أخبار عاجلة

هل تجري أحكام الربا على العُمْلات المعاصرة؟


د. عطية عدلان

مدير مركز (محكمات) للبحوث والدراسات – اسطنبول
عرض مقالات الكاتب

بعمامةٍ كالبرج وجبَّةٍ كالخرج؛ دخل إلى البرنامج، يَقُودُه أنفٌ يكاد يطير في جو السماء من نَزَقٍ يسْتَفِزُّهُ وكبر يستحثه؛ وجلس أمام المذيع يجتهد بشطر وسعه في دفع الزهو الذي يموج في نفسه القلقة ويطفو على وجهه الباسر، وبالشطر الآخر يجتهد في تزيين فتواه بزخرف القول من الجمل التي تعجب الجماهير الغافلة، ودونما تمهيد كبير وجه إليه المذيع سؤالا يبدو حاسمًا لا لَفَّ فيه ولا دوران: ما حكم فوائد النبوك؟ لينطلق فورا غلامُ السيسي وشيخ الأزهر المنتظر في تدشين فتوى منسوجة من خيوط التدليس والتلبيس؛ فماذا قال العلامة طويل العمامة قصير الهامة؟! 

اقرأ: تعقيب على رد الدكتور عطية عدلان على نظرية العثماني عن آيات القتال

    قال – وبئس القول ما قال – إنّ فوائد البنوك ليست من قبيل الربا؛ لأنّ العملة الورقية ليست من الأموال الربوية الستة التي تنطبق عليها أحكام الربا، ولاسيما بعد انهيار قاعدة الذهب عام 1971م عندما أصدر “نيكسون” قراره بعدم التزام أمريكا بربط الدولار بالذهب، ثم طفق يطلق في الهواء جملًا فقهية وأصولية متفرقة من قبيل قنابل الصوت التي تلقي الرعب في قلوب العامة، وتضطرهم للاستسلام دون مقاومة؛ ثم انثنى يخفف من وطأة الصدمة بقوله: أقل ما يقال فيها أنها مختلف فيها!

تابعنا في فيسبوك

التقسيم الصحيح للربا

وحتى نأتي إلى الموضوع من بابه الواسع يجب أن نوضح أقسام الربا بالشكل الصحيح الذي لا أحسب “العلامة الغر” يجهله، فإنّ الربا لا ينقسم إلى فَضْلٍ ونَسِيئَة حتى ينقسم أولًا إلى ربا الديون وربا البيوع، فربا الديون يجتمع فيه الفضل (الزيادة) والنسيئة (التأجيل)، وربا البيوع قد يكون فضلًا، وقد يكون نسيئةً، وقد يجتمع فيه الفضل والنسيئة، فأمّا ربا الديون فهو الربا الذي يقع في الديون سواء كانت قروضا أو حقوقا مؤجلة، وأمّا ربا البيوع فهو الذي يقع في التبادل التجاري أي البيع والشراء، الأول (ربا الديون) هو ربا الجاهلية المحرم بنص القرآن، في آيات كثيرة منها قول الله تعالى في سورة البقرة: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ (279)) (البقرة: 278-279)، وقد عُرِّفَ بأنّه: “زيادةٌ مشروطةٌ في دين مقابل الأجل”. 

تابعنا في تويتر

    والثاني (ربا البيوع) هو الربا المحرم في السنة بحديث عبادة بن الصامت: قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ، فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ، إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ»(12)، وغيره من الأحاديث الواردة في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة وأبي سعيد وعمر بن الخطاب وغيرهم، تلك الأحاديث التي حصرت الأموال الربوية في ستة أصناف هي الذهب والفضة والقمح والشعير والتمر والملح، والتي اتفقت المذاهب الأربعة على أنّها يقاس عليها، وسميت هذه الأموال الستة وما يقاس عليها (الأموال الربوية)؛ لجريان ربا البيوع فيها وفيما يقاس عليها، دون غيرها من الأموال. 

    وعليه فإنّ انحصار الربا في أصناف معينه من الأموال، واختلاف العلماء في بعضها بسبب اختلافهم في علة القياس، كل هذا جار في ربا البيوع، لا في ربا الديون الذي تنتمي إليه فوائد البنوك، فربا الديون يكون في جميع الأموال، ويكون في الدين لا في البيع، فلو أنّ شخصا اقترض من آخر قنطارا من (التبن) على أن يرده له بعد مدة قنطارا وربع قنطار كان ذلك من الربا المحرم؛ فمن أقرض مالاً أيًّا كان نوع هذا المال فليس له إلا ما أقرض “وليس له أن يشترط الزيادة عليه في جميع الأموال باتفاق العلماء”(1) فالعلماء الذين اختلفوا في أصناف الأموال التي تدخل في ربا البيوع لم يختلفوا في أن ربا الديون والقروض يقع في جميع الأموال، حتى “أهل الظاهر الذين خالفوا الجمهور فوقفوا عند الأصناف الستة في البيع لم يخرجوا عن الإجماع في القرض”(2) بل إن صاحب المحلى نص على هذا الإجماع فقال: “الربا لا يجوز في البيع والسلم في ستة أشياء فقط: في التمر والقمح والشعير والملح والذهب والفضة، وهو في القرض في كل شيء … وهذا إجماع مقطوع به”(3) وروى وهب عن مالك قوله: ” كل شيء أعطيته إلى أجل فرد إليك مثله وزيادة فهو ربا”(4).


وعلى هذا فلو فرضنا جدلا أنّ العملة الورقية المعاصرة ليست من الأموال الربوية فإنّ هذا يؤثر في عملية بيع العملات ولا يؤثر في مسألة القرض، لأنّ الربا محرم في القرض والدين في جميع الأموال بإجماع المسلمين، فسواء قلنا إنّ العملة الورقية تقاس على الذهب بجامع الثمنية – وهو الصحيح الذي يجب المصير إليه – أو قلنا إنّها ليست من الأموال الربوية ولا تقاس على الذهب أو الفضة كما قال غلام الطاغية – وهو الباطل المندحر – ففي الحالين لا يجوز في العملة الورقية القرض بفائدة؛ لأنّ ربا الديون يقع في جميع الأموال سواء منها الربوي وغير الربوي.

  على أنّنا لا نسلم له ولا لأضرابه من المفتين المفتونين بأنّ العملات الورقية لا تقاس على الذهب والفضة، كيف وهي أثمان تتوافر فيها جميع مؤهلات الأثمان؟! فهذه العملات تَطْمَئِنُّ النفسُ بِتَمَوُّلِهَا، وتحظى بالقبول العام، وتصلح وسيطا في التبادل ومستودعا للثروة؛ فما الذي بقي من أوصاف الثمنية والنَّقدية؟! وليس صحيحا ما يدعيه الغلام الطامح في مشيخة الأزهر بطول عمامته من أنّ العملة الورقية تغيرت أحكامها بعد انهيار قاعدة الذهب؛ لأنّها لم تفقد بهذا المتغير مؤهلا واحدا من مؤهلات الثمنية، فلا تزال مالا مُتَقَوَّمًا وثمنا للأشياء، ولا تزال كل ورقة تدفع في مقابل سلعة أو خدمة، أمّا التأثيرات التي طرأت بسبب المتغير فهي اقتصادية لا علاقة لها بأحكام الربا وشرائط وقوعه. 

    بل إنّه على العكس من دعوى الغلام الأزهري فإنّ العملات الورقية قبل انهيار قاعدة الذهب لم تكن تمثل إلا سندات ديون على الجهات المصدرة لها؛ وذلك لوجود الغطاء الذهبي لها آنذاك، ولكن بعد أن انهارت قاعدة الذهب وانفصمت العلاقة بين الذهب والعملة الورقية في مختلف البلدان أصبحت النقود الورقية بذاتها بما تتمتع به من قبول عام كوسيط للتبادل، وبما تتميز به من حماية كاملة من الأنظمة والجهات المصدرة لها – أصبحت أساس النظام الاقتصادي الجديد وأحد البدلين في كل عملية من عمليات التجارة والأعمال، ويسمى من يقدمها في المبادلة بغيرها مشترياً، ومن يتقاضاها في مقابل ما يعرضه من سلع أو خدمة بائعاً، ويطلق على نسبة مبادلته بغيرها من السلع لفظ الثمن”(5). 

    إنّ “حكمة التشريع تقتضي جعل هذه الأوراق المتعامل بها بمثابة الذهب والفضة على حد سواء، حيث تجعل ميزاناً للتعامل كالنقود المعدنية في البياعات وفي  الديات وقيم المتلفات وأروش الجنايات وفي دخول الربا عليها ووجوب الزكاة”(6)، والعملة الورقية -برغم ما فيها من خلل بسبب عدم ثبات قيمتها- هي مقياس القيم في حياتنا المعاصرة، وهي الوسيط الأوحد في التبادل والتداول، وتلقى القبول العام في التعامل بها، وتطمئن النفوس بتمولها وادخارها، وتحظى بصفتي القانونية والإلزامية، إذ “تتمتع بقوة إبراء مطلقة، في الوفاء بالالتزامات، ويجبر الدائن على قبولها وفاءاً لدينه، ويعفي المدين من دينه بمجرد السداد بها”(7). 

     والقول بأن العملة الورقية كالفلوس التي كانت تصنع من النحاس وغيره قول بعيد، وقياسها عليها قياس مع الفارق لسببين أساسيين: الأول: أن الفلوس تصلح أن تكون عروضاً وسلعاً للتجارة؛ وذلك لإمكان الانتفاع بأعيانها، أما العملة الورقية فلا يتعلق الانتفاع بعينها حتى يمكن أن نقول إنها عروض تجارية كالفلوس، الثاني: أن الفلوس لم تتوافر فيها صفة الثمنية الغالبة؛ لوجود الدراهم والدنانير آنذاك، وتعامل الناس بهما في الغالب، أما العملة الورقية فصفة الثمنية الغالبة متوافرة فيها؛ وبذلك تفترق العملة الورقية عن الفلوس تماماً، ولا يصح القياس مع هذه الفروق الجوهرية، وإنما القياس الصحيح هو قياسها على الذهب والفضة بجامع الثمنية الغالبة.

    ومن المهم هنا أن أسوق بعض إجماعات العلماء بنصها؛ فهي تدل من جهة على قطعية تحريم الربا، كما تدل على أنّ اشتراط الفائدة مقدما ربا لا يجوز بالإجماع، وتدل بعض عباراتهم على أنّه في جميع الأموال، قال الإمام ابن قدامة: “كل قرض شرط فيه أن يزيده فهو حرام بغير خلاف، قال ابن المنذر” أجمعوا على أن المسلف إذا اشترط على المستسلف زيادة أو هدية فأسلف على ذلك أن أخذ الزيادة على ذلك ربا”(8)، وقال الإمام القرطبي: “أجمع المسلمون نقلاً عن نبيهم أن اشترط الزيادة في السلف ربا، ولو كان قبضة من علف كما قال ابن مسعود أو حبة واحدة”(9)، وقال الإمام ابن تيمية: “وليس له أن يشترط الزيادة عليه في جميع الأموال باتفاق العلماء”(10) ويقول الشيخ محمد أبو زهرة: “ولا يشك عالم في أي عهد من عهود الإسلام أن الزيادة في الدين نظير تأجيله ربا لا شك فيه”(11).

    وإنّني أدعو المسلمين إلى أن يهجروا فتاوى الصبيان الذين يتقافزون على الفضائيات؛ إلى فتاوى الكبار الأفذاذ، وإلى قرارات المجامع الكبرى، فقد أفتى الجهابذة الكبار من أمثال: الإمام محمد أبو زهرة، والشيخ عبد المجيد سليم، والشيخ حسن مأمون، والشيخ عبد الحليم محمود والشيخ محمد متولي الشعراوي والشيخ جاد الحق، والشيخ عطية صقر، وغيرهم؛

بتحريم فوائد البنوك بكافة صورها، وبذلك أصدرا المجامع الفقهية العظمى قراراتها، وكان أولها قرار مجمع البحوث الإسلامية في مؤتمره الثاني بالقاهرة مايو 1965م(12)، ثم صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في دورة انعقاد مؤتمره الثاني بجدة من 16:10 ربيع الثاني 1406هـ بنفس الحكم(13)، وبعده قرار مجمع رابطة العالم الإسلامي بنفس الحكم(14)، كما جاء في توصيات المؤتمر الثاني للمصارف الإسلامية بالكويت” التأكيد على أن ما يسمى بالفائدة في اصطلاح الاقتصاديين الغربيين ومن تابعهم هو من الربا المحرم شرعاً”(16)، ومن المعلوم أنّ قرارات المجامع الفقهية من قبيل الاجتهاد الجماعي الذي تتحقق فيه الشورى العلمية الرشيدة.

    وقد ييسر الله لنا أن نفك بعض العقد في النوع الثاني من أنواع الربا، وهو ربا البيوع بنوعيه الفضل والنسيئة، وذلك في مقال آخر إن شاء الله، والله المستعان.

(1) صحيح مسلم برقم (1587)

(2) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية 29/473.

(3) مجموع الفتاوى  29/535.

(4) المحلى لابن حزم  8/467.

(5) المدونة الكبرى  9/25.

(6) فقه البيع والاستيثاق د. على السالوس 2/1047.

(7) مجموعة رسائل الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود ص 318.

(8) الربا والأدوات النقدية المعصرة مقال للدكتور محمد عبد الله الشيبانى، مجلة البيان العدد 100ذو الحجة 1416هـ.

(9) المغنى لابن قدامة 4/ 360.

(10) تفسير القرطبى 3/211.

(11) مجموع الفتاوى ابن تيمية 29/535.[1]

(12) الشيخ: محمد أبو زهرة: بحوث في الربا ص 30.

(13) قرارمجمع البحوث الإسلامية في مؤتمره الثاني بالقاهرة 1385هـ/1965م.

(14) قرار مجمع لفقه الإسلامي في مؤتمره الثاني بجدة 1406هـ/1985م.

(15) القرار السادس لمجلس المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي في دورته التاسعة من 12 رجب 1406 هـ إلى 16 رجب 1406هـ.[1]

(16) التوصية الأولى من توصيات المؤتمر الثاني للمصارف الإسلامية بالكويت 1403 هـ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

قراءة في واقعنا المعاصر مع الشيخ “محمد قطب” رحمه الله (ج 3)

د. عثمان محمد بخاش باحث في الفكر الإسلامي والقضايا المعاصرة يرصد الشيخ قطب …