخذ موقف الرفض المطلق لتعارض المصالح القطعية والنصوص القطعية ، وأن لا يؤخذ بالضدية تجاه المعطلين إلى هذا الحد ! أما تعليله هذا الرفض باستحالته على الله تعالى ؛ فهذا تعليل لا ينهض ، فليس كل النصوص القطعية يصلح تحكيمها في الحال العام ، فمن القطعية ما هو جزئي واستثنائي وفردي وظرفي ، فضلا عن أن النصوص كلها محدودة ، ولا يمكن أن تحيط بكل المصالح واستثناءاتها وتجددها وتغيرها .    

المسألة التي نتناولها هنا تصير جوهرية ؛ بما يوقعه إطلاق هذا الرفض على المسلمين في حرج وخطر ؛ فماذا – مثلا – لو ضعفت الدولة الإسلامية – كما هو حال دولنا اليوم ، ثم تعرضت لعدوان لا تحتمله ، ولم تستطع اتقاءه إلا بتنازل عن بعض حقوقها السيادية – كما حدث أيام صلاح الدين الأيوبي – أو بدفع إتاوة للعدو – يعني جزية عكسية – ؟ أليس إن حكّمنا النصوص القطعية الجزئية نكون أهلكنا الأمة وأضعنا الأكثر بالأقل ! ولو حكّمنا المصلحة ، ألسنا سنكون قد حكمناها وعطلنا كل النصوص القاطعة بعزة الإسلام ورد العدوان والتناصر بين المسلمين ! ثم أليس هذا هو عين التعطيل لأجل المصلحة !؟   

كان على الشيخ في هذا المقام أن يُفصّل ولا يُجمل ، وأن يضع أسسا للتعطيل والتحكيم ، إذ ليس كل تعطيل خطأ ، وليس كل تحكيم صحيحا ، فقد تكون المصلحة مجرد متوهمة ، وقد يُذهب لتعطيل كل النص فيما يكفي تعطيل جزء من مفهومه ، كما أنه ليس مِن حق كل أحد من مؤهل وغيره أن يجول بين النصوص تعطيلا وإعمالا ، ولا يستوي من يبذل وسعه في التبيّن والتقدير بمن يتعجل أو يتفلت .

فإن شئتُ أن أضع أساسا لهذا كله ، يجمع حماية النص وعدم إسقاط المصلحة ؛ فإني أراها أربع قواعد تتعلق بالمشتغل وبالقضية المتناولة ؛ هي :

1– أن يكون المشتغل مجتهدا مؤهلا بالمؤهلات المشروطة والمعروفة ؛ من العلم والاختصاص والخبرة والعدالة ، ويعرف ذلك عن العالِم أو عن ولي الأمر بالاشتهار ، وحكم أهل الحل والعقد ، وأن يكون مفوضا تفويضا صحيحا لا غاصبا لموقعه مستبدا في تقريراته .

2- أن يبذل المشتغل وسعه في جمع النصوص ، واستعراف المصالح ، والاطلاع على بيانات الواقعة ، تقيه التوهم والتهويل والتهوين والاحتواء .

3- أن لا يُتجه للتعطيل إلا بعد العجز عن التأويل أو جمعه بوجه مع المصلحة القطعية .

4– أن تكون المصلحة المتوخاة في مجال الضرورات ( جلبا أو دفعا ) وليست في الحاجيات ولا التحسينات .

وبهذا أكون قد أتممت تلخيص كتاب الشيخ القرضاوي ، وقد جعلت مقالاتي هذه بعنوان ( المختصر الحاوي لأهم أفكار كتاب ” السياسة الشرعية ” للشيخ القرضاوي ) ، وألحقت التلخيص بتعليقي على الكتاب وذكرت ثلاث ملحوظات ، أرجو أن تجد من يخدمها من تلامذة القرضاوي المقربين منه ، والناقلين عنه ما أمكن ، وفي نيتي أن أتبع في حلقة ( واحدة ) مضافة إثرائية حول مناقشة الشيخ رحمه الله استدلالات مخالفيه في بعض المسائل .. وأسأل الله تعالى أن يجعل جهدي هذا في موازين حسناتي وأن ينفع به ؛ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى